خور عبدالله.. الأزمة التاريخية المتجددة دوريًا

خور عبدالله.. الأزمة التاريخية المتجددة دوريًا
يمثل خلاف خور عبدالله نزاعًا سياديًا شائكًا بين العراق والكويت، يتداخل فيه البعد القانوني بالتاريخي والسياسي. ويُعد الحكم بعدم دستورية التصديق على اتفاقية الملاحة نقطة تحول تُحتّم على العراق التوفيق بين التزاماته الدولية وضغوطه الشعبية المتصاعدة....

تعد إشكالية خور عبدالله من الإشكاليات المعقدة والمركبة بين العراق والكويت، لما تنطوي عليه من أبعاد تاريخية وسياسية واقتصادية وأمنية، وأبعاد أخرى مرتبطة بحقوق سيادية وأضرار بالطرف الآخر. وكانت إشكالية الخور واحدة من أهم القضايا المعقدة في تاريخ العلاقات العراقية-الكويتية، وصولًا إلى حرب 1990-1991 (الحرب العراقية-الكويتية)، وما تلاها من نتائج دولية أممية مضرة ومجحفة بحق العراق نتيجة سياسات نظام (صدام) الجائرة، التي كلفت العراق كثيرًا على صعيد حقوقه.

وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة من الجانب العراقي بعد عام 2003 لإصلاح العلاقات مع الجارة الكويت، وهي محاولات متميزة حققت العديد من النتائج الإيجابية، إلا أنها لم تسهم في حل الإشكاليات المتوارثة منذ الجذور، وأهمها قضية خور عبدالله. بل تم إيجاد وسائل أخرى لحل هذه الإشكاليات، منها (اتفاقية الملاحة البحرية بين العراق والكويت (خور عبدالله)) التي ارتفع الحديث عنها مؤخرًا وبرزت الإشكاليات، وصولًا إلى إصدار المحكمة الاتحادية العليا في العراق قرارًا يفيد بعدم دستورية التصديق على الاتفاقية. لذا، لا بد من إعادة التصديق على الاتفاقية بقانون جديد، وهنا تكمن الإشكالية. في هذا الإطار، سنحاول التعرف بشكل مبسط على أهم ملابسات إشكالية خور عبدالله في الوقت الحاضر.

بين الملاحة والترسيم

يخلط الكثيرون بين الحديث عن إشكالية خور عبدالله فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت عام 1993 وفقًا لقرار مجلس الأمن، وبين تنظيم عملية الملاحة وفقًا لاتفاقية الملاحة لعام 2013. فقد تم ترسيم الحدود البحرية وفقًا لقرارات مجلس الأمن (محضر 1963) و(القرار 773) و(القرار 833) لعام 1993، ويعد القرار 833 أهم هذه القرارات في ترسيم الحدود، كونه القرار الذي أصدره مجلس الأمن لترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت.

لم يكن العراق مشاركًا في لجنة ترسيم الحدود، ولم يكن لديه أي ممثل في هذه اللجنة لحضور الاجتماعات آنذاك. واعتبر العراق القرار الصادر مجحفًا ومضرًا بمصالحه لصالح المصالح الكويتية آنذاك. إلا أنه، بسبب طبيعة الظروف الدولية والإقليمية، وما كان يعانيه العراق من حصار دولي مفروض عليه بعد الحرب العراقية-الكويتية، اضطر إلى الاعتراف بالقرار والتصديق عليه والمضي فيه.

منح هذا القرار العراق منفذًا صغيرًا للمياه الإقليمية، وهو منفذ ضحل من حيث نوعية المياه وعمقها، بينما منح الكويت الجزء الأكبر والأفضل من مياه خور عبدالله، فأصبحت الكويت تمتلك شبه سيادة كاملة على الخور. حصلت الكويت على هذا الامتياز نتيجة الجهود الدولية التي بذلتها، والتي توّجت بتوثيق القرار في الأمم المتحدة وإيداع الخرائط والصور الخاصة بسيادتها على الخور لديها، مما أكسبها الشرعية القانونية الدولية. في حين أن العراق لم يقدم حتى الآن أي خريطة أو صور تضمن حقه وسيادته على الجزء الآخر من الخور.

بعد عام 2003، ورث النظام الجديد في العراق إشكالية كبيرة وعميقة مع الجارة الكويت من النظام السابق، تتعلق بالمنافذ البحرية والاقتصادية، وما يخدم طرق التجارة الدولية، خاصة التجارة البحرية من ميناء أم قصر والزبير وميناء الفاو لاحقًا. لذا، سعى العراق إلى محاولات مع الكويت لإعادة التفاوض بشأن الإدارة المشتركة للخور وتنظيم عملية الملاحة من النواحي الفنية والإدارية والأمنية بين الطرفين، بما يحقق للعراق امتيازات معينة في استخدام الخور. وقد تم ذلك وفقًا لاتفاقية الملاحة لعام 2013.

إشكالية اتفاقية الملاحة

منذ عقد اتفاقية الملاحة بين العراق والكويت، شهدت الاتفاقية حملات معارضة وتأييد واسعة من كلا الجانبين، إلا أن الجانب العراقي كان الأكثر تشددًا في المعارضة، رغم التأييد الحكومي والسياسي الذي حظيت به الاتفاقية آنذاك. فقد وصف السيد نوري المالكي، رئيس مجلس الوزراء الأسبق، الاتفاقية بأنها “انتصار للدبلوماسية العراقية”، معتبرًا أنها تحقق “توازنًا في الحقوق الملاحية” وتضمن وصول العراق إلى الموانئ دون عوائق. في حين وصفها السيد عامر عبد الجبار (عضو مجلس النواب العراقي الحالي ووزير النقل الأسبق) بأنها “خيانة لحقوق العراق البحرية”.

تكمن إشكالية الاتفاقية في نظر المعترضين في نقاط عديدة، أهمها:

  1. الموافقة على القرار الأممي الجائر: تنص الاتفاقية في المادة (6) على أن هذه الاتفاقية لا تؤثر على الحدود بين الطرفين المرسومة بموجب القرار 833 لعام 1993 في خور عبدالله. وهذا النص يعني موافقة العراق على القرار وتأييده، حتى لو كان ضمن مبدأ القبول الضمني. وكان الأجدى إعادة التفاوض دوليًا لإعادة ترسيم الحدود وإلغاء القرار 833، ثم تنظيم اتفاقية ملاحة.
  2. إشكاليات فنية وإدارية: تضمنت الاتفاقية إشكاليات تتعلق بالخطوط الملاحية وعمليات رفع العلم في السفن الأجنبية، ووضع الصيادين والمناطق المحظورة، مما قيّد منفذ العراق البحري.
  3. دستورية الاتفاقية: الإشكالية الأهم هي الطعن أمام المحكمة الاتحادية في دستورية التصديق على الاتفاقية، وليس في دستورية النص نفسه. فالدستور العراقي ينص في المادة (61) على أن التصديق على الاتفاقيات يتم بقانون يصادق عليه مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء. وقد طُعن في قانون التصديق مرتين: الأولى عام 2014، وأصدرت المحكمة قرارًا بدستوريته، والثانية عام 2022، وأصدرت المحكمة قرارًا عام 2023 بعدم دستورية التصديق، دون توضيح الإجراء البديل.

العراق أمام تحدٍّ

تعالت الأصوات مؤخرًا في الداخل العراقي احتجاجًا على اتفاقية خور عبدالله، خاصة بعد تقديم طعن من رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء للمحكمة الاتحادية بشأن القرار السابق بعدم دستورية القانون. وأصبح الموضوع قضية رأي عام داخلية كبيرة، وصلت إلى حد التظاهرات الشعبية المنددة به، مما يضع العراق أمام تحدي حقيقي ينطوي على بعدين:

  • الالتزامات الدولية: لا يرغب العراق حاليًا في الدخول في نزاعات خارجية مع الجارة الكويت أو غيرها، خاصة في قضايا مصيرية وحساسة كهذه، في ظل ظروف دولية وإقليمية متوترة. كما أن اللحظة المناسبة لإبرام اتفاق مع الكويت بشأن الخور قد لا تتكرر الآن، بسبب تغير القيادة السياسية والضغوط الشعبية والوضع الدولي. في الوقت نفسه، لا يرغب العراق في التخلي عن التزاماته الدولية المعتمدة، تجنبًا لنزاعات مع مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، التي ما زال العراق بحاجة إليها. ، وكذلك انتهاج العراق دبلوماسية الوسط والدبلوماسية المنتجة التي تخدم العراق وتنتج عمليات تكامل اقتصادي وتنموي قد يؤدي الى تكامل سياسي – استراتيجي.
  • القرار الداخلي: هناك رفض وقلق شعبي كبير لا يمكن تجاوزه، مما يهدد الاستقرار السياسي وأي خطوات محتملة في هذا الاتفاق، خاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها في 11/11 من العام الجاري، لذا أي خطوات في هذا الاتجاه سيكون لها إثر كبير على توازنات القوى السياسية الداخلية والخارجية.

الخيارات الصعبة

لا يمتلك العراق رؤية استراتيجية واضحة للتعامل مع هذا الملف: هل يقبل بالقرارات الدولية ويمضي في ترتيب الإجراءات؟ أم يعيد المطالبة بمراجعة القرارات الأممية وإعادة ترسيم الحدود مع الكويت؟ أم يبحث عن بديل ثالث؟

يبدو أن إعادة ترسيم الحدود مع الكويت عملية صعبة للغاية، بسبب:

  • نفوذ الكويت الدولي وقوة لوبيها في المؤسسات الدولية، خاصة الأمم المتحدة.
  • علاقات الكويت القوية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج.
  • شبكة العلاقات السياسية الكويتية الواسعة داخل العراق، خاصة مع القوى السنية، مما يعقد اتخاذ القرار، في هكذا إجراءات ويزيد عمليات الانقسام السياسي.
  • تشدد القيادة الكويتية الحالية في الدفاع عما تسميه “حقوقها السيادية”، مما قد يرفع مستوى التوتر بين البلدين، والتي قد ترفض أي عمليات حوار مع العراق بإعادة رسم هذه الحقوق من جديد مما يدخل العراق والكويت في حالة توتر وتشنج كبير جداً يهدد المصالح العراقية التجارية بشكل كبير جداً لاسيما خطوات العراق باتجاه ميناء الفاو وطريق التنمية.

خاتمة

يمكن القول إن خلاف خور عبدالله بين الكويت والعراق يمثل نموذجًا للنزاعات الحدودية المعقدة، حيث تتداخل العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية. رغم الجهود الدولية لترسيم الحدود، يبقى الملف شائكًا بسبب المصالح الجيوسياسية للبلدين.

لذا، من الأفضل التريث في الإقرار حالياً. وإذا كان للعراق رؤية لحل المشكلة، فيجب أن ترتكز على نقطة أساسية هي “ترسيم الحدود”. فالحل الدائم يتطلب مفاوضات مباشرة وموضوعية، مع مراعاة المصالح المشتركة، وربما اللجوء إلى آليات قانونية دولية لتسوية النزاع بشكل عادل. في النهاية، يعتمد استقرار المنطقة على تعاون البلدين في إدارة الموارد البحرية وضمان أمن الخليج العربي ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *