في زمنٍ تحوّلت فيه الكاميرا إلى سلاح، والمشهد التمثيلي إلى تمهيد ناعم للواقع، بات من الضروري أن نتوقف طويلًا عند بعض الأعمال الدرامية التي تتجاوز الترفيه، لتتحوّل إلى أدوات لتمرير السرديات السياسية. من بين هذه الأعمال يبرز مسلسل Tehran، الذي يُعرض منذ عام 2020، ويتناول الصراع بين جهاز الموساد الإسرائيلي وإيران، في إطار تجسسي مشوّق، ولكنه ليس بريئًا بالمطلق.
ففي وقت يتصاعد فيه التوتر الحقيقي في المنطقة بين طهران وتل أبيب، ويتنقل التصعيد من حرب الظل إلى المواجهة العلنية، يأتي هذا العمل ليروي “حكاية” قد تُقرأ باعتبارها بروفة درامية لعدوان لم يأتِ بعد… أو لعله وقع بالفعل، وما تزال آثاره تتوالى.
تدور القصة حول شخصية درامية تعمل لصالح جهاز الموساد، تُدعى “تمار”، تدخل إيران متخفية بهدف تنفيذ مهمة تخريب إلكترونية لمنشأة نووية. ومع أن الحبكة تبدو في ظاهرها مشوقة، إلا أن ما تحت السطح أكثر عمقًا. فالمسلسل يُظهر إيران في صورة الدولة البوليسية المتشددة، ويُركّز على مشاهد المطاردة والمراقبة، في مقابل تصوير الجهة المعادية وكأنها منقذة “للعالم” من خطر داهم.
ليست هذه معالجة عابرة أو مجرد خيار درامي، بل خطاب بصري مدروس، يسعى لتثبيت صورة ذهنية عن “عدو نمطي”، ولتبرير إجراءات عدوانية مستقبلية تحت لافتة الدفاع المسبق أو الوقاية الدولية.
عُرض الموسم الثالث من المسلسل بالتزامن مع هجمات حقيقية شنّها الاحتلال الإسرائيلي ضد مواقع داخل إيران، وحدث ذلك وسط مشهد إقليمي مشحون، وتوترات متصاعدة. هذا التزامن لم يكن مصادفة، بل يعزز فرضية أن هذه الأعمال تُنتج أحيانًا كجزء من منظومة متكاملة تخدم أهدافًا سياسية.
إن ما يعرضه Tehran لا يبتعد كثيرًا عما نراه في نشرات الأخبار: هجمات إلكترونية، اغتيالات، اختراقات استخباراتية، ودوائر مغلقة من الشك والخيانة. لكن المسلسل يمنح هذه العمليات “غطاء فنيًا” يجعلها مقبولة لدى المتلقي الغربي، بل ومبرّرة في بعض الأحيان، وهو ما يُعد أخطر أشكال التمهيد النفسي للصراعات.
الدراما التي تنتجها بعض الجهات في الكيان الإسرائيلي لم تعد محايدة، بل غدت أحد أذرع التأثير الناعم على وعي الجمهور العالمي. فهي لا تروّج فقط لبطولة أجهزة الاحتلال، بل تسعى لتقزيم الطرف الآخر، وتجريده من إنسانيته، وتصويره كمصدر دائم للتهديد.
في ظل ذلك، تتراجع المسافة بين المشهد التمثيلي والمشهد السياسي، وتضيع الحدود بين ما هو تخييلي وما هو تمهيدي. فالمتلقي الغربي الذي يُشاهد هذه الحلقات قد لا يعرف تفاصيل الملف النووي الإيراني، لكنه سيخرج بانطباع حاسم: “هناك خطر، وهناك من يجب أن يتدخل لإيقافه”.
المؤسف أن غياب الأعمال العربية المضادة، أو حتى غياب مقاربات نقدية فاعلة، يجعل هذه الأعمال تهيمن على السردية الإقليمية. فبينما يُنتج الآخرون رواياتهم، ونُشرّع نحن أبواب منصاتهم لمتابعتها، نبقى بعيدين عن ساحة المنافسة، وكأننا نكتفي بدور المتلقي الدائم.
هذا يضع أمام صناع الإعلام والثقافة العرب مسؤولية مضاعفة: لا لمجرد الرد على الآخر، بل لبناء سردية متماسكة تنطلق من وعينا الجمعي وتخدم قضايا منطقتنا ومصالح شعوبنا، دون الوقوع في فخ الشعارات أو التضخيم.
مسلسل Tehran ليس مجرد دراما، بل مشروع بصري استراتيجي يقدّم رؤية العدو على أنها حقيقة لا تقبل النقاش. ومن يشاهد دون وعي، سيجد نفسه جزءًا من معركة لم يخترها، ولكن تمّت تعبئته لها عبر صورة مشوقة، وشخصية جذابة، وحبكة كتبتها مراكز تفكير قبل أن يمسك بها كتّاب السيناريو.
الحرب تُخاض أحيانًا قبل أن تُعلَن. ومن لا ينتبه للمشهد التمهيدي، قد يُفاجأ بالفصل الأخير وقد فُرض عليه.


