لطالما ارتبطت الحركة الكردية، وخصوصًا في العراق، بالصراع المسلح والنضال القومي من أجل نيل الحقوق والاعتراف بالهوية. ولعقود طويلة، بقي المقاتل الكردي رمزًا لصورة “النضال” التي تُجسد صعود الجبل بوصفه فعل مقاومة وتمسك بالحق. لكن مع تحولات العقود الأخيرة، وتحديدًا بعد العام 2003، شهدنا تحولًا جذريًا في طبيعة الحركة الكردية، حيث نزلت القوى الكردية من الجبل إلى قصر السياسة، واندمجت بشكل فعلي في النظام السياسي العراقي، بل وأصبحت طرفًا فاعلًا في صياغة التوازنات الوطنية والإقليمية.
فما الذي يعنيه “النزول من الجبل” في سياق كردستان العراق؟ وما ملامح هذه المرحلة السياسية؟ وهل تمكنت النخبة الكردية من المحافظة على شعبيتها وشرعيتها بعد هذا التحول؟
ما بين الجبل والقصر: تحولات جذرية
إن التجربة الكردية في العراق تعدّ من أكثر التجارب تعقيدًا وخصوصية في المنطقة، فقد بدأت منذ بدايات القرن العشرين بمحاولات تأسيس كيان مستقل أو حكم ذاتي، لكنها ظلت تصطدم بحكومات مركزية متعاقبة لم تعترف بتلك المطالب. وقد خاض الأكراد صراعات دامية ضد الأنظمة العراقية، أبرزها الانتفاضة ضد نظام صدام حسين بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، والتي كانت مقدمة فعلية لنشوء كيان شبه مستقل يتمتع بقدر كبير من الحكم الذاتي.
ومع سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، وجد الأكراد فرصة ذهبية للانتقال من موقع الثورة إلى موقع الدولة. فقد تمكنوا من ترسيخ مؤسسات الحكم الذاتي، وباتت أربيل عاصمة سياسية، واقتصادية، ودبلوماسية ناشئة. كما شاركت الأحزاب الكردية بقوة في كتابة الدستور العراقي، وضمنت فيه مادة تنصّ على النظام الفيدرالي، ما شكّل اعترافًا دستوريًا بوضع الإقليم
رجال الجبل إلى رجال الدولة
لا يمكن الحديث عن النزول من الجبل إلى قصر السياسة دون الإشارة إلى التحولات في صورة “النضال”، تلك القوة التي طالما ارتبطت بالجبال والكرامة. لكن المفارقة أن رمزية “النضال” لم تعد تقتصر على المقاتل، بل أصبحت تطال السياسي، مما أدى إلى نوع من التداخل بين السياسي والمسلح. فقد بات السياسي الكردي – سواء كان من الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني أو من الاتحاد الوطني الكردستاني – يحمل إرث النضال في خطابه، حتى وهو يجلس على مقاعد التفاوض في بغداد أو في السفارات العالمية.
في الآونة شهد الاقليم تغيرات كبيرة جداً وعاصفة وتحديداً منذ عام 2017، على المستويات كافة، هذه التغيرات غيرت مسار فهم الاقليم والتعامل الداخلي والخارجي له. أصبح الاقليم أكثر واقعية في ظل الحلم التاريخي الذي يسعى له، ويفكر في الحفاظ على المصالح القائمة أفضل من المغامرة المفقودة، وما موجود في الايد أفضل بكثير من الذي على الشجرة.
قصر السياسة لم يكن سهلاً
في ذات الوقت برزت اشكاليات كبيرة جداً، لا يمكن تجاوزها، امنية، اقتصادية، سياسية. يحاول الاقليم التغلب عليها، الا ان الرؤية ضبابية في ذلك، لاعتبارات داخلية محلية، وخارجية إقليمية، فقد واجهت القوى الكردية عدة تحديات، أبرزها:
1. انقسام داخلي
بعد أن كانت الجبهة الكردية موحدة في مواجهة بغداد، انقسمت القوى الكردية إلى تيارين متنافسين: الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يسيطر على أربيل ودهوك، والاتحاد الوطني الكردستاني الذي يهيمن على السليمانية. هذا الانقسام أثر على وحدة القرار السياسي، وعلى فاعلية الإقليم في التفاوض مع الحكومة الاتحادية، لاسيما في ظل تجاذب أطراف السياسية السنية، والشيعة خصوصاً للطرفين الكرديين، كل طرف على حساب الاخر، وما حصل في انتخابات 2021 من انقسام بات دليل على ذلك، وما لحق به من تبعات طالت المناصب السيادية للكرد في الحكومة المركزية وكذلك المطالب الضرورية خصوصاً الاقتصادية، واخرها الانقسام ما بين الحزبين حول التصعيد المفترض مع حكومة المركز وقرار انسحاب الكرد من الحكومة المركزية.
- 2. الفساد وفقدان الشرعية
مع دخول الأحزاب الكردية في منظومة الدولة والاقتصاد، وخصوصًا في ظل الاعتماد على الموارد النفطية، بدأت تظهر مؤشرات فساد واسعة، وأصبح الشارع الكردي أكثر نقدًا للطبقة الحاكمة. فالشباب الكردي اليوم لا يرى في زعمائه “رموز نضال” فقط، بل يراهم “رجال سلطة”. في ذات الوقت مازال هناك طبقة واسعة من الاكراد ينظرون بالروح النضالية اتجاه ما يتعرض له الشعب الكردي من استهداف وظلم لاسيما في الجانب الاقتصادي و الجانب الامني والسياسي ، المرتبط في مخاوف التخلي عن الفيدرالية العراقية، ومحاولات اعادة السيطرة المركزية على الاكراد لاسيما في ظل وضع امني متشدد، وهذا بالحقيقة يعزز من المركزية الكردية في التعامل ومحاولات تجاوز الأزمات الاقتصادية من خلال ذلك، اذ يحاول الأكراد الحفاظ على اكبر قدر ممكن من الامتيازات التي تدعم الفيدرالية وتحقق لهم الاستقلال النسبي عن السطوة المركزية التي عانوا منها كثيراً، وكان الجانب المالي هو الجانب الاكثر اهمية في تحقيق الاستقلال النسبي وفرض محاولات الفيدرالية وهذا ما عمل عليه الاقليم ما بعد التغير وتم تضمينه في الدستور العراقي، و تثبيته بالعرف السياسي الذي اسس النظام الجديد في العراق بعد 2003.
3. الخلافات مع بغداد
رغم مشاركة الأكراد في العملية السياسية بعد 2003، إلا أن الخلافات حول النفط والميزانية والمناطق المتنازع عليها بقيت عالقة. ولعلّ الاستفتاء الذي أجراه الإقليم في 2017 حول الاستقلال كان ذروة التوتر بين أربيل وبغداد، إذ قوبل برفض داخلي وخارجي واسع، وأدى إلى خسارة الإقليم لعدة مناطق استراتيجية مثل كركوك، كذلك اشكالية الرواتب التي تشكل عائقا كبيرا أمام الاقليم في علاقته مع بغداد، بالإضافة الى قانون النفط والغاز الذي لم يحصل على اتفاق بخصوصه.
4. الضغوط الإقليمية والدولية
لم يكن الإقليم بمنأى عن تأثيرات التغيرات الإقليمية، فقد أصبح عرضة لتوازنات إيرانية-تركية دقيقة. فتركيا، رغم علاقاتها الاقتصادية القوية مع أربيل، لا تنظر بعين الرضا إلى أي طموح استقلالي كردي، وهو ما يدفعها إلى التدخل أمنيًا في شمال الإقليم. بالمقابل، تسعى إيران إلى الحفاظ على نفوذها في السليمانية عبر علاقتها بالاتحاد الوطني الكردستاني.
ولكن ما بعد 7 اكتوبر تغير فكر اقليم كردستان بالكثير من الاتجاهات، ومع التغير في سوريا برز هذا التغير بشكل جلي، وحاول الاقليم الاستفادة من هذه التجربة، لتحقيق سلام داخلي، ولكنه سلام غير مكتمل.
وما حصل مع حزب العمال الكردستاني دليل على ذلك، ولكنه خطوة واحدة في طريق تحقيق السلام والاستقرار والتغير المنشود الذي يسعى له الكرد، يمكن القول ان هذا التغير في موقف (pkk) سيعيد توازن القوى الكردية وبناء العلاقات مع المحيط الاقليمي بشكل مختلف وكذلك التعامل مع القضية الكردية بطريقة أكثر حنكة لضمان استمرار المد الكردي والهوية الكردية في ظل الهويات المتعددة بالمنطقة، لاسيما وان الاكراد يرون انهم هوية مستقلة في المنطقة ممتدة من جذور بعيدة، بالتزامن مع الهوية العربية والفارسية والتركية.
إعادة تعريف الدور الكردي
بات من الضروري، في ظل هذه التحديات، أن تعيد القوى الكردية تعريف دورها ضمن الدولة العراقية. فالتمسك بالخصوصية القومية لا يعني الانفصال، بل قد يكون مدخلًا لبناء تجربة ديمقراطية عراقية متعددة الهويات. فالإقليم اليوم ليس مجرد كيان حكم ذاتي، بل هو مختبر لخيارات الفيدرالية، والتنوع، والحكم الرشيد.
ولعل من أهم ما يجب التركيز عليه هو إعادة بناء الشرعية الشعبية عبر:
- إصلاح المؤسسات
- الشفافية في إدارة الموارد
- وضع حد لاحتكار العائلة أو الحزب للحكم
- فتح المجال أمام القوى الشابة والمجتمع المدن.
في ذات الوقت أصبح إلزاما على الحكومة الاتحادية وبغداد اعادة تعريف دورها وفهمها في التعامل مع القضية الكردية، من روح وطنية قائمة على الشراكة الحقيقية الدستورية والقانونية وضمن الأعراف السياسية فيما يضمن الفيدرالية العراقية ويحقق اللامركزية الوطنية بشكل فعال، لا يمكن ان يطلب الاكراد تغيير مسارهم دون ان تكون هناك بوادر من بغداد والاتحاد في تغير مساره بالتعامل مع القضية الكردية.
المهم من ذلك هو النظر الى التغيرات بشكل حثيث ودارسة التغيرات الكردية بشكل معمق وفهم مجريات الفكر الجديد الكردي، كي تحقق نتائج ملموسة على ارض الواقع.
يمكن القول لقد كان صعود الجبل رمزًا لمقاومة الظلم، أما النزول منه إلى قصر السياسة، فيفترض أن يكون بداية لبناء نظام عادل يحفظ للأكراد خصوصيتهم، ويجعل منهم شريكًا فاعلًا في العراق الديمقراطي. لكن الطريق ليس سهلًا، فالتحديات السياسية، والانقسامات الداخلية، والضغوط الخارجية اثرت على ذلك. لقد أثبتت التجربة الكردية أن الثورة قد تنجح في تغيير الواقع، وبناء الدولة يحتاج أكثر من بندقية أيضاً، يحتاج إلى حكم رشيد، وعدالة اجتماعية، وشرعية مستمدة من الناس، كي تضمن استمرار الدولة او النظام الذي تم النضال من أجله وهذا ما تم العمل عليه من قبل الاقليم وتثبيته.


