في لحظة تأمل عابرة بين ضجيج الأخبار المتلاحقة، والضباب الكثيف الذي يلفّ مشهد السياسة العراقية، تسلّل إلى ذهني سؤال غريب. سؤال لا يُطرح في الندوات السياسية، ولا في اجتماعات الأحزاب، ولا حتى في صالونات النخب:
“ماذا لو أُوكلت إلى العتبتين الحسينية والعباسية مهمة تشكيل حكومة تدير العراق؟”
سؤال أقرب إلى الخيال، إلى فرضية عابرة، لكنه يكتسب وجاهته من واقعٍ نعيشه منذ سنوات، واقعٌ يضع نموذج العتبتين في مقابل فشل الدولة، ويقدّم تجربة “النجاح الهادئ” في مقابل فوضى الإدارة والانهيار المؤسسي العام.
فهل تملك العتبتان، فيما لو أُتيح لهما أن تحكما العراق، القدرة على النجاح؟ أم أن سقف إنجازاتهما ينحصر في حدود النجف وكربلاء ولا يمكن نقله إلى بغداد وساحة الحكم؟
نجاح لم يصرخ
خلال أكثر من عشر سنوات، نجحت العتبتان في بناء منظومات إدارية واقتصادية وتعليمية وخدمية متكاملة، بصمتٍ لافت. من مشاريع الإعمار العملاقة، إلى المستشفيات والمراكز البحثية، إلى الجامعات والمدارس، إلى الزراعة والسياحة الدينية، إلى الإعلام، وحتى إلى الإغاثة والرعاية الاجتماعية.
نجاح لم يكن مبهورًا بالأضواء، بل متخففًا من الضجيج.
لم يتاجر بالفقر، ولم يستعرض بالمنجزات، بل جعل من الإنجاز “عادةً” لا “حدثًا”.
ولم يكن هذا النجاح عفويًا، بل نتاج رؤية تنظيمية، وأدوات مهنية، ودرجة عالية من الانضباط، والتفرغ الكامل للعمل، لا للمهاترات.
السياسة… اختبار الحقيقة
لكن أن تنجح في إدارة مؤسسة دينية ضخمة لا يعني بالضرورة أن تنجح في إدارة دولة. فالدولة، على تعقيدها، ليست فقط مشاريع وإنفاق وتخطيط، بل أيضًا سياسة، توازن قوى، تحالفات، صفقات، وحرب على الفساد المتجذر في مفاصلها.
هنا يتبدّى التحدي الجوهري: هل بإمكان تجربة دينية معتدلة، نزيهة، أن تقف في وجه منظومة حزبية متغوّلة، ومصالح إقليمية ودولية متشابكة، وقواعد دستورية ونيابية ترسّخ المحاصصة وتُعقّد التغيير؟ من الصعب الجزم. لكن التجربة تُعلّمنا أن النجاح الإداري لا يكفي وحده.
قداسة العمل.. ومحنة السياسة
دخول العتبات في معترك الحكم، حتى على مستوى الفرضية، يثير إشكالًا آخر: هل يُمكن أن تبقى قدسية هذه المؤسسات محفوظة حين تدخل دهاليز السياسة؟ ففي السياسة، لا مكان للنقاء الكامل. كل قرار له أثمان، وكل ملف له خصوم، وكل تنازل يُسجَّل. فهل تستطيع العتبات أن تحتفظ بنقائها الرمزي وهي تخوض صراع الموازنات والتحالفات والعقوبات والموازنات العامة ومجالس النواب؟
الأرجح أنها ستتعرض لهجوم شرس، ليس فقط من الفاسدين، بل من كل من يرى في نجاحها تهديدًا لمصالحه.
ورقة النجاح المؤجل
رغم كل هذه العقبات، تبقى فرضية “حكم العتبتين” ورقة تُلهم الخيال السياسي في لحظات الانسداد. هي لا تمثّل حلًا عمليًا مباشرًا، لكنها تُحرّك بركة الواقع الآسن، وتُذكّرنا بأن هناك نموذجًا ممكنًا، نظيفًا، فعالًا، نجح في نفس الأرض، وبين نفس الناس، وتحت نفس الظروف.
السؤال إذًا ليس: هل تستطيع العتبتان حكم العراق؟
بل: لماذا لا تتعلم الدولة من هذا النموذج، وتستنسخ بعضًا من أدواته، أو تُشركه في صناعة القرار بعيدًا عن التسييس؟
خاتمة… خلف أسوار كربلاء
قد تبقى العتبتان، عن وعي أو عن حكمة، خارج أسوار الحكم السياسي المباشر. وقد يختاران مواصلة العمل الصامت الذي يُحدث الأثر دون أن يطلب السلطة.
لكنّ مجرد وجودهما كنموذج ناجح في بحر من الفشل، يجعل السؤال الذي بدأناه سؤالًا يستحق التكرار:
“ماذا لو حكمت العتبات… بلدًا مثل العراق؟”
ليس لأنها الوحيدة القادرة، بل لأنها نجحت في المكان الذي فشل فيه الآخرون.


