مسار التيار الإصلاحي في إيران وأحلام التطبيع مع الغرب
منذ انتصار الثورة وتأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979 على يد الإمام الخميني (قده)، وتحت شعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل” تبنت طهران خطابا ثوريا واضحا في معاداة الاستكبار العالمي ورفض الهيمنة الغربية، خصوصا الأمريكية، وهذا الخطاب الثوري لم يكن شعارا عابرا، بل تحول إلى نهج متكامل امتد في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والعلاقات الدولية، وصولا إلى تشكيل ما يعرف اليوم بمحور المقاوم.
عام 1989 وتحديدا بعد وفاة الامام (قده)، ظهرت توجهات في إيران تدعو الى مزيد من الحريات والاصلاحات السياسية، وكانت في طروحاتها تحمل طموحا وميولا، لـ “الانفتاح على الغرب”، بل والسعي لتطبيع العلاقات معه، وكانت ذروة ما بات يعرف اليوم بـ “التيار الإصلاحي” حين انتخب “محمد خاتمي” عام 1997 رئيسا لإيران، وهو مهندس هذا التيار الحديث.
•بين خدعة الانفتاح وخطر تفريغ الثورة:
في ظل حكومتي “خاتمي الإصلاحي” الأولى والثانية، وهو صاحب مشروع حوار الحضارات تم تصنيف إيران ضمن (محور الشر) من قبل إدارة جورج بوش الابن، وتشديد العقوبات.
ومنذ ذلك الوقت ومرورا بالرئيس حسن روحاني، وصولا الى حكومة مسعود بزشكيان اليوم، لا يزال التيار الإصلاحي، يعول على إعادة صياغة العلاقة مع الغرب، خصوصا أمريكا، من خلال “الدبلوماسية الناعمة” وتقديم تنازلات في الملفات الحساسة مثل البرنامج النووي، الوجود الإقليمي، وحتى دعم المقاومة في فلسطين، لبنان، اليمن، والعراق.
في الجانب الاخر، ينظر محور المقاومة الى هذه التوجهات، على انها، محاولة لتفريغ الثورة الاسلامية من مضمونها، وضربا لمشروعها في العمق، ويرى ان الرهان على الغرب هو تكرار للوهم الذي سقط مرارا، فالغرب، وخاصة واشنطن، لا يميز بين إصلاحي ومحافظ، بل يتعامل مع إيران كدولة مارقة يجب تحجيمها، وقد عبر الإمام الخامنئي بوضوح عن هذه الحقيقة بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاقية النووية عام 2018 وفرض العقوبات القصوى بقوله:
“لا فرق عند أمريكا بين حكومة إصلاحية أو أصولية… المطلوب أن نتخلى عن ثوابتنا، عن استقلالنا، عن ديننا، عن فلسطين، عن المقاومة… وهذا ما لن يحدث بإذن الله.”
• الاقتصاد بين العقوبات والتفريط بالسيادة:
أبان حكومة حسن روحاني الإصلاحية روج الإصلاحيون، بأن الانفتاح على الغرب سيرفع العقوبات ويصلح الوضع الاقتصادي المتدهور، لكن التجربة الواقعية، خصوصا بعد توقيع الاتفاق النووي في 2015، أثبتت زيف هذا الطرح، عندما رفعت العقوبات جزئيا، ولم يتحقق استثمار حقيقي، وانسحبت الشركات الأوروبية خوفا من تهديدات واشنطن، وعادت العقوبات بشكل أقسى.
واليوم وفي ظل حكومة إصلاحية جديدة بقيادة بزشكيان، وفي خضم مفاوضات، تعرضت إيران لاعتداء عسكري غادر، ولا تزال تخضع لعقوبات اقتصادية شاملة، رغم كل التنازلات التي قدمت، وقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية قبل ايام فرض عقوبات جديدة على مؤسسات مالية إيرانية.
اما محور المقاومة فأنه يرى الاقتصاد المقاوم، المبني على الاكتفاء الذاتي، وتعاون محور المقاومة (إيران، العراق، سوريا، لبنان، واليمن) يمكن أن يخلق منظومة صمود اقتصادي حقيقي، دون الارتهان للمؤسسات المالية الدولية، أو الشركات الغربية، التي تعمل ضمن الاطار تضعه أمريكا.
يقول الشهيد الجنرال “قاسم سليماني” ان الاعتماد على العدوّ لإنقاذ الاقتصاد، أشبه بمن يستجير من الرمضاء بالنار، ويؤكد ان الاقتصاد يجب أن يُبنى على المقاومة لا على التبعية.
• الإعلام الإصلاحي بين النعومة والخنوع:
يلعب الإعلام الإصلاحي في إيران، وبعض المنصات الممولة غربيا (من داخل إيران أو الجوار)، دورا كبيرا في تسويق الغرب كصديق، والتقليل من أهمية المقاومة والمواجهة، بل وصل الأمر في بعضهم إلى شيطنة قوى المقاومة ووصفها بالمغامرة أو “السبب في العقوبات”.
وهذا الدور للإعلام، كان ولا يزال واضحا لدى المحور وقد حذر منه سيد شهداء الامة السيد حسن نصر الله بقوله:
“العدو اليوم لا يأتيك بدبابة فقط، بل يأتيك من خلال قناة فضائية، أو منصة تواصل، أو صوت داخلي يقول، لنفك الارتباط، لننفتح، دعونا نعيش كما يعيشون!”
الإعلام الإصلاحي بحسب المحور، لا يدعو للسلام، بل يمهد للتطبيع، ويفتح الباب لهيمنة ثقافية واقتصادية تنتهي بتجريد الجمهورية الإسلامية والمحور من هويتهما الثورية.
• التطبيع ليس خيارا بل انتحارا سياسيا:
الغرب لا يريد لإيران أن تكون شريكا، بل تابعا، والتطبيع، مرتبط عندهم بشروط مذلة هي:
– الاعتراف بـ “إسرائيل!”.
– التوقف عن دعم المقاومة والشعب الفلسطيني.
– الابتعاد من العراق، لبنان، واليمن، كما حصل في سوريا.
– فتح الأسواق للهيمنة الاقتصادية الأمريكية.
ووفق تقارير مسربة من داخل بعض الدوائر الغربية، فإن التسوية مع إيران يجري ربطها بشروط “أمن إسرائيل أولا”، وإعادة رسم دور إيران في المنطقة حسب المصالح الامريكية، وهو ما يرفضه تماما كل من لديه كرامة ويحمل المشروع الثوري المقاوم، وهذا ما يؤكده الإمام الخامنئي باستمرار:
“أي يد تمتد إلى الكيان الصهيوني اعترافا به، ستقطع من الأمة أولا، ومن إيران ثانيا”.
• أخيرا ضرورة المراجعة والتقييم:
تأتي ضرورة هذه المراجعة في ظرف حرج، تشهده المنطقة، بينما لا تزال وجوها تطل برؤسها علينا، تدعو لهذه المشاريع المشبوهة، في ايران ودول المحور، فبعد الحرب التي استمرت 12 يومًا بين الجمهورية الإسلامية والكيان الصهيوني، وانتهت بقصف إيراني مدمر على الكيان المحتل، أدى الى تدخل الولايات المتحدة لإنقاذ الكيان، أطلق حينها الرئيس الامريكي دونالد ترامب تصريحًا “مضحكا” دعا فيه الجمهورية الإسلامية للاستسلام الغير مشروط، ليأتي الرد من الامام الخامنئي واصفا اياه بالأحمق، مؤكدا ان إيران الإسلام وإيران الحسين(ع) لا تستسلم.
كما اظهر واقع ما بعد الحرب، أن كل طروحات الانفتاح لن تحمي إيران الاسلام، ولن توفر لها الأمن، بل ستعريها في لحظة الحسم، وتجعلها رهينة سياسة الابتزاز.
وان أحلام الإصلاحيين بالتطبيع مع الغرب لا تختلف كثيرًا عن أحلام طغاة المنطقة الذين سقطوا واحدًا تلو الآخر وهم يركضون خلف البيت الأبيض.
أما الجمهورية الإسلامية، فهي باقية لأنها بنت مشروعها على العقيدة، والصمود، ودماء الشهداء، لا على وعود الغرب الكاذبة، وكل محاولة لإعادة تدوير هذا الحلم (الإصلاحي!)، هو مجرد انتحار سياسي مؤجل، ومحور المقاومة من طهران إلى غزة، ومن يمن العزة مرورا ببغداد الى لبنان الكرامة، يدرك أن الخيار الوحيد هو المقاومة وأننا إذا انتصرنا انتصرنا وإذا استشهدنا انتصرنا.
ويبقى مشروع الامام الخميني العظيم “لا شرقية لا غربية، جمهورية إسلامية” خالدا وينتصر.


