كنت قد طرحت هذا السؤال على رؤساء او ممثلي الشركات النفطية العاملة بالعراق في مؤتمر IBBC في لندن، لم يجبني أحد وكان د. فريد ياسين مبعوث العراق للمناخ انذاك حاضراً، وهو أجاب متفضلاً، فإن كانت عدم إجابتهم لئلا يصل ذلك الى الحكومة العراقية وتتأثر العقود فتلك مصيبةٌ ، وإن كان جهلاً ، فالمصيبةُ أعظم.
تواجه صناعة النفط والغاز في العراق تهديدًا متزايدًا من إجراءات تجارية أحادية تتعلق بالمناخ Unilateral trade measures تفرضها بعض الدول للحد من انبعاثات الكربون. على سبيل المثال، يعتزم الاتحاد الأوروبي تطبيق آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) التي تفرض رسومًا أو ضريبة على واردات السلع بحسب كمية الكربون المنبعثة أثناء إنتاجها . ومن المتوقع توسيع هذه الآلية بحلول عام 2030 لتشمل واردات النفط والغاز أيضًا. بالنسبة للعراق الذي يعتمد بشدة على تصدير النفط الخام، قد يعني ذلك فرض “ضريبة مناخ” على برميل النفط العراقي المُصدَّر إلى أوروبا وغيرها من الأسواق. هذه الضريبة تُحسب بناءً على انبعاثات غازات الدفيئة أثناء استخراج وإنتاج ذلك البرميل.
زيادة الكلفة وتراجع التنافسية
إن فرض ضريبة كربون على النفط العراقي سيؤدي إلى زيادة تكلفة البرميل وتقليل القدرة التنافسية في الأسواق العالمية. تشير التحليلات إلى أنه في ظل أسعار كربون أوروبية مرتفعة (تقارب 80–100 يورو للطن حالياً)، قد تصل التكلفة الإضافية على النفط العراقي إلى حوالي 5 دولارات لكل برميل بالنسبة للنفط ذو الانبعاثات المرتفعة . ويرجع ذلك إلى أن بعض عمليات إنتاج النفط في العراق – والتي تتضمن حرق الغاز المصاحب بكثافة – تجعل برميل النفط العراقي يحمل “بصمة كربون” عالية مقارنةً بدول أخرى . في المقابل، البراميل ذات الانبعاثات المنخفضة قد تواجه رسومًا أقل من دولار واحد .
الجدير بالذكر أن دولاً أوروبية مثل اليونان وإيطاليا تعتمد بشكل كبير على النفط العراقي ، مما يجعل أي رسم كربوني على هذا النفط عبئًا ماليًا كبيرًا قد يؤثر على الطلب مستقبلًا. فعلى سبيل المثال، صدّر العراق نفطًا لليونان بقيمة تفوق 5 مليارات دولار في عام 2024 ؛ وإذا فُرضت رسوم كربونية على هذه الواردات، فسوف ترتفع كلفة النفط العراقي وتضعف قدرته على المنافسة مع نفوط أقل انبعاثًا.
المشاركة المناخية كأداة دفاعية
من هذا المنطلق، تزداد أهمية مشاركة العراق النشطة في مفاوضات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتغير المناخي (UNFCCC) واتفاق باريس لحماية مصالحه. إن الانخراط في هذه المفاوضات يتيح للعراق إسماع صوته والاعتراض على الإجراءات الأحادية غير العادلة أعلاه. وقد أكدت الدول النامية في محافل المناخ العالمية أن الإجراءات المناخية التجارية يجب ألا تتحول إلى عوائق تجارية مُقنَّعة أو تمييزية. من خلال بقائه طرفًا في اتفاق باريس، يمكن للعراق التحالف مع دول أخرى (ضمن مجموعة الـ77 وغيرها) للضغط من أجل عدم استخدام سياسات مثل الـCBAM بشكل يضر بالدول المصدرة للنفط . كذلك تتيح المشاركة للعراق الحصول على الدعم المالي والتقني الدولي لمساعدته في خفض انبعاثات قطاع النفط – مثل مشاريع تقليل حرق الغاز وتحسين كفاءة الإنتاج – مما سيخفض من تأثير أي ضريبة كربون مستقبلية على صادراته . باختصار، مشاركة العراق في المفاوضات المناخية هي درع حماية اقتصادي له. فهي تمكنه من المطالبة بالإنصاف والحصول على المساعدة بدلاً من أن يجد نفسه معزولاً أمام إجراءات قد تضر باقتصاده النفطي.
تحولات إقليمية تهدد العراق
إن العالم يمضي قدماً نحو اقتصاد منخفض الكربون، ومصلحة العراق تقتضي أن يكون جزءًا من صياغة قواعد هذا التحول لضمان حماية مصالحه الوطنية على المدى البعيد.
هذا أحد الأسباب التي تستدعي إستمرار العراق وبقوة في مفاوضات UNFCCC واتفاق باريس، خصوصاً وان السعودية ستتجه مستقبلاً لتحقيق صافي انبعاثات صفر ومع استمرار قيادتهم للمجموعة العربية، فإن العراق سيكون من أكبر المتضررين.


