في الوقت الذي تُباد فيه غزة تحت الحصار والنار، وتُغلق أبواب العواصم العربية بوجه صراخ الأطفال، يظهر على سطح الخطاب الإعلامي تيار تركي – إخواني الهوى – يُعيد إنتاج رواية تاريخية مشحونة بالعاطفة عن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، مقدّمين إياه كـ”حامي فلسطين” ومُجهض المشروع الصهيوني.
لكنّ قراءة متأنّية لوثائق التاريخ تكشف صورة مختلفة تمامًا، ليست عن خيانة، بل عن براغماتية سياسية وتواطؤ مبكّر مع الحركة الصهيونية، تُخالف تمامًا السردية التي يُراد ترويجها اليوم في ظل سياسات أنقرة الحديثة.
تقارب عثماني – صهيوني موثق
لم يكن ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، في موقع خصومة مع الدولة العثمانية، بل على العكس تمامًا. ففي:
27 حزيران 1896، نال الوسام المجيدي العثماني من الدرجة الثالثة من السلطان عبد الحميد،
ثم الوسام المجيدي من الدرجة الأولى في 19 أيار 1901، في وقت كان يعرض فيه صراحة فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مقابل مساعدات مالية للدولة العثمانية المثقلة بالديون.
ولعل ما قاله السلطان نفسه يزيل أي التباس:
> “أنا صديق لليهود وسأبقى كذلك، فعلاً، لا أستند في حكم دولتي إلا على المسلمين واليهود… إن حدود إمبراطوريتي مفتوحة لليهود المضطهدين ليقيموا حيث يشاؤون.”
في عام 1902، دُعي هرتزل بشكل عاجل إلى قصر يلدز، حيث جرى عرض إسكان اليهود في مناطق من الأناضول أو سوريا باستثناء فلسطين. رفض هرتزل العرض، لكنه أرسل في المقابل برقية يعلن فيها ولاء الصهيونية للعرش العثماني.
هذه ليست ادعاءات إعلامية، بل وثائق منشورة في أرشيف “שלומ שלום” العبري، ووثائق الحركة الصهيونية بين 1897 و1918.
فلسطين… خط أحمر أم مرونة جغرافية؟
ما يُسوق على أنه “رفض عثماني صلب للمشروع الصهيوني في فلسطين”، لم يكن رفضًا مبدئيًا بقدر ما كان تفاوضًا على الموقع والتمويل والشروط. والدليل أن الدولة العثمانية لم تحظر النشاط الصهيوني في فلسطين، ولم تمنع التدفق البشري اليهودي، بل سمحت به بشروط إدارية فقط، رغم تحذيرات الفلسطينيين آنذاك.
وبعد أقل من عقد، وتحديدًا عام 1918، تم إعطاء موافقة لإنشاء “جامعة عبرية تقنية” سُميت لاحقًا بـالتخنيون في حيفا، أحد أبرز رموز المشروع الاستيطاني العلمي في المنطقة.
اليوم: من التاريخ إلى التناقض التركي
في مفارقة صارخة، يعيد الخطاب السياسي التركي الحالي تمجيد عبد الحميد كرمز “لرفض الصهيونية”، بينما:
بلغت الصادرات التركية إلى إسرائيل أكثر من 7.2 مليار دولار (2023)، تشمل مواد غذائية ومعدات مزدوجة الاستخدام.
وتبادل الطرفان السفراء رسميًا رغم مجازر غزة.
بل زار وزير الدفاع التركي تل أبيب مؤخرًا قائلاً:
> “نسعى لتعزيز التعاون الاستخباراتي والعسكري من أجل استقرار المنطقة.”
أي استقرار؟ وأي مقاومة؟ وأي وفاء لفلسطين يُراد تسويقه اليوم عبر “أسطورة السلطان”؟
بين الخرافة والواقع
لا يمكننا تجريم عبد الحميد الثاني، لكنه أيضًا لم يكن “المدافع الأيقوني” عن فلسطين كما يُروّج اليوم. بل كان رجلًا يحاول إنقاذ إمبراطورية تحتضر، بصفقات مؤجلة، لا بمواقف عقائدية.
المؤسف أن التاريخ اليوم يُستحضر بانتقائية، لا لتنوير العقول، بل لتبييض الواقع السياسي التركي المتناقض، والتغطية على شراكة فعلية مع الاحتلال، تحت عباءة الخلافة الموهومة.
خلاصة القول:
حين نُزيّف التاريخ، نخون الحاضر. وحين نسكت عن التواطؤ المعاصر باسم أمجاد غابرة، نُشرعن الكارثة المقبلة.
المصادر:
أورهاي، بحث منشور في جريدة “שלומ שלום” العبرية
وكالة وطن للأنباء
الأرشيف العثماني الرقمي
تقارير التجارة الخارجية التركية (2022-2023)
وثائق الحركة الصهيونية 1897-1918
تقارير وزارة الخارجية التركية والإسرائيلية


