الملخص
منذ أحداث طوفان الأقصى في 7 أكتوبر من العام الماضي، كانت إيران صاحبة الحضور الأبرز في الصراع الدائر في الشرق الأوسط نتيجة الحرب على غزة. شكّلت إيران غرفة عمليات لفصائل المقاومة في المنطقة لمواجهة ومناصرة فصائل المقاومة في فلسطين، ولم تكتفِ بتنسيق الجانب العسكري فحسب، بل اهتمت أيضًا بالجانب الدبلوماسي والسياسي، نتيجة العلاقات المتميزة مع حركة حماس قائدة الطوفان الأقصى، والتي تخوض الصراع العسكري مع الكيان الصهيوني في غزة. تعرّضت إيران لمجموعة ضغوط كبيرة في حماية محور المقاومة، دافع البعض إعادة عدة معايير ودعايات في حساباتها للرد على اغتيال عدد من قادة المقاومة، إضافة إلى إيران والقدرات العسكرية، والمتغيرات الإقليمية والدولية كلها دورًا في معادلة الرد الإيراني المرتقب، لن تتجنب طهران الرد لكنها لن ترد دون حساب كلفة الرد والفائدة منه.
المقدمة
ترغب إيران في أن يكون لها مكانة استراتيجية في المنطقة بسبب الإرث التاريخي التي تتمتع به إيران كدولة قوية ومؤثرة وكبيرة في المنطقة، بغض النظر عن شكل النظام السياسي. ولم يتغير هذا المنحى الاستراتيجي في نظام ما بعد الثورة، في صناعة أهداف وركائز الدولة الجديدة التي لا بد أن تراعي مصالح إيران القومية وتعمل على تحقيقها.
تميّزت إيران بعلاقات وطيدة مع فصائل المقاومة الفلسطينية، إذ شكّلت القضية الفلسطينية أحد الركائز الأساسية لعقيدتها السياسية في دواخلها وخارجها بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وذلك لعدة اعتبارات أيديولوجية، لذا عمدت إيران إلى دعم جميع الدول الإسلامية ضد الكيان الصهيوني، كما أن هناك اعتبارات سياسية كنتاج لعقيدتها في تبني مواقف قوى الاستكبار والاستعمار ونصرة المستضعفين والدول التي تعرضت للاحتلال، وكذلك عامل مصلحي مرتبط بالقوة والمنفعة والمكانة على صعيد المنطقة.
خلقت إيران لنفسها شبكة واسعة من الحلفاء في الخارج ضمن فكرة (محور المقاومة) حتى أصبح يطلق عليها دولة قائدة المقاومة، وسمحت هذه الشبكة من الحلفاء بتوسيع نفوذها الاستراتيجي الإقليمي الذي تطمح إيران إلى لعبه في المنطقة، والذي يسمح لأعدائها بالتواصل وفتح خطوط التواصل معها للتفاوض والحوار وتحقيق الأهداف من أجل السيطرة على المنطقة.
وكان الصراع مع الكيان الصهيوني، وما يزال ملفاً حساساً ومحوراً دائماً في اهتمامات إيران الخارجية، لذا شكلت أحداث أكتوبر وما تلاها من استمرار حرب غزة الاختبار الحقيقي المحورية إيران في هذه القضية، وفي هذا التوقيت، وفي ظل هذه الأحداث، يعد ذلك اختباراً المكانة إيران الداخلية والخارجية، ولقدرات إيران التفاوضية، والدفاعية لدرء الخطر عنها أكبر قدر ممكن، ولإمكانياتها العسكرية والأمنية في مواجهة أي خطر خارجي.
وما تتعرض له إيران منذ 7 أكتوبر من ضغط وهجمات أمنية واستخباراتية وعسكرية. واستهداف لقادة المقاومة من حلفائها في الخارج ومواقع استراتيجية لإيران في الداخل الإيراني، التي كان آخرها اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية) في طهران، يجعلنا أمام مجموعة من الأسئلة التي قد تكون أسئلة مفتوحة، الغرض منها التفكير وليس حتمية الإجابة في ظل أنماط الصراع الدائر حاليا الذي تجاوز عنصر المفاجأة فيه العديد من المواقف والنظريات، سنحاول في هذه الورقة طرح بعض من هذه الأسئلة ومحاولة تقديم أفكار تساعدنا على فهم طبيعة أثر الحادثة على إيران، وإمكانياتها، والسيناريوهات المحتملة حول ردود الأفعال نتيجة الرد الإيراني على الكيان الصهيوني، هل سيكون الرد مباشراً أم غير مباشر ؟ هل ممكن أن تندلع حرب؟ وغيرها من الأسئلة الممكنة.
إيران والقضية الفلسطينية
رأت إيران بعد الثورة أنه من باب الوفاء لتاريخها الإسلامي والالتزام بمبادئ ثورتها والتمسك بمصلحتها الوطنية العليا وبأمنها القومي أن تجعل من القضية الفلسطينية قضية مبدئية. وأن تربط بين استمرارية الدولة في الداخل وتأثيراتها الإقليمية في مواجهة ما عدته «قوى الاستكبار والدفاع عن فلسطين كونها مسألة مبدئية ومصيرية، وأي تنازل عن فلسطين يعد مساساً بطبيعة النظام السياسي الإيراني واختياراته الاستراتيجية، إذ ما يعني أن القضية الفلسطينية أصبحت في نظر إيران بعد الثورة عقيدة وطنية [1]
وبناء على ذلك، تميزت إيران بعلاقات وطيدة مع الجهات الفلسطينية، ولا سيما مع القوى الإسلامية المقاومة، وخصوصاً مع بروزها كلاعب رئيس ومؤثر في طبيعة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، ولم تنحصر العلاقة مع فصيل أو حركة محددة، بل كانت العلاقة مع الفصائل
المقاومة الفلسطينية والأجنحة العسكرية كافة وعلى رأس هذه القوى والحركات (حركة حماس) التي على الرغم من حداثة العلاقة مع إيران، إلا أنها تميزت بنوع من الخصوصية والعلاقة المتينة، وانعكس ذلك على الدعم المالي واللوجستي التي قدمته إيران إلى الحركة، وهذه الخصوصية في العلاقة كانت بسبب وجود عدة قواسم مشتركة بين الطرفين ومنها اتفاق الطرفين على مواجهة مفاوضات السلام العربية – الإسرائيلية، كذلك التوافق والانسجام بين إيران والحركة حول القضية الفلسطينية وحلولهما التي تتمحور حول رفض التفاوض، واقتراح حل الدولتين ورفض المشروع الأمريكي للسلام، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير[2] وغيرها من المواقف التي ترجمت إلى نوع من الأفعال التي من خلالها دعمت إيران حركة حماس على طول تاريخها المقاوم مع الكيان الصهيوني، وكانت إيران حاضنة مهمة لحركة حماس في تنسيق المواقف والتوجهات، لا سيما على المستوى السياسي، التي حرص أغلب قادة حماس في الجناح السياسي على إدامة تنسيق العمل والتواصل المستمر، وكانت علاقة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السابق إسماعيل هنية الذي اغتيل في طهران بتاريخ 31 يوليو الماضي من العام الحالي، إبان حضوره مراسم تنصيب الرئيس الجديد المنتخب مسعود بزشكيان في طهران، علاقة خاصة مع إيران وقادتها على المستوى الرسمي وغير الرسمي لذلك، هذه الحادثة التي اتهمت إيران الكيان الصهيوني بها؛ لها أثر كبير في النظام الإيراني لعدة أسباب:
الأول: إن الحادثة جاءت من العدو التاريخي وداخل أرضها مما يعني انتهاكاً لسيادة الدولة وضربا للأمن القومي الإيراني.
الثاني: الاستهداف كان لضيف إيران وقائد في المقاومة التي تدعمها إيران، وتستضيفها وتدافع عنها.
الثالث: الحادثة هي ضرب الرمزية المقاومة ومحاولة لتشويه صورة الدولة الحماية للمقاومة التي تمثلها إيران.
الرابع: هو إظهار الوهن والضعف في الجانب الاستخباراتي الداخلي لأجهزة الأمن الإيرانية وهذا ما يعكس صورة سلبية عن إمكانيات إيران الأمنية كقوة إقليمية كبرى.
إيران والتحول من سياسة الصبر الاستراتيجي إلى الغضب الشامل
انتهجت إيران سياسة «الصبر الاستراتيجي كأحد الثوابت في الاستراتيجية الإيرانية على صعيد التعامل مع الأزمات الخارجية، سواء على المستوى السياسي أو الدبلوماسي، وحتى الأزمات الأمنية أو ساحات الحروب، والأمثلة عديدة على ذلك، النزاع ما بين المملكة العربية السعودية وإيران والنزاع مع الولايات المتحدة، والصراع مع الكيان الصهيوني، وحتى على مستوى الحرب كانت سياسة الصبر الاستراتيجي حاضرة بشدة، ويظهر ذلك بشكل واضحإبان الحرب العراقية – الإيرانية، التي كانت المحطة الأولى والأبرز لاختبار سياسة الصبر التي ثبتتها إيران هذه السياسة مكنت إيران من تحقيق أهدافها الاستراتيجية كدولة إقليمية ودولة تطمح إلى المكانة الدولية، لذا عليها أن تقوم بوظائف معينة تضمن لها هذا الدور.
في هذا الإطار، يؤكد أستاذ الاستراتيجية د. علي فارس حميد على اعتماد الأطر النظرية للوظيفة والدور في تفسير الإستراتيجيات الدولية، استناداً إلى افتراضات سياسات المكانة التي ناقشها هانز موركنثاو، لذا يؤكد أن المكانة التي تسعى الدولة إلى تحقيقها تجعلها تتجه إلى اعتماد أدوار محددة في التفاعلات الدولية، قد تكون قريبة من وظيفتها في النظام أو قد تعارضها لبناء وظيفة جديدة، فالأسس المنطقية في بناء المكانة تعتمد على ما يتصل بها من دور تقوم به الدولة وما يُفترض بها من وظائف داخل النظام [3]، لذا وظفت إيران هذه السياسة للحصول على الدور الفاعل بالنظام
دور خلقته إيران لنفسها ووظيفة فرضتها في النظام، كدولة ذات توجه سياسي – ديني مختلف، وبفواعل مختلفين عن النظام الإقليمي، وخطط عملية تقوم بها من أجل لعب هذا الدور، وتأدية هذه الوظيفية مثلاً، مثلت فكرة دولة قائدة المقاومة، والدولة المعادية للكيان الصهيوني، والدولة التي تمتلك سلاحاً نووياً في مقابل الكيان الصهيوني، وظائف جعلتها إيران لنفسها، لتحصل على المكانة التي تطمح بها كدولة إقليمية فاعلة في الأمن الإقليمي ومؤثرة في النظام الدولي، ويتضح ذلك بالعديد من المواقف منها اتفاق (51) الخاص بالبرنامج النووي الإيراني، وسياسة بناء الحلفاء الإقليميين والدوليين، وسياسة إثبات النفوذ. وكذلك تجنب الحروب المباشرة حتى مع أشد الأعداء لها.
إلا أن ما تتعرض إليه إيران في الآونة الأخيرة من أحداث تمس مكانتها الدولية والإقليمية فضلاً عن المساس بالأمن القومي الإيراني، ابتداء من اغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال (قاسم سليماني) في غارة أمريكية بالعراق إلى الاغتيالات المتكررة في داخل الأراضي الإيرانية لشخصيات أمنية وعسكرية مهمة في الجهاز الأمني الإيراني الداخلي أو الخارجي، وكذلك شخصيات رفيعة المستوى في البرنامج النووي الإيراني والتفجيرات الإرهابية المتكررة التي تعرضت لها إيران من الداخل، والتي كانت التصريحات عادة تشير إلى تورط الكيان الصهيوني أو الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الأحداث، جعل الكثير يتساءل حول مدى تخلي إيران عن سياسة «الصبر الاستراتيجي» والدخول في حالة عدم السيطرة على الغضب، الذي قد يدفعها إلى المواجهة المباشرة، إلا أن الاستراتيجية الإيرانية أثبتت مرة أخرى مدى تمسكها الشديد بسياسة الصبر الاستراتيجي لتحقيق أهدافها الاستراتيجية وضمان الدور والمكانة الدولية تارة عن طريق رد الاعتبار، وتارة أخرى عن طريق فرض الاعتبار.
ومع بداية أحداث طوفان الأقصى في 7 أكتوبر من العام الماضي، دخلت أطراف المقاومة الإسلامية الحليف الأساسي لإيران، في ساحات حرب متعددة وشديدة، مما زاد الضغط على إيران في طبيعة التعامل مع الموقف، لا سيما وأنها تعد دولة قائد محور المقاومة» في المنطقة، استمرت إيران في استخدام سياسة الصبر الاستراتيجي، إلا أن حالات الاستفزاز المتكررة من قبل الكيان الصهيوني لها، وكذلك الضربات المتكررة على حلفاء في الخارج شهدت زيادة كبيرة وعدت ضربات استراتيجية لقيادات في محور المقاومة الإسلامية، لا سيما في العراق ولبنان جعلها أمام ضغط شديد آخر في إمكانية حماية الحلفاء والدفاع عنهم.
تعرضت إيران لضغط شديد؛ مما جعلها أمام حرج إقليمي ودولي، فضلاً عن الداخلي كبير جدا، بعد تعرض قنصليتها الدبلوماسية في دمشق 3 – 4 أبريل 2024، لضربة بغارة من الكيان الصهيوني، أدت إلى مقتل مجموعة من القيادات الإيرانية واللبنانية والسورية اعتبرت إيران هذا الحدث على أنه اعتداء على سيادتها بشكل صريح، وهذا دفعها إلى التخلي عن سياسة الصبر الاستراتيجي جزئياً في إطار رد الكرامة، من خلال توجيه ضربات جوية بمجموعة من الصواريخ العابرة والمسيرات المتفجرة التي بلغ عددها ما يقارب 300 صاروخ ومسيرة من الأراضي الإيرانية باتجاه إسرائيل[4]، وهي الخطوة التي عُدت بداية المواجهة المباشرة، إلا أنها ضربة لا تتعدى كونها ضربة رد اعتبار تكتيكية، تمكن الكيان الصهيوني من استيعابها وعدم الرد المباشر عليها.
إن حادثة اغتيال إسماعيل هنية، وعلى الرغم من عدم تبني الكيان الصهيوني العملية بشكل مباشر، إلا أنه في الوقت ذاته لم ينف أو إخلاء المسؤولية عن ذلك، عدت إيران هذا الأمر اختراقاً لسيادتها وأمنها في أرضها، واغتيال ضيفها سيكون له أثر كبير، وهذا ما تؤكده القيادات الإيرانية ابتداء من المرشد الأعلى إلى القيادات الأمنية والسياسية الإيرانية، وإيران سترد على ذلك بكل تأكيد ؛ قال المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي، إن من واجب إيران الانتقام لحادثة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية المريرة والصعبة». كما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن طهران ستجعل «المحتلين الإرهابيين يندمون على فعلتهم الجبانة، وأن بلاده ستدافع عن كرامتها وسلامة أراضيها». ووفقاً لتقارير من قبل قيادات إيرانية أمنية وسياسية، فإن السيد خامنئي أمر بضرب الكيان الصهيوني[5]، إلا أنه إلى الآن لم يثبت أن إيران قد تخلت عن سياسة الصبر، من خلال عدم الرد. بل أدخلت مفاهيم جديدة على ترسيخ هذه السياسة إذ عدت إيران أن عدم الرد الحالي، وعدم الإعلان عن زمان ومكان الرد وطبيعة الرد هو أحد الأساليب التي تتبعها في صراعها النفسي والدعائي مع الكيان الذي تحاول من خلاله زعزعة استقرار الطرف الآخر واستنزاف قدارته النفسية والإمكانيات البشرية واللوجستية بأطول وقت ممكن، وهذا يوضح لنا أن إيران لم تعرف على أنها دولة غاضبة، تتخذ القرارات الصعبة بناء على رد الفعل السريع، وإنما دولة تمتلك مدركاً استراتيجياً تقيس من خلاله الفعل ورد الفعل وتداعياته، وكل ما يحيط به، ذلك في حسابات الرد على حادثة هنية، لا يتعلق برد الاعتبار كما حصل في رد إيران السابق المذكور أعلاه
الذي اتصف أنه رد اعتبار، وإنما يحاول الكيان الصهيوني، بهذه الحادثة جر إيران من خلال رد الفعل إلى ساحة المواجهة التي قد تتوسع بأي شكل من الأشكال إلى حرب.
إيران والكيان الصهيوني: ارتباط وجودي بصراع أيديولوجي
عند تتبع أمد الصراع الدائر بين الكيان الصهيوني وإيران، نرى أن جزءاً كبيراً من هذا الصراع قائم على أساس تنافس أيديولوجي، استخدمه كل طرف لتحقيق أهداف استراتيجية على المستوى الداخلي للدولة، أو على المستوى الخارجي، في الساحة الإقليمية والدولية، ترتبط هذه الرؤية بالأسس التي بنيت عليها الرؤية الإيرانية تجاه إسرائيل والرؤية الإسرائيلية تجاه إيران بعد الثورة، نشأت الدولة الإيرانية بعد الثورة الإسلامية في عام 1979، على مجموعة عقائد التي شكلت بدورها الأسس البنائية لعقيدة الدولة الداخلية والخارجية، وكانت هذه العقائد واضحة بشكل كبير على الصعيد الخارجي، وأهمها موقفان مهمان وهما: الأول العداء مع إسرائيل ونتج هذا الموقف نتيجة مجموعة من المواقف الداخلية والخارجية وأهمها معارضة قائد الثورة الإسلامية السيد الخميني لسياسات الشاه مع الكيان الصهيوني والعداء الأمريكا واعتبراها مستعمرة ومضطهدة للمستضعفين الهدف التي قامت على أساسه الثورة وتحاول تحقيقه، لذا شكلت القضية الفلسطينية والعداء للكيان الصهيوني نقطة ارتكاز واحد أسس استراتيجية «أيدولوجية الثورة التي عملت إيران على تصديرها للخارج، لذا أخذ الصراع مع الكيان الصهيوني والتعامل مع القضية الفلسطينية بعداً عقائدياً وحضارياً وسياسيا، حتى صارت معه القضية الفلسطينية أداة من أدوات الشرعية في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية [6].
ولم يكن هذا الأمر مختلفاً في الرؤية الإسرائيلية، فقد الكيان الصهيوني، حليفاً مهما في الشرق الأوسط والإقليم الآسيوي، إيران في الزمن الشاه، فخسارة الكيان لإيران بعد الثورة لم تقتصر على جانب واحد فقط، وإنما شملت الجوانب كافة أمنية وعسكرية، واقتصادية وتجارية وسياسية، لأن الصهاينة كانوا ينظرون دائما إلى إيران على أنها جسر في الطريق إلى الهند والصين، لأن في إيران أكبر طائفة يهودية في آسيا يقدر عددهم ما يقارب (100) ألف يهودي، لذلك أثارت الثورة الخوف لدى الصهاينة حول ذلك، إذ عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين بالقول ( ينبغي الإسراع في معرفة كيفية إيقاف المد الثوري الذي يجتاح المنطقة بسبب انتصار ثورة إيران سقوط الشاه، ويمكنني الآن القول إن عصر الفتوحات الإسرائيلية قد تقلص وربما ذهب مع الشاه، وأن عصر التراجعات والاضطراب وثورات الداخل سيبدأ في المستقبل).
ويتضح أن الخطر الأيديولوجي الذي سببته إيران من خلالها شعاراتها الدينية والسياسية تدعو إلى إزالة إسرائيل، ومن الوجود واعتبراها غدة سرطانية، كان له دور بارز في تكوين الصراع الوجودي بين الطرفين [7]، إذ يعد العنصر الأيديولوجي أحد أهم المرتكزات التي قامت على أساسها دولة إسرائيل، بالعقيدة الدينية والأيديولوجية التي من خلالها شكلت دولتها. فهي دولة بلا أمة» لذلك تحتاج إلى رابطة من خلالها تبني أمة الدولة التي لا بد أن تتوفر لها روابط ومشتركة تجمعهم، وتعد عملية صناعة العدو، أو صناعة التهديد سياسة مهمة الإسرائيل لاستمرار ديمومة الأمة الإسرائيلية التي ترغب فيها، وكذلك كي تحظى بالدعم والاستمرار بالقتل بضمير مرتاح، وكذلك لتشتت الانتباه داخل دولتها عن المشكلات الاجتماعية والانقسامات المجتمعية التي قد تظهر في أي لحظة بسبب عدم وجود روابط الأمة المشتركة.
وفي ذات الوقت كي تستمر في إدامة الدعم الخارجي، ولا سيما الغربي لها، بعد التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، وتغير إيران من المعسكر الغربي إلى معسكر لا شرقية ولا غربية شعار الدولة الذي صاغه السيد الخميني في التعامل مع الدول آنذاك وطبيعة انقسام العالم إلى معسكرات في المقابل، كذلك صاغت إيران مجموعة من الأهداف الأيديولوجية في التعامل وبناء دولتها وتوجيه سياساتها الخارجية على أساسها، مثل المصلحة القومية والوطنية الإيرانية
الالتزام بالشريعة، ويقصد بها الشريعة الإسلامية الشيعة في الإطار الخاص) وكذلك دعم نضال مستضعفي العالم، الدفاع عن حقوق المسلمين في العالم، أو يسمى (اتحاد مسلمي العالم)، ومبدأ اللاشرقية واللاغربية.
لذلك، هذا يعكس أن وجود كلا الطرفين هو مهم لوجود الطرف الآخر، لأن بزوال أحد الطرفين يعني بداية زوال أجزاء كبيرة من الطرف الآخر، ولا سيما في الوقت الحالي نتيجة الذاكرة التاريخية لهذا الصراع المبني على الأيديولوجية، إذ استمر كلا الطرفين، في توجيه الداخل والخارج ضد الطرف الآخر، وحتى على المستوى الأمني والعسكري، نشأ ما بين الطرفين ما يسمى (المعضلة الأمنية).
التي تعني أن كلا الطرفين متخوف من نوايا الطرف الآخر الأمنية والعسكرية، ويخشى الهجوم في أي لحظة، وأن كلا الطرفين يمتلك القدر الكافي من القوة الظاهرية والكامنة. وقادر على إظهارها أو استخدامها، مما يجعل الطرفين في حالة تأهب دائم، ورفع مستوى الاستعدادات والاحتياطات الأمنية من خلال التسليح أو إنشاء الحلفاء، وتوسيع القدرات وإنشاء شبكة علاقات المصالح في الإقليم، لا سيما إذا علمنا أن كلا الطرفين يسعى إلى الهيمنة الإقليمية.
هل ترغب إيران في حرب إقليمية؟
مع تقدم الوقت في حرب غزة، ومحاولات الكيان الصهيوني في عمليات الاستنزاف بالعمليات العسكرية، ازدادت حدة التوترات بين الكيان الصهيوني ومحور المقاومة في المنطقة، وهذا يبين محاولة الكيان جر فصائل المقاومة إلى حرب شاملة أطرافها متعددين وأهدافها خيالية، ومساحاتها غير محدودة بالمقابل، يبدو أن محور المقاومة يدرك هذا الأمر جيداً. ويتعامل مع الأزمات وفقاً لقواعد الضبط، إلا أن التغير في منحنيات الصراع الذي انتهجه الكيان من خلال توجيه الضربات المباشرة، في عمق مناطق المقاومة الإسلامية، كما حدث في اليمن، وضرب ميناء الحديدة، واغتيال صالح العاروري وفؤاد شكر في جنوب بيروت واغتيال إسماعيل هنية في طهران، وقصف القنصلية الإيرانية في سوريا، هذا ما دفع محور المقاومة إلى تغير قواعد الحرب.
إذ أكد السيد حسن نصر الله في خطابه مطلع أغسطس 2024، بأنها «مرحلة تنتهي فيها عمليات إسناد المقاومة الفلسطينية، وتبدأ فيها عمليات الحرب المفتوحة»، ليؤكد في خطابه أيضاً على أن الرد على عمليات اغتيال فؤاد شكر وإسماعيل هنية، سيكون «مدروساً»
وربما يكون متفرقا» أو متزامنا»، أي إشارة إلى التزامن بين فصائل المقاومة بشكل جماعي، وعلى رأسهم إيران، أو كل جهة تقوم برد منفرد متفرق، وهذا يعكس التغير الكبير الحاصل في طبيعة التعامل مع الصراع وتغير خيارات ضبط الحرب بالمقابل لم ترد إيران، أو تؤكد أو تصرح بأنها تريد حرباً إقليمية في المنطقة[8] على الرغم من تأكيدات إيران على حق الرد، وهذا يبين على أن إيران قد لا ترغب في ساحات الحرب المباشرة أو الحرب المفتوحة وحرصها على تجنب شن حرب مباشرة مع الكيان الصهيوني
بالرغم من دعمها إلى حلفائها باستمرار بطريقتها الخاصة، وهذا يتضح بشكل جلي بعملية الرد الإيراني في أبريل التي حاولت فيها إيران على إظهار قوتها ومحاولة إيصال رسائل إلى الكيان حول قدرتها في الرد بالعمق الاستراتيجي لهم. لكن في المقابل، يتضح أن محاولات جر إيران إلى ساحة المواجهة هي رغبة قد تكاد تكون شخصية من رئيس وزراء الكيان الصهيوني (بنيامين نتنياهو ليس لجر إيران فحسب، وإنما لاضطرار الولايات المتحدة الأمريكية إلى مواجهة إيران المباشرة، التي يحاول من خلالها تحقيق هدفين، الأول تدمير القدر العسكرية الإيرانية، والثانية محاولات نتنياهو في إنهاء النظام السياسي الإيراني، هذا الأمر يعود إلى أسباب عديدة يقلق منها «نتنياهو» أهمها :[9]
1 برنامج إيران النووي الذي تشير مصادر عديدة إلى أنه دخل الآن في مرحلة تسمح لإيران تقنيا بإنتاج السلاح النووي، وإن صدر قرار سياسي بذلك.
2 برنامج إيران التسليحي، وخصوصاً الصاروخي، والذي وصل بدوره إلى مرحلة متقدمة جدا تسمح لإيران بالدخول في مواجهة مسلحة مباشرة مع الكيان الصهيوني، إذا ما اضطرت إلى ذلك، رغم ما بينهما من تباعد جغرافي كبير.
نفوذ إيران الذي تغلغل تدريجيا في عدد كبير من دول المنطقة، وخصوصاً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وكلها دول تعج بقوى متعاطفة بشدة مع القضية الفلسطينية ومستعدة لتقديم كل ما تستطيع من دعم لفصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة.
في مقابل، نرى أن تصريحات الجانب الإيراني لم يتضمن أبدأ الرغبة الإيرانية في شن الحرب على الرغم من التأكيدات بخصوص الرد بل وأكثر من ذلك عادة ما يستخدم الساسة الإيرانيون خطاباً ثورياً شديد اللهجة بشأن تأكيدات الرد في هذا السياق، يقول نائب وزير الدفاع الإيراني (حجة الله قريشي إن بلادنا لا ترغب في الحرب ولكن الاعتداء سيقابل بالرد [10]، في المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني (عباس عراقجي) خلال تغريدة له على منصة : إن الفعل الإيراني على الهجوم الإرهابي الإسرائيلي في طهران حاسم، وسوف يكون مدروساً ومحسوباً جيداً»، وكذلك أكد بالقول «نحن لا نخشى التصعيد، ولكننا لا نسعى إليه، على عكس الراغبين فيه»، وهذا يبين الفارق بين الرغبة الإيرانية والرغبة الإسرائيلية التي تسعى إلى توسع دوائر الحرب، وهذه الرغبة الإسرائيلية نابعة مع عدة اعتبارات منها أيديولوجية وسياسية وأمنية واستراتيجية على مستوى المصالح والنفوذ في المنطقة، على الرغم من الرؤية المتحكمة في الصراع بين الكيان وإيران بعد الثورة الإسلامية، قد لا تكون بنيت على عامل الحرب، كما هو الحال بين المقاومة الفلسطينية والكيان، وإنما على أساس الأيديولوجية، إلا أن الرغبة الشخصية لـ (نتنياهو) تكون مغايرة عن ذلك، إذ يحاول جر إيران إلى حرب مفتوحة، وقد يعود جزء من هذه الرغبة إلى طبيعة الصراع بين إيران والكيان، إذ نرى في وصف الرئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي نتنياهو) عندما كان يشغل منصب زعيم تكتل الليكود في التسعينيات، عد إيران أكبر خطر وجودي تواجهه إسرائيل.[11]
التريث بالرد: تكلفة الرد عالية جداً
تدرك إيران أن كلفة الرد المباشر التي قد يؤدي إلى الحرب المباشرة مع الكيان الصهيوني ليس بالقليلة، ليس على الإمكانات العسكرية أو الدفاعية أو الاقتصادية أو ربما حتى السياسية الداخلية والخارجية لإيران، بل على الأهداف والاستراتيجيات لإيران، التي تسعى إلى تحقيقها في الداخل الإيراني، والمكانة الإقليمية، والدور، ومن هذا المنطلق تدرس إيران خيارات الرد والتداعيات المحتملة عليه، لا سيما وأهمها خيار الحرب المفتوحة التي يسعى إليها نتنياهو، لذلك إيران كدولة لديها مدرك استراتيجي ولديها مصالح وأهداف داخلية وخارجية، ستقوم بحسابات الرد بشكل كبير جداً، وربما بسياسة النفس الطويل للثأر، لا سيما وأن إيران في الأوقات الأخيرة برزت أداة الحرب النفسية ضد الكيان كواحدة من استراتيجيات المناورة. في الرد وبقاء الهدف أمام عينها واعين الآخرين، بينما تقوم بإعادة حسابات الكلفة، وهذا يعطيها وقتاً وفسحة لدراسة كلفة الرد والتفاوض والمناورة، ولملمة أوراقها الداخلية والخارجية، وتحضير عدة سيناريوهات لأي احتمال ممكن لذا تأخر الرد الإيراني أو التريث ليس قراراً، وإنما خطوة لتحقيق الرد بسبب وجود عدة اعتبارات للرد، ومنها:
ساحة الحرب عن الحديث عن ساحة الحرب فلا بد التركيز على نقطتين أساسيتين هما المسافة الفاصلة، والحدود المشتركة فالمسافة الجغرافية الواسعة بين إيران والكيان الصهيوني، والتي تبلغ ألف كيلومتر، يجعل هذا الأمر صعباً من الناحية اللوجستية والجغرافية والعسكرية، إذا تحتاج إيران وإسرائيل إلى طرق برية وجوية وبحرية لنقل المعدات والقوات وفتح جبهات وتأمين متطلبات الجبهة العسكرية اللوجستية، هذا من الناحية اللوجستية، على الأرض، ومن ناحية أخرى متعلقة بقدرة السلاح، بالرغم من امتلاك إيران عدداً كبيراً من صواريخ عابرة القارات، ومجموعة كبيرة من الطائرات المسيرة المتوسطة والخفيفة المقاتلة واللوجستية، والانتحارية، إلا أن الحديث عن رد ممكن يؤدي إلى الحرب، فإن ذلك سيكون مكلفاً من الناحية اللوجستية.
فعند النظر بالأسلحة التي استخدمتها إيران في الرد السابق على الكيان ستتبين بوضوحهذه الصورة، إذ وفقا للخرائط العالمية الرسمية، فإن المسافة بين إيران والكيان الصهيوني جوا تبلغ 1585 كيلومترا، أي ما يعادل 985 ميلاً، وبرأ تبلغ 2077 كيلومتراً، أي ما يعادل 1291 ميلاً، ووفقا لوسائل إعلام إيرانية، فإن أحدث طائرة مسيرة أنتجتها إيران التي تحمل اسم (مهاجر (10) وتبلغ سرعتها 210 كيلومترات في الساعة.
ويمكنها حمل قنابل وذخيرة تصل إلى 300 كيلو غرام، وعند إجراء عملية حسابية للمسافة بين الطرفين وقدرات المسيرات الإيرانية، فإن الزمن المستغرق لوصول هذه المسيرات إلى تل أبيب يستغرق تقريبا 7 – 8 ساعات [12]
وفي هذا الصدد يؤكد استشاري الطيران فارس الجواري»، على أن سرعة وصول أي طائرة عسكرية أو مدنية كانت تعتمد على أمرين مهمين الأول جودة صناعة الطائرة وأقصى سرعة تصل لها في الساعة وفقاً لمواصفات الصناعة، والثاني الأحوال المناخية، وجهة انطلاق الطيران، إذ تختلف السرعة ومدى الوصول وفقاً لجهة الطيران من الشرق إلى الغرب والعكس[13] وهذا يعني عملية استنزاف مرهقة جداً، فقد تتحطم بعض المسيرات وتسقط قبل وصولها، وتقد يعزز الكيان الصهيوني الأجواء الدفاعية الخاصة به إلى حين وصولها، وربما تعترض أجواء هذه المسيرات بعض الدفاعات الإسرائيلية، أو الأمريكية، أو ربما لبلدان في منطقة حليفة للكيان، فهذه عملية مرهقة واستنزاف كبير، لا سيما إذا تطور الأمر إلى حرب مفتوحة لا أحد يعلم وقت انتهائها، أما فيما يتعلق بالحدود المشتركة؛ نظراً للتباعد الجغرافي بين إيران والكيان الكبير جداً، فهناك مجموعة دول تفصل البلدين عن بعضهما، وإذا ما تطور الرد إلى حرب مفتوحة ستحتاج إيران الى موافقة هذه الدول لتكون ممراً برياً أو بحرياً أو جوياً، لقواتها ومعداتها، وربما قد تكون بعضها مقرات عسكرية مؤقتة للقوات الإيرانية، لا سيما تلك القريبة من الكيان الصهيوني، مثل سوريا ولبنان والأردن، كلفة هذا الأمر ليست سهلة، فمجرد السماح يعني موافقة هذه الدول على الحرب، وقد تتعرض إلى أزمات سياسية، اقتصادية، أمنية، وربما حتى عسكرية، ومن هذه الدول يستطيع تحمل كلفة الحرب في ظل الظروف الجارية في المنطقة.
الكلفة الاقتصادية تعاني إيران من أزمات اقتصادية كبيرة جداً متعلقة بالعقوبات الأمريكية على النظام الإيراني، وهذا ما يجعل تأمين كلفة الحرب أو الرد الكبير قاسية، لا سيما وقد تنحاز العديد من الدول التي لديها تعاملات اقتصادية معينة وبأشكال متعددة مع إيران، نتيجة ضغط غربي – أمريكي للكيان الصهيوني وتقوم بتضيق هذه التعاملات أو ربما قطعها، فبالتالي سيكون الأمر مكلفاً على إيران من الناحية الأزمات المالية الداخلية الإدارة شؤون العامة للدولة والمواطنين، وكذلك الإنفاق العسكري، إذ أغلب الاعتماد الإيراني العسكري على جهات من المعسكر الغربي، وهذا ما يقوض قدرتها الإنتاجية العسكرية في حالة الحرب مثلاً.
السياسة الداخلية والحالة الانتقالية يتمتع النظام الإيراني بالمؤسساتية المحكمة ويراعي هذه المحورية في القرارات التي يتخذها في الكثير من الأحيان، والنظام السياسي الإيراني حاليا يعيش حالة من مرحلة الانتقال السياسي بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية. الأخيرة التي أفرزت صعود الرئيس الإصلاحي (مسعود پزشكيان الذي نالت حكومة الثقة قبل فترة وجيزة، وهو بالتأكيد لديه رؤية للحرب والأزمات الداخلية والخارجية، وأهمها الأزمة الاقتصادية وملف النووي الإيراني، تجد إيران نفسها مع بداية عهد رئيسها الجديد الذي يسعى إلى فتح باب الحوار مع الغرب، وخصوصا مع الولايات المتحدة، أمام اختبار كبير، إنها تريد أن تقوم برد ما، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التورط في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، ولا تريد التأثير سلباً في فرص الحوار مع واشنطن، ولا سيما أن ذلك أحد أهداف عملية الاغتيال التي أمر بها نتنياهو في طهران العمليات الأخيرة في الحديدة. وفي حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، وفي طهران نفسها موجهة كلها ضد إيران التي شدد نتنياهو في خطابه أمام الكونغرس على الصراع معها، وعلى ضرورة التحالف الأميركي الإسرائيلي ضدها [14] بالإضافة على الانقسامات السياسية الإيرانية العديدة. منذ مقتل الجنرال قاسم سليماني) إلى انتخاب بزشيكان نتيجة التهديدات الداخلية والخارجية التي تتعرض لها إيران، فضلاً عن مستويات قوى الأمن الداخلي، فهناك تيار سياسي واجتماعي واسع في الداخل الإيراني، يشكك في الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإيرانية بتقصيرها وضعفها في منع أو صد الاعتداءات المتكررة التي تتعرض لها الجمهورية، مما دفع بعض الأصوات الإيرانية لتطالب بعملية هيكلية لهذه الأجهزة المعرفة المقصرين وتعزيز قدراتها.
المصالح والأهداف الإقليمية والدولية: إيران دولة قادرة على تحويل الأزمة إلى
فرصة للاستفادة منها بأكبر قدر ممكن، وليس أي أزمة وأي فرصة، كالاعتداء الإسرائيلي على أرضها وسيادتها ومقتل ضيفها وحليفها في أهم قضية عقائدية مصلحية لديها، لا سيما وأنها تعيش أوقاتاً ليست بالجيدة على صعيد اتفاقياتها الخارجية وتحقيق أهدافها. خصوصاً في الملف النووي، والعقوبات الاقتصادية وسياسة الحلفاء لها، وتداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وتداعيات الانتخابات الأمريكية المرتقبة، لذا قد تحاول إيران بكل ما أوتيت من قوة تحقيق أكبر وأعلى قدر ممكن من المكاسب من خلال هذه الأزمة، في هذا الإطار عاد الحديث بشكل كبير جداً حول البرنامج والاتفاق النووي الإيراني إذ كانت هناك مساع من وزير الخارجية الإيراني السابق عبد اللههيان، ومن حكومة بايدن، إلا أن ما أعاق ذلك هو مجلس الشورى الإيراني من خلال قانون يمنع ذلك، لذا شهد هذا الملف تراجعاً قبل وفاة الرئيس الإيراني السابق رئيسي ومع صعود الرئيس الجديد الذي ينوي فتح الحوار مع الغرب، تشير بعض التقارير أن القيادة الإيرانية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي بأنه لا يوجد عائق من إجراء الحوار حول البرنامج النووي [15] وكذلك يلعب ملف العقوبات الاقتصادية دوراً مهما في هذه الأزمة والفرصة التي تحاول إيران الاستفادة منها على غرار الاتفاق الأمريكي الإيراني السابق الذي حصلت من خلاله إيران على أصول وأموال إيرانية مجمدة، فهي قد تحاول من ذلك إلى نفس الهدف، وهذا ما يعكسه حديث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي) في اللقاء تلفزيوني، وهو الأول منذ توليه المنصب حول التعامل مع العقوبات الاقتصادية، إذ يؤكد بالقول تتبع إستراتيجيتين هما تحييد العقوبات والعمل على رفعها، وبطبيعة الحال، فإن مسألة تحييد العقوبات لها. أولوية أعلى[16]
من جانب آخر إيران كانت قد ربطت ردها الانتقامي على اغتيال هنية بنتيجة المفاوضات الأخيرة، التي باتت فرص نجاحها شبه معدومة، الأمر الذي يضع إيران في حالة حرج، كذلك في رهان آخر لطهران تمثل في أخذ ثمن أو دور إقليمي أكبر كنوع من المقايضة في حال أحجمت عن توجيه ضربة واسعة إلى إسرائيل، وفي الوقت الذي كانت تجلس فيه نبض واشنطن حول ما يمكن أن تقدمه يبدو أن لغة الأميركية دفعت إيران لإعادة حساباتها، فالتواجد العسكري الأميركي البحري بلغ مستوى غير مسبوق في المنطقة[17] .
الرد المنفرد والمشترك
تتميز إيران بشبكة حلفاء واسعة بفصائل المقاومة الإسلامية في المنطقة، لا سيما في لبنان واليمن والعراق وسوريا فضلاً عن فلسطين، وقد أخذت إيران على عاتقها دور ومسؤولية هذا المحور، حتى باتت تسمى دولة قائدة المقاومة»، ومع بداية أحداث 7 أكتوبر، شكلت إيران غرفة عمليات مشتركة مع هذه الجهات لتنسيق الجهود وتوحيد جبهات الإسناد إلى محور المقاومة في فلسطين، حتى بات البيت الأبيض يؤكد على أن إيران هي دولة المفاوضات الرسمية وهي الدولة والجهة التي يجب أن يتم التنسيق معها لخفض التصعيد وتحقيق الاستقرار في المنطقة.
مع زيادة التوتر بين أطراف المقاومة والكيان الصهيوني من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، جعل إيران أمام حرج كبير في موقف الرد حتى عرف مصطلح «الرد المشترك» الذي يشير إلى توحيد جبهات المقاومة في الردود على الكيان الصهيوني، إلا أن مفهوم الرد المشترك لم يدخل إلى الخدمة الفعلية إلى الآن، وما يتم هو تنسيق جبهات الإسناد، حتى في طبيعة توحيد الرد نتيجة الهجمات الأخيرة التي تعرض لها محور المقاومة في لبنان وإيران والعراق واليمن وسوريا. إيران لم تعلن عن طبيعة الرد هل سيكون مشتركا أم منفردا، وهذا ما يؤكده السيد حسن نصر الله في خطابه الذي ألقاه في أسبوعية القائد فؤاد شكر) الذي قال الرد آت لا محالة سواء بشكل منفرد أو مشترك، معتبراً أن حالة الانتظار الإسرائيلي هي جزء من العقاب، وذكر أن إيران تجد نفسها ملزمة بالرد والعدو ينتظر بتهيب كبير وضياع وأن حزب الله يرى نفسه ملزماً بالرد، مضيفاً، وحدنا أو في إطار رد جامع لكامل المحور [18]
يؤكد هذا أن مسألة الرد المنفرد أو المشترك تأخذ حيزاً واسعا في النقاش بين جبهات المقاومة، لا سيما وأن كلفة الرد المشترك المباشر ربما ستكون عالية جداً على محور المقاومة، كون أغلب فصائل المقاومة لا سيما في العراق، لبنان اليمن) هي جهات فاعلة غير رسمية، إلا أنها تشكل ثقلاً سياسياً واجتماعياً وقانونيا في النظام السياسي لدولها كونها جزءا من النظام، قد يتفق ويتقاطع النظام السياسي معها في مواقف عديدة، سياسية أو اجتماعية، وبالتالي دخول هذه الأطراف مسار الحرب المباشرة المفتوحة سيكون ذا كلفة عالية جداً، لا سيما ستكون دول هذه الأطراف في موقف لا تحسد عليه، بين الموقف الرسمي لها كدولة، من هذه الأطراف من جهة، وموقفها من الحرب من جهة أخرى.
يبدو أن المشهد أكثر وضوحاً في لبنان واليمن بسبب السيرورة التاريخية لطبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني، وخصوصاً أن قوة وتأثير ضربات حزب الله والحوثيين، هي الأشد والأكثر ضرراً من الناحية الجغرافية واللوجستية، والعسكرية، والجغرافية، فحزب الله يضرب العمق الإسرائيلي وأهدافه استراتيجية محددة تحد من القدرة العسكرية والأمنية للكيان والحوثيون استخدموا ورقة طرق التجارة العالمية البحرية وشلوا حركة التجارة العالمية في البحر الأحمر من خلال سيطرتهم على مضيق باب المندب، والأعمال التي يقومون بها لقطع الطريق عن السفن التجارية والعسكرية العابرة إلى الكيان الصهيوني.
الوضعان العراقي والسوري قد يكونان الأكثر غموضاً وتذبذباً نتيجة تداخل المتغيرات العديدة في طبيعة التركيب، إذ على الرغم من التعاطف الكبير والشديد من الشعب العراقي مع القضية الفلسطينية، إلا أن فكرة الدخول بحرب تثير قلق العراقيين جميعاً، نتيجة الأوضاع التي مر بها العراق خلال العقود الأربعة الماضية وطبيعة الحرب والصراع المستمر الذي كلف العراقيين الكثير
بل يذهب جزء آخر من العراقيين إلى ربط الذاكرة العراقية بفكرة الحرب الحالية، من خلال ربط تصرفات صدام حسين آنذاك في ضرب إسرائيل، والنتيجة التي حصل عليها من حصار اقتصادي وتدمير كامل لقواعد وبنية النظام السياسي والاجتماعي.
ومن جهة أخرى، أن أطراف المقاومة العراقية تعد الحلف الحاكم في العراق فيما يسمى الإطار التنسيقي) الذي يضم أطراف المقاومة وغيرها بصفتها السياسية، وتشكل هذه الأطراف الحكومة الحالية الحكومة التي تتمتع بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة والمعسكر الغربي، وهذا ما يعكسه أداء رئيس الحكومة رئيس الوزراء العراقي (محمد شياع السوداني)، لذا فإن الدخول في حرب مباشرة ضد حليف المعسكر الغربي – الأمريكي الكيان الصهيوني مع عدو هذا المعسكر «إيران» سيكون له ثمن باهظ على الوضع الداخلي العراقي، إذ لا أحد يستطيع إنكار وتأثير المتغير الأمريكي في النظام السياسي العراقي الداخلي، وفي علاقات العراق الخارجية، وما تعرض له النظام في الآونة الأخيرة من عقوبات اقتصادية أمريكية شلت مفاصل القطاع الاقتصادي العراقي، نتيجة القرب من إيران، وكذلك الضربات العسكرية التي تقوم القوات الأمريكية في العراق، ضد جهاز أمني عراقي، والتي تستهدف داخله قواعد وفرقا معينة معللة ذلك يقربها وعلاقتها المتينة مع إيران، جعل الحكومة والائتلاف الحاكم في أمر حرج شديد في التعامل
تدرك إيران هذه المخاطر والتداعيات، وتحاول الحفاظ على محور المقاومة في المنطقة وإدامة الزخم والقوة له، وليس أضعافه بأي شكل من الأشكال، لذا تركت مسألة الرد مفتوحالجميع الأطراف وفق ما يراه مناسباً بالوقت والزمان والمكان والطبيعة لترفع عنهم الحرج وتضمن بقاءهم في عنصر المناورة، وهذا ما عبر عنه بشكل واضح وصريح يوم 26 آب/أغسطس، السيد حسن نصر الله في خطابه حول عملية الرد الأولية لاغتيال فؤاد شكر التي سميت رد «يوم الأربعين»، الذي قال إن أحد عوامل التريث والتأخر في الرد هو للتشاور والتباحث وحسم ما إذا كان محور المقاومة يرد بشكل منفرد أو مشترك، وجاء الرد بعد أن حسم قرار محور المقاومة بأن كل طرف يرد بشكل منفرد، وهو يحدد متى وكيف يرد وفق اعتبارات عديدة وضعها محور المقاومة ستتضح مع الوقت. [19]
الأطراف الدولية لن تقف مكتوفة الأيدي
يرتبط النظام الإقليمي بشكل ما بالنظام الدولي، والتفاعلات الدولية، كونه جزءا لا يتجزأ من طبيعة التفاعلات العالمية، والساحة الدولية، ولا سيما وإن كان النظام الإقليمي يشكل محوراً مهماً واستراتيجياً للقوى الدولية الكبرى والفاعلة، مثل منطقة الشرق الأوسط التي تعد منطقة تنافس وصراع دولي ومد النفوذ بسبب عوامل كثيرة، والتداخلات والتجاذبات الموجودة في المنطقة تعكس ذلك، لذا إن أي فعل أو رد فعل في منطقة الشرق الأوسط سيكون له تأثير دولي، وكذلك سيكون له تأثير دولي أيضاً، لا سيما مع كفي الصراع، في المنطقة الكيان الصهيوني وإيران)، الذي يمثل كل طرف منهما محور دولي معين، وعمق علاقاتي مع طرف دولي معين.
في تطورات الرد الإيراني والانجراف إلى حرب مباشرة لن يتوقف الأمر عند حد الحرب بين طرفين في منطقة معينة، وإنما يمتد إلى دخول الأطراف الدولية الصراع بشكل أو بآخر. على سبيل المثال منذ أحداث 7 أكتوبر، وإلى غاية الآن يقف المعسكر الأمريكي – الغربي إلى جانب الكيان، وبأشكال الدعم كافة العسكرية المالية اللوجستية، وعلى السياسية على مستوى القرارات الدولية والمواقف في المنظمات والمؤسسات الدولية، كمحكمة العدل ومجلس الأمن وغيرها، إذ أجهض هذا المعسكر تقريباً جميع القرارات المتبناة ضد الكيان الصهيوني، وبذات الوقت ما زال الدعم المالي واللوجستي مستمر بشكل كبير، فضلاً عن الدعم العسكري.
منذ إعلان إيران النية للرد على حادثة استهداف طهران، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، أن الولايات المتحدة ستعزز وجودها العسكري في الشرق الأوسط عبر نشر المزيد من السفن الحربية والطائرات المقاتلة لتخفيف احتمالات تصعيد إقليمي من جانب إيران» أو وكلائها.
في ذات الوقت أرسلت الولايات المتحدة أصولاً عسكرية، وعلى رأسها حاملة الطائرات «يو أس أس ثيودور روزفلت للمنطقة هو تعزيز الإجراءات الردع [20]، وعلى الرغم من دعوات الرئيس الأمريكي جو بادين لمنع التصعيد والحرب، وكذلك دعوة كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، لمنع التصعيد، إلا أن أي توسع بالحرب ستدخل هذه الأطراف وغيرها لجانب الكيان، خصوصاً إذا توسع الصراع بعد الانتخابات الأمريكية المقبلة، ومع احتمالية صعود المرشح الجمهوري دونالد ترامب والمعروف بشدة عدائه لإيران.
في المقابل، تمتلك إيران علاقات قوية ومتينة مع روسيا والصين، ولديها علاقات تواصل مع كوريا الشمالية، وهذه الدول بدورها أيضاً ستقوم بتقديم الدعم العسكري أو المالي أو التسهيلات لإيران في زخم الحرب، على سبيل المثال تمتع إيران بعلاقات عسكرية جيدة مع روسيا، ويعد السلاح الروسي عنصراً مهماً في منظومات الدفاع الإيرانية، وفي زيارة الأولى قام فود روسي بزيارة إيران التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والقيادات الأمنية والعسكرية الإيرانية من جانبه طلب بزشکیان منظومات دفاع جوية متطورة من روسيا وذلك بسبب الرفض المتكرر من روسيا بتزويد إيران منظومة الدفاع «إس 400»، في ذات الوقت تعد العلاقة بين إيران وروسيا في ملف الصراع الإيراني – الإسرائيلي، معقدة ومركبة فروسيا لا ترغب في ضرب أو إزعاج نتنياهو في حرب مباشرة، ولكنها في ذات الوقت ترغب في إزعاج الولايات المتحدة، لذا قد تستخدم روسيا إيران من خلال تزويدها مجموعة أسلحة خفيفة ومتوسطة في حربها، لتوجيه ضربات للقواعد الأمريكية في المنطقة، مثل العراق وسوريا واليمن وليس لحربها المباشرة ضد الكيان الصهيوني.
في هذا تقر بأنها دولة بعيدة عن الصراع السياسي والحروب، ولم تكن الحرب حاضرة في علاقاتها بدول منطقة الشرق الأوسط، وتتميز الصين بعلاقات ديدة مع كلا الطرفين الإيراني والإسرائيلي طرف منهما عنصراً مميزاً في العلاقات، لذا لا تحاول الصين خسارة أحد الطرفين حرب العسكرية، كونها لم تتين مفهوم الحرب بسياساتها الخارجية وتعاملاتها مع الدول، وإنما تبني علاقاتها على أساس المصلحة والمنفعة في الجانب الاقتصادي بالدرجة الأولى، لذا أي حرب في منطقة سيهدد التعاملات والمصالح الاقتصادية الصينية ومشروعها التي تعمل عليه ضمن مبادرة الأمن العالمي». لذا تحتفظ الصين بعلاقات متينة مع حركات المقاومة الفلسطينية، وعلاقات شريكة مع إيران، وعلاقات متينة مع إسرائيل. على الرغم من التذبذب الدائم بسبب طبيعة المتغير الأمريكي تحاول الصين أن تلعب دور الوسيط المضمون بشكل أكبر، لتنجب الصراع المباشر بين جميع الأطراف، في ذات الوقت. تساعد الصين إيران في تنمية قدراتها العسكرية لاسيما في مجال القوة الاستخباراتية والأقمار الصناعية العسكرية، إذ كشفت مصادر أمريكية عن طلب إيران من الصين منظومة تجسس واستخبارات ومنظومة أقمار صناعية متطورة، وهذا ما يثير قلق إسرائيل والجانب الأمريكي من تحسين قدرة إيران العسكرية في مجال التجسس والمعلومات حول الإمكانيات العسكرية والقواعد، لذا كثيراً تحاول إسرائيل وأمريكا بوسائل متعددة من الحد من الاتفاقيات الصينية – الإيرانية في مجال العسكري، لضمان أمن إسرائيل [21]، لذا فإن أي محاولات حرب مباشرة ستكون الأطراف الدولية في مواقف متذبذبة بين المصالحالسياسية والاقتصادية والعسكرية، مما قد يستدعي تدخلها كطرف في الحرب بأي شكل من الأشكال لضمان هذه المصالح.
الخاتمة
لم يُعرف على إيران أنها دولة سريعة التأثر بالضغط واتخاذ القرارات بناء على ردود الأفعال وإنما تمتلك فكراً استراتيجيا، تحسب كلفة الفعل ورد الفعل وكذلك التداعيات والمصلحة الآنية وبعيدة المدى في ذات الأمر عرف على إيران أنها دولة ذات نفس طويل، وتستخدم هذه السياسة من أجل الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب والنفوذ والمكانة والتفاوض في مصالحها وأهدافها الاستراتيجية، وأبرز مثال على ذلك هو الثار السليماني) الذي مضى على مقتله أربع سنوات، وما زالت إيران لن تعلن عن أخذ الثأر له أو إعلان الرد على مقلته بشكل رسمي، لذلك إيران لن تقوم بعدم الرد، وإنما ستستمر في عملية ترحيل الرد من وقت إلى وقت آخر من أجل أهداف ومصالح هي تقييمها، لذا فممكن أن تتخذ ردا سريعاً تكتيكياً لمقتضيات إظهار القوة، كما حصل في ردها على استهداف سفارتها في سوريا أبريل الماضي، وقد تطيل عملية الرد مثل ثأرها على سليماني، وفقا لمقتضيات كبيرة ومعينة، لا تنظر إيران للرد على أنه ضربة عسكرية موجعة فقط بوقتها، كونها تدرك تماماً أن الكيان الصهيوني قادر على استيعاب أي ضربة أولى والرد بضربة ثانية موجعة. بالتالي الضربات العسكرية وحدها لن تحقق هدف إيران الاستراتيجي، وإنما ما بعد الضرية هو المهم، لا سيما إذا كان الهدف استراتيجياً كبيراً يتعلق بالمصالح، وليس فقط بالضربات العسكرية.
يتضح هذا من خلال عملية ترحيل الرد على أن إيران تستخدم أوراق متعددة في إطار الرد لتحقيق هدف أكبر تتداخل فيه عدة معطيات دولية وإقليمية سياسية واقتصادية واجتماعية، سواء داخلية أو خارجية. لذلك، يمكن أن ترد إيران في غضون أسبوع أو شهر أو سنة أو أكثر، متى ما رأت مصلحتها تقتضي ذلك.
[1] رضا علي فاضل، إيران والقضية الفلسطينية دراسة في المواقف والتحولات 1948 – 2010، مركز الحضارة التنمية الفكر الاسلامي بيروت 2024، ص 192 – 193
[2] المصدر نفسه، ص 332 – 342
[3] على فارس حميد، نظريات تحليل الاستراتيجيات الدولية دراسة تعقيدات التحليل ومعضلات الامن في النظام الدولي المعهد العراقي للحوار، بغداد، 2021، ص 82.
[4] محمود النجار، هجوم إيران على إسرائيل من الرابع ومن الخاسر؟، موقع بي بي سي نيوز عربي، 16 ابريل 2024، متوفر على الرابط
[5] نيويورك تايمز: خامنئي أمر الإيرانيين بضرب إسرائيل بشكل مباشر، 31 يوليو 2024، موقع سكاي نيوز عربي متوفر على الرابط
محجوب الزويري واخرون العلاقات التاريخية بين العربية – الإيرانية الاتجاهات وافاق المستقبل، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2001، ص 67.
[7] نقلاً عن عباس خامه يار السياسة الخارجية للجمهورية الاسلامية الايرانية دراسة في المبادئ والنظريات 1979-1991م، مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي، بيروت، 2022، ص 498 – 451
[8] صافيناز محمد احمد حسابات وحدة الساحات الانتقال من الاستاد الى الحرب المفتوحة، مقال راي مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية القاهرة 5/8/2024 تاريخ الزيارة 10/8/2024، للمزيد زيارة الرابط الإلكتروني.
[9] و حسن نافعة الشرق الاوسط يتأرجح بين الحرب والسلام مقال راي الميادين، بيروت، 15 اب 2024، وقت الزيارة 20/8/2024، للمزيد زيارة الرابط الالكتروني:
[10]ایران موعد انتقامنا لاغتيال هنية سيكون مفاجئا، موقع الجزيرة نت 27/8/2024، تاريخ الزيارة 28/8/2024 للمزيد زيارة الرابط الالكتروني:
[11] عباس خامه یار مصدر سبق ذكره، ص 451
[12] علي ابو طبل، المسافة بين ايران واسرائيل، كم تستغرق الطائرات الايرانية المسيرة للوصول الى اهدافها. قناة المشهد 14 ابريل 2024، وقت الزيارة 25/8/2024
[13] حوار الكاتب مع استشاري الطيران فارس الجواري بغداد 30 اغسطس 2024
[14] اغتيال اسماعيل هنية وتداعياته، تقدير موقف وحدة الدراسات السياسية المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات الدوحة 31 تموز 2024، ص 5
[15] نيويورك تايمز نقلا عن خامنئي: لا عائق أمام إجراء محادثات نووية مع أميركا، موقع الجزيرة نت 28/8/2024 وقت الزيارة 29/8/2024
[16] غزل اريحي إيران… أجندة عراقجي بين حل أزمة الاقتصاد وحفظ التموضع الإقليمي، الجزيرة نت.
[17] إيران خسرت معظم رهاناتها.. ما الأوراق المتبقية بيد طهران؟ موقع سكاي نيوز عربية 29 اغسطس 2024، وقت الزيارة 30/8/2024 للمزيد زيارة الرابط الالكتروني
[18] نصر الله: ردنا آت إما لوحدنا أو ضمن إطار رد جامع لكامل المحور، صحيفة الانتشار العربي، 6 اغسطس2024، وقت الزيارة 30 / 8/2024.
[19] خطاب السيد حسن نصر الله في الرد الأولي على اغتيال القائد فؤاد شكر قناة الميادين الاخبارية 26 اغسطس 2024، وقت الزيارة /8/2024/30.
[20] وائل الغول تعزيزات بالشرق الأوسط. هل الحرب الإقليمية على الأبواب، موقع الحرة، 3 اغسطس 2024 وقت الزيارة 30 اغسطس 2024
[21] إيران تسعى للحصول على مساعدة الصين في ملف أقمار التجسس، صحيفة الشرق الاوسط، 17 اغسطس 2024، وقت الزيارة 30 اغسطس 2024


