مقدمة
أظهرت أحداث السويداء الأخيرة خللًا بنيويًا عميقًا في تركيبة ما يُسمى بالجيش السوري الجديد الذي نشأ على أنقاض المؤسسة العسكرية التقليدية بعد أن أُعيد تشكيله من خليط غير متجانس من الفصائل المسلحة والميليشيات تحت قيادة أمراء حرب لا يعترفون بالانضباط أو بالقدم و التسلسل العسكري. لقد كانت طريقة إدارة الأزمة مثالًا صارخًا على غياب المهنية والانضباط وسوء التخطيط ومؤشرًا واضحًا على أن الجيوش لا تُبنى من الفوضى ولا تُقاد بعقلية الميليشيات والولاءات الضيقة.
صورة قاتمة وانحرافات خطيرة
منذ سقوط النظام السابق وحل الجيش التقليدي جاء التوجه إلى دمج المقاتلين من الفصائل المسلحة والميليشيات الطائفية في ما سُمي لاحقًا بـ”الجيش السوري الجديد”. لكن ما نراه على الأرض اليوم في السويداء وغيرها لا يشير إلى جيش بل إلى جماعات مسلحة تعمل تحت غطاء رسمي وعناوين عسكرية ولكن بعيدة كل البعد عن التنظيم والضبط والخلق العسكري. ومن اسباب هذا الانحدار:
- بناء جيش من بقايا جماعات مسلحة غير منضبطة اعتادت على العمل الفردي والفوضوي.
- دمج ميليشيات ولاؤها لأجندات خارجية دينية أو سياسية لا تنصاع الى اومر الدولة.
- أمراء حرب يرفضون الانقياد لأوامر عسكرية رسمية ويتصرفون بمنطق القوة.
- انتشار أسلحة بأيدي عناصر تحمل أفكارًا متطرفة وسلوكًا عنيفًا غير مسيطر عليه ومقاتلين يعاني بعضهم من اضطرابات وامراض نفسية.
- يعتبرون وزير الدفاع ورئيس الأركان مجرد واجهة سياسية للدولة لا تمثلهم و لا يأتمرون بأوامرها.
ما لا يُشبه الجيش… لا يُمكن أن يُسمى جيشًا
لا يمكن بناء جيش نظامي من أنقاض الفوضى ومن عناصر غير منضبطة تورطت في انتهاكات لأهداف شخصية أو طائفية ومن أسلحة منفلتة استُولي عليها بطرق فردية بعيدًا عن مؤسسات الدولة. كما لا يمكن التخطيط للمعارك من قِبل من نالوا الرتب على أساس الولاء لا الكفاءة أو استنادًا إلى ما يملكونه من نفوذ وسلاح لا إلى تأهيل مهني أو التدرج العسكري.
الجيوش الوطنية المهنية تُبنى على أسس واضحة: الانضباط العالي و التدريب الراقي و العقيدة العسكرية الصلبة والانتماء للوطن لا للفكر أو الفصيل. ولتأسيس جيش وطني سوري حقيقي لا بد من:
- الاعتماد على الكلية العسكرية كمصدر وحيد لتخريج ضباط مهنيين وطنيين قادرين على القيادة والقرار.
- تطوير مراكز التدريب العسكري بما يعزز العقيدة السورية الجامعة ويُقصي الطائفية والانتماءات الحزبية والفكرية الضيقة.
- رفض مبدأ دمج العصابات والميليشيات في الجيش لما تحمله من فوضى وعدم قابلية للانضباط ودمجها في مؤسسات خدمية اخرى تساهم في اعادة تاهيلهم ودمجهم في حياة مدنية مستقرة.
- إقصاء كل من يرتبط بولاءات خارجية أو يحمل فكرًا متطرفًا من مراكز القرار العسكري.
- إعادة تعريف الجيش كمؤسسة وطنية مستقلة مهمتها حماية الشعب والأرض وليس الدفاع عن النظام.
- تحييد السياسيين عن القيادة العسكرية وضمان استقلال المؤسسة عن أي تأثير حزبي أو شخصي.
- بناء العقيدة القتالية على أسس علمية واستراتيجية حديثة تتناسب مع طبيعة التهديدات الواقعية والمحيط الإقليمي.
ازدواجية المعايير… وتاريخ من الدم المسكوت عنه
من المؤلم أن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت في سوريا خلال السنوات الماضية من القصف بالبراميل المتفجرة إلى الإعدامات الميدانية والاغتصاب والتهجير القسري لم تُقابل برد فعل حقيقي من المجتمع الدولي الذي التزم الصمت تجاه معاناة ملايين المدنيين والمعارضين. أما اليوم فالعالم يستنفر أمام تصرفات فردية من عناصر غير منضبطة متناسيًا أن هذه السلوكيات هي في جوهرها امتداد لإرث دموي خطير تركه النظام السابق دون محاسبة.
وفي هذا السياق ينبغي على النظام السوري الحالي أن يدرك أن السير على نفس النهج في القمع والتهميش والعنف المفرط لن يؤدي إلا إلى ترسيخ دائرة الحقد والانتقام وأن من يستخدم العنف اليوم سيجده غدًا في وجهه. إن استمرار هذه السياسات سيُبقي البلاد رهينة للعنف المتبادل ما لم يُتخذ نهج مختلف قائم على الحكمة والاحتواء وبناء دولة تستند إلى القانون لا إلى الردع الدموي.
خاتمة
ما شهدناه من انتهاكات صارخة في السويداء وقبلها في أحداث الساحل يكشف بوضوح حجم الفشل البنيوي العميق في تركيبة المؤسسة العسكرية السورية بصيغتها الحالية. مشاهد لجنود بزيّ غير نظامي بلحى وشعور طويلة ينهالون على المدنيين بالسباب والشتائم ويقومون بضرب العزل وحلق شعرهم قسرًا والاعتداء على كبار السن كل ذلك يُعبّر عن غياب كامل للانضباط العسكري وانهيار أخلاقي لمعايير المهنة العسكرية. لقد أثبت الواقع أن محاولات تجميل صورة “الجيش السوري الجديد” عبر دمج الميليشيات والفصائل المسلحة ليست سوى وصفة لاستمرار الفوضى لا لتأسيس جيش وطني محترف. ولا يمكن الحديث عن بناء دولة مستقرة دون تفكيك هذا التشكيل المشوّه والبدء بتأسيس جيش حقيقي يقوم على تطوّع دماء شابة نظيفة مؤمنة بالوطن لا بالطائفة بالعقيدة العسكرية لا بالولاء الحزبي والطائفي ويتم تأهيله في مؤسسات التدريب العسكري الرسمية لا في معسكرات الفصائل والميليشيات. جيش يُدار بعقل مؤسساتي مهني لا بمنطق السلاح والغلبة والانتقام.
فالجيش ليس بندقية عشوائية في يد من يشاء بل هو شرف ومسؤولية وانضباط عالي وعقيدة وطنية جامعة. لا يستحق الانتماء إليه إلا من تربّى في أحضان الدولة ومؤسساتها العسكرية الشرعية لا من خرج من كهوف وصحارى الحرب الأهلية وتربّى على الحقد والكراهية والثأر.


