الهايكو وأنسنة الطبيعة في ديوان (على شاطئ قلبي، قصائد هايكو للحب) للأديب محمود الرجبي

الهايكو وأنسنة الطبيعة في ديوان (على شاطئ قلبي، قصائد هايكو للحب) للأديب محمود الرجبي
نشأ شعر (الهايكو) في اليابان متطورًا عن قصائد كانت تعرف باسم (رينغا)، وهي قصائد مطولة تبلغ مئة بيت يتعاون على نسجها عدد من الشعراء، يؤلف كل منهم مقطعًا، يتراوح المقطع بين سبعة عشر لفظًا، أو أربعة عشر لفظًا، ثم تجمع المقاطع، ويُختار منها مئة بيت. أما قصيدة الهايكو، فهي قصيدة من بيت واحد، يقسّم إلى ثلاثة أسطر، تتكون من سبعة عشر مقطعًا صوتيًا،...
نشأ شعر (الهايكو) في اليابان متطورًا عن قصائد كانت تعرف باسم (رينغا)، وهي قصائد مطولة تبلغ مئة بيت يتعاون على نسجها عدد من الشعراء، يؤلف كل منهم مقطعًا، يتراوح المقطع بين سبعة عشر لفظًا، أو أربعة عشر لفظًا، ثم تجمع المقاطع، ويُختار منها مئة بيت. أما قصيدة الهايكو، فهي قصيدة من بيت واحد، يقسّم إلى ثلاثة أسطر، تتكون من سبعة عشر مقطعًا صوتيًا، عُرفت في اليابان باسم (الهايكو)، أو (الهائيكي) وتتشكل الكلمة من مقطعين: (هاي) وتعني في اليابانية (مسلٍ، أو مضحك) و(كو) بمعنى عبارة، وبذلك يكون المعنى: العبارة المسلية.
وشعر الهايكو ينبع من وصف مشاهد الطبيعة التي تثير انتباه الشاعر، وتعيد ذاكرته إلى مشاهد واقعية عايشها، تحاكي هذه المشاهد التي تحدث في الطبيعة على مرآه بشكل عفوي، فتفجر في ذهنه العبارات التي تنسج المشهد بصورة فنية أدبية، مصفوفة بقالب شعري موسيقي من ثلاثة عبارات تشكّل مشهدًا متكاملًا. انتقل هذا الشعر إلى العالم العربي حديثًا، وأصبح له رواجًا واسعًا، وذلك مجاراة لعصر السرعة والتكثيف الذي يختزل الكلام المطوّل ويكثفه كما يُكثف الماء لتخليصه من عناصر الزيادة، وأخذ خلاصته، إذ لا غنى عن الاستمتاع بالإبداع الأدبي والفني، رغم رتم الحياة السريع في عصرنا الحاضر ومستجداتها التي لا تقف عند حدّ. وفي أردننا الحبيب، نهضت جماعة من الأدباء في تبني هذا الفن الشعري، والإبداع فيه، ونشأت النوادي والجمعيات الأدبية المختصة بهذا الفن الحديث، ومن أبرز المهتمين بشعر الهايكو في الأردن، أديب وشاعر أُطلق عليه لقب (عرّاب الهايكو) وهو رئيس نادي الهايكو، الأديب الشاعر: محمود الرجبي، الذي كتب في أدب الأطفال، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدًا، وشعر الهايكو، وغيرها من الفنون الأدبية. كتب الأديب محمود الرجبي عدة مجموعات شعرية من شعر الهايكو، منها: أنا عدوي الوحيد، زهرة اسمها القدس، البحث عن الكوكب، القدس الحزينة، الوقت ينزف بالرمال،ولكن تعمى القلوب …وغيرها، وفي هذه الدراسة سيتم اختيار مجموعة من القصائد من مجموعة بعنوان: ( على شاطئ قلبي) وهي قصائد هايكو للحب، نُشرت في دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني، بتاريخ: فبراير ٢٠١٦م. تحتوي المجموعة الشعرية على تسع وأربعين قصيدة من شعر الهايكو، أنسن فيها الرجبي مشاهد الطبيعة، عاكسًا مظاهرها على النفس الإنسانية، وظهر ذلك من عنوان المجموعة، الذي صور فيه قلبه بالبحر ومن حوله الشاطئ. ففي قصيدة بعنوان: (اكتشاف)، يقول الرجبي: “اكتشاف دعيني أقشرك كالموز جمالك الداخلي لذيذ!!” يحمل العنوان حدثًا مصدريًا للفعل اكتشف، والاكتشاف في العادة يكون بالصدفة، أو بعد حدث ما، فما هو اكتشاف الرجبي في هذه القصيدة؟ بدأ الرجبي السطر الأول من بيت الهايكو الثلاثي الأسطر بفعل طلبي (دعيني أقشرك) يخاطب فيه شخصية أنثوية طالبًا منها أن تدعه يقوم بتقشيرها، ما يثير في المتلقى الدهشة لغرابة الطلب، وغرابة المشهد المتخيل لعملية التقشير هذه. وفي المقطع الثاني، يشبّه الرجبي عملية التقشير هذه بتقشير الموز، تلك الفاكهة اللذيذة التي تنزع قشرتها، لتأكل من الداخل، موظفًا أداة التشبيه (الكاف)، وبذلك يضفي على فاكهة الموز صفة إنسانية، لتصبح حبة الموز أنثى يزيل عنها ما يغلفها ويغطيها من الخارج، ليتلذذ بجمالها الداخلي، الذي اكتشف للتو، كما ظهر في السطر الثالث من القصيدة، بأنه لذيذ بصورة أكبر من جمالها الخارجي الذي يراه الجميع، لكنه وصل إلى اكتشاف جمالها الداخلي بعد الدخول إلى أعماقها، ومعرفة ما تخفيه من طيبة وجمال داخلي. استطاع الرجبي في هذه القصيدة المكثفة من عدد بسيط من الكلمات الواقعة في ثلاث عبارات، أن يصور مشهدًا قرن فيه جمال عنصر من عناصر الطبيعة، بجمال أنثاه من الداخل، مبرزًا هذا الجمال بشكل يلفت الأنظار، وكأنه اكتشاف عظيم توصل إليه أثناء تلذذه بأكل ثمرة الموز بعد تقشيرها.
وفي قصيدة أخرى، يقول الرجبي: “سرعة عند حضورك تنمو أجنحةٌ لعقارب الوقت!!” بدأت القصيدة بلفظة (سرعة) معبرًا عن حدث آني تحكمه السرعة في الحدوث، ما يثير فضول المتلقي لمعرفة هذا الحدث، ثم يأتي السطر الأول مبدوءًا بظرف زماني (عند حضورك) يعبّر عن شيء ما يحدث عن حضور تلك الشخصية الأنثوية التي يخاطبها الشاعر، ما يزيد من فضول المتلقي لمعرفة ما يحدث في تلك اللحظة عند حضور تلك الأنثى. يأتي المقطع الثاني من القصيدة ليزيد من التشويق لدى المتلقي لاستكمال الحدث، إذ يقول في المقطع (تنمو أجنحة)، ما يثير تساؤل المتلقي، ما الشئ الذي تنمو له أجنحة عند حضور تلك الأنثى ؟
يصور الشاعر الرجبي خداع تلك الأنثى له بالعبارة الأخيرة في النص الشعري، فيقول واصفا صمود البيت الرملي الذي بناه هو على شاطئ قلبه، رغم هشاشة المادة التي بني منها: (عاش أكثر من حبك لي!!)، فالبيت الرملي استمر وبقي في وجوده رغم هشاشة الرمل، أكثر من حب تلك الأنثى المخادعة، التي لم تصدق في مشاعرها، فسرعان ما زالت تلك المشاعر. يبدو من القصائد التي تم استعراضها في هذه الدراسة، أن الرجبي نقل للمتلقي عبر هذه القصائد من مجموعته الشعرية (على شاطئ قلبي) التي غناها للحب، مشاهد للطبيعة بعفويتها وجمالها وشاعريتها، مضفيًا على هذه المشاهد الطابع الإنساني الميتافيزيقي الذي يعكس فلسفة الطبيعة، وانعكاساتها على الوجود البشري، والمشاعر الإنسانية، جاعلًا من قلبه بحرًا واسعًا ينشر على شواطئه الحب، والمشاعر الصادقة المغمورة بالشاعرية، موظفًا العبارات المكثفة التي تحمل أنغامًا موسيقية متجانسة، ذات إيقاع يساير شعر الهايكو الياباني، بطابع عربي مفعم بالبلاغة والإيحاء الرمزي.
ينهي الرجبي قصيدته بعبارة تثير دهشة المتلقي، فالشئ الذي تنمو له أجنحة عند حضور أنثى الشاعر، هو عقارب الساعة التي تشير إلى الوقت، فالرجبي يحولها إلى طائر سريع الطيران، وذلك لنمو أجنحته مباشرة عند حضور تلك الأنثى. عبّر الرجبي عن شوقه للقاء أنثاه، وسرعة انقضاء الوقت في تلك اللحظات السعيدة، بإضفاء الطابع الحيوي على عقارب الساعة، وتجسيدها على شكل جناحي طائر تنمو أجنحته بصورة آنية مباشرة عند حضور تلك الأنثى، ليتسارع طيران ذلك الطائر، عاكسًا سرعته على سرعة مضي الوقت السعيد في لقاء تلك الأنثى، فجاء هذا التعبير جميلًا مغمورًا بالشاعرية، والموسيقى الساحرة المفعمة بالإحساس العميق. وفي نص شعري آخر، يقول الرجبي: “انتظار بوابة قلبي الخلفية لدخولك أنت وطيور الحب متى تدخلين؟!” جاء عنوان النص حدثًا مصدريًا للفعل انتظر، والانتظار يحمل صفة الترقّب المصحوب بالشوق لحدث يحتاج الشخص حدوثه، والانتظار مرهق في أغلب الأحوال، خاصة عندما يتعلق الشخص كثيرًا بالأمل في حدوث ما ينتظر دون جدوى، فماذا ينتظر الشاعر هنا؟ في المقطع الأول للقصيدة، يقول الرجبي: ( بوابة قلبي الخلفية)، وفي هذه العبارة الابتدائية التي تحتاج للإخبار عن غايتها، يصور الشاعر قلبه بحديقة لها بوابة خلفية، تقابل بوابتها الأمامية، تاركًا العبارة مفتوحة لتوقع الغاية منها. تأتي العبارة الثانية في السطر الثاني من قصيدة الهايكو، لتكمل محتوى العبارة الأولى، فيقول: (لدخولك أنت وطيور الحب) فيتضح من هذه التتمة السببية، الغاية من وجود هذه البوابة الخلفية التي أخفاها الرجبي عن الناس وأخبر بوجودها أنثاه دونًا عن غيرها، وذلك لتدخل منها هي وطيور الحب، فيكون هذا الدخول منفردًا بها وبما ترمز إليه طيور الحب من علاقة حميمة، يتأمل الشاعر حدوثها حين تستجيب تلك الأنثى لنداء الدخول. وفي العبارة الأخيرة من النص، يطرح الرجبي سؤالًا على تلك الأنثى مفعم بالشوق والانتظار، فيقول لها: (متى تدخلين؟!)، فالرجبي صور مشهدًا جعل فيه من قلبه حديقة واسعة، لها مدخل أمامي لعامة الناس، ومدخل خلفي مخصص لأنثاه وطيور الحب التي ترافقها، وجلس هو مترقبًا ينتظر دخولها بكل الشوق، فجاءت القصيدة مشحونة بالعاطفة، والشاعرية في مشهد طبيعي بهيج لقلب الشاعر المتمثل بحديقة رحبة للحبيبة المنتظرة. وفي نص شعري آخر من ديوان (على شاطئ قلبي) يقول الرجبي: “تحبني لا تحبني الزهرة الخجلى يا أيها الأحمق دومًا تعريها من أجل من تعشق!!” في عنوان هذا النص الشعري(تحبني لا تحبني)، يشير الرجبي إلى لعبة كانت منتشرة في الأرياف في فصل الربيع يتسلى بها الشباب، وهي قطف زهرات الأقحوان البيضاء، ثم انتزاع أوراقها ورقة تلو أخرى، مع سؤالها: تحبني؟ أم لا تحبني؟ وحين تكون الورقة الأخيرة المنتزعة في الزهرة هي بكلمة: تحبني، تكون فرحة الشاب عظيمة، فقد اطمأن بأن الزهرة أخبرته بحب فتاة أحلامه له، فهي تبادله الشعور بشكل خفيّ كشفته له زهرة الأقحوان، في حين تفقد زهرة الأقحوان أوراقها، لتصبح عارية من مقومات جمالها جزاء كشفها لسر تلك الفتاة العاشقة. يخاطب الشاعر في السطر الأول من القصيدة الشاب الذي يمارس لعبة زهرة الأقحوان مستخدمًا أداة النداء(يا أيها) ناعتًا له بالأحمق، فيقول: (الزهرة الخجلى يا أيها الأحمق)، إذ يصف الزهرة بأنها خجلى، فيكسبها الصفات الإنسانية، فهي فتاة خجلى، تخجل من هذا الشاب الأحمق، ولا تملك حماية نفسها أمامه. وفي المقطع الثاني يصف الشاعر الفعل الذي يمارسه هذا الشاب، مع تلك الزهرة الخجلى، فهو دومًا يعريها، عابثا بأنوثتها متجاهلًا لخجلها، فلماذا يفعل ذلك؟ يكشف الشاعر في المقطع الآخير سبب ما يفعله ذلك الشاب الأحمق بالزهرة (من أجل من تعشق!!)، فما يفعله الشاب الأحمق بالزهرة التي تعكس صفاة أنثى خجلى، لم يكن من أجلها هي، إنما من أجل الفتاة التي يعشقها، وما الزهرة الخجلى إلا وسيلة لبلوغ غايته في الوصول إلى من يعشقها. وظف الرجبي الأنسنة فعكس على زهرة الأقحوان صفات الأنثى الخجلى، ليصور مشهدًا طبيعيًا للعبة يمارسها شاب يعبث بزهرة أقحوانً، يسألها إن كانت معشوقته تحبه، أم لا تحبه، موظفًا اللغة الشاعرية والجرس الموسيقي الذي يزيّن المشهد، ويزيده روعة فنية. وفي نص شعري آخر، يقول الرجبي: “خداع على شاطئ قلبي بنيت بيتًا لنا من الرمال عاش أكثر من حبك لي!!” يحمل العنوان حدثًا مصدريًا، يعكس صفة سيئة يمقتها البشر، وهي الخداع، الذي تمارسه بعض الشخصيات بإيهام المقابل بالحب والوفاء، مع عدم صدق الشعور الذي يظهر مع مرور الزمن. بدأ الرجبي النص الشعري بعبارة (على شاطئ قلبي)، فجعل من قلبه بحرًا له شاطئ، وفي السطر الثاني يقول: (بنيت لنا بيتًا من الرمال)، فالشاطئ الذي تخيله الرجبي حول قلبه، بنى عليه بيتًا من الرمال له ولأنثاه، فما مصير هذا البيت؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *