حين يلامس النثر ضفاف الشعر كتاب “أوراق الورد” لمصطفى صادق الرافعي انموذجا

حين يلامس النثر ضفاف الشعر كتاب "أوراق الورد" لمصطفى صادق الرافعي انموذجا
الادیب الکاتب والشاعر والناقد مصطفی صادق الرافعي قد ابتعد في کتابه « اوراق الورد» عن سمات اللغة النثریة التي تتصف- غالباً- بانها ایصالیة تبلیغیة لیقترب بذلك الی اللغة الشعریة. وقد سکب الرافعي عواطفه الصادقة تجاه من أحبّها في قوالب لغویة وتعبیریة تلامس ضفاف الشعر...

الادیب الکاتب والشاعر والناقد مصطفی صادق الرافعي قد ابتعد في کتابه « اوراق الورد» عن سمات اللغة النثریة التي تتصف- غالباً- بانها ایصالیة تبلیغیة لیقترب بذلك الی اللغة الشعریة. وقد سکب الرافعي عواطفه الصادقة تجاه من أحبّها في قوالب لغویة وتعبیریة تلامس ضفاف الشعر.

اللغة الشعریة کما قال جون کوهن؛ « هي الانزیاح عن لغة النثر، باعتبار ان لغة النثر توصف بانها لغة الصفر فی الکتابة» ( کوهن، جون، ص: 35). واذا اردنا ان نعرض تعریفاً عاماَ للغة الشعریة یمکننا القول في انها « کلیة العمل الشعری  او النسیج الشعری بما یشتمل علیه من مفردات لغویة و صور شعریة و من موسیقي» ( الورقي1984، ص67). و لکن لا یعني ذلك أن النثر ینفصل عن الشعر حیث اننا « نشهد في هذا العصر تداخلاً في الاجناس الادبیة لدرجة ان اصبحت الحدود التي تفصل بین الشعر و النثر قلقة مراوغة» ( العلاق، 1997، ص: 171).  بالتالی یستطیع النثر ان یحقق الشعریة فیما یعرضه عبر خروج عن اطاره والتحلّق في اجواء الشعر. اذن، یمکن القول بأن « النثر لیس حقیقة وسیلة تعبیر منفصلة عن الشعر، و هکذا للشاعر ان یسرد لنا بلغته الشعریة عالمه، و لا شئ یحظر الکاتب من ان یباري الشاعر فیما یقوم به» (مرتاض، 1983، ص: 35).

یعتبر افلاطون رائدا في مجال الآراء النقدیة للاعمال الابداعیة، وهو اول من اثار قضیة الشعر والشعراء. و ن مواقفه النقدیة انتقاده للشعر باعتباره محاکاة للمحاکاة وابتعادا عن الحقیقة بثلاث مرات ( المناصرة،2006، ص:32). حتی نصل الی ارسطو الذی یعد کتابه« فن الشعر» المرجع الاول للباحثین الاوروبیین؛ اذ انه اول من لمح الی الشعریة تحت مسمی آخر الا وهو صناعة الشعر؛ لانه« جعل الشعر صناعة فنیة وان فن الشاعر یتجلی في صیاغته و تنظیمه للعمل الشعری حتی یکسبه الصفة الشعریة مستندا الی المحاکاة کعنصر جوهري في الشعر» ( مبروك،2013، ص: 264). وعلی هذا الاساس یمکن القول ان الشعریة الاغریقیة هي الجذر الرئیسی للشعریة الاوروبیة الحدیثة؛ اذ ان« کتاب ارسطو فی الشعریة هو اول کتاب خصص بکامله لنظریة الادب کما هو کتاب فی المحاکاة عن طریق الکلام» ( تودوروف، 1987، ص: 12). واذا ما عدنا الی التراث النقدی العربی سنجد ارهاصات الشعریة في اقوال النقاد والشعراء، فهذا قدامة بن جعفر والذي یبدو ان له فضل السبق في القول بکون الشعر صناعة، اذ قال« لما کان للشعر صناعة و کان الغرض فی کل صناعة اجراء ما یصنع و یعمل… له طرفان احدهما غایة الجودة و الاخر غایة الرداءة، و حدود بینهما تسمی الوسائط» ( قدامة بن جعفر، 1963، ص: 16). ونحن نعني بالشعریة  ما ورد عند تودوروف؛ أي« تلك الخصائص المجرّدة التي تصنع فرادة الحدث الادبي؛ اي الادبیّة» ( تودوروف، ص: 5). کما نعوّل علی رأي «یمنی العید» في البحث عن عناصر اللغة الشعریة حیث تعتبرها« الانزیاح و الموسیقی و المتغیرات الجدیدة  في تولید رؤی مختلفة و جدیدة طالت التراکیب» ( العید، 1987، ص: 298).

جمالیات  اللغة الشاعرة في اوراق الورد

الانزیاح الدلالی:

یقع الانزیاح من ضمن الدراسات الاسلوبیة. وهو عنصر یمیز اللغة الشعریة عن غیرها من اللغة الوظیفیة و یجعلها لغة خاصة ( عامر، ص: 146). ونعني بالانزیاح الدلالي « استبدال المعنی الحقیقي او السطحي للفظة بالمعنی المجازي العمیق، حیث یتم الانتقال من المعنی الاول الی المعنی الثانی. و هذا المفهوم قد عبّر عنه الجرجاني ب « معنی المعنی» ( الجرجانی، 1981، ص:200). و تمثل الاستعارة عماد هذا النوع من الانزیاح( ویس، 2005، ص: 111). کما انه« مجال التعبیرات المجازیة من استعارة وغیرها ( فضل،1998، ص: 119).

  الاستعارة و تشکیل الصورة  :

یقول الجرجانی حول الاستعارة؛ (انها تعطیك الکثیر من المعانی بالیسیر من اللفظ) ( الجرجانی،1998: 21). والاستعارة عبارة عن، (  ذکر احد طرفي التشبیه وترید به الطرف الآخر مدعیا دخول المشبه في جنس المشبه به، دالا علی ذلك باثباتك للمشبه ما یخص المشبه به)( السکاکي، 1987 :369). وتعدّ الاستعارة من اقوی مُشکّلات الصورة والتصویر اذ انها(وسیلة من وسائل التصویر الفني ولکنها ذات بنیة انفعالیة کبیرة وتقدم لنا من خلال العلاقات المشابهة التي تقوم بین طرفیها صور طریفة وجدیدة)( حمو، 2011: 89). و کتاب« اوراق الورد » زاخر بالاستعارة و لمجاز و التصاویر الناجمة عنهما،  وسنعرض فیما یلی طرفاً منهما لإثبات  لغته الشاعرة  وجمالیة استعمالاته المجازیة والاستعاریة للغة.

«یا زجاجةَ العطر، إذهبي الیها وتعطّري  بمسّ یدیها وکوني رسالة قلبي لدیها».  ( الرافعي، 1982: 34)

قد اخذ الکاتبُ یخاطب آنیة العطر؛حیث ان الاشواق تملکت علیه وراح یری الشيء في صورة الانسان، فیخاطبه ویبثّ الیه ما یخالج وجدانه، لیکون رسولاً بینه وبین الحبیب.  الغریب في هذه الصورة المجازیة هو جعل آنیة العطر تلامس ید المحبوبة؛ لأنها قد فاقت المسك عطراً و شذیً، وجعل الآنیة رسالة قلب الی قلب. وفي هذا المقطع من النص حیث یخاطب الرافعي القمرَ:

«أتذکر ایُّها القمرُ و قد رأیتك ثَمَّة قریباً من الحبیبة، تصبّ علیها النورَ، خیل الي انّها إحدی الحور العین متکئة في جنّتها علی رفرف خُضر، وقد وقف القمرُ لخدمتها؟ »    ( الرافعي، 1982: 56).

قد خاطب الکاتب (القمر) باداة النداء التي تستخدم لمن یعقل ویحس. ویعود ذلك  إلی حالة الکاتب النفسیة التي تعیش ذکریات أیام الخوالي. عندئذ لم یعُد القمرُ ینیر الارض فحسب، بل صار شاهدا حیّا علی ما دار بین العاشقین، فلهذا یشخّصه الکاتب إثر فراق الحبیبة لیعید معه ذکراها. والصورة الاخری التي تستوقف المتلقی، تظهر في هذه العبارة الاستعاریة « تصب علیها النور» حیث الانصباب للماء وما شابهه، ولکن شبه نور القمر في کثافته بانصباب الماء علی سبیل الاستعارة التصریحیة . کما ان نسبة الوقوف الی القمر في عبارة « و قف القمر لخدمتها» یثیر عجب القارئ؛ اذ اضفی الکاتب علیه الصفة الانسانیة. وجمال هذه الصورة  تکمن في ان القمر قد صار جِرماً في کبد السماء وکأنه یستمد نوره من طلعة المحبوبة البهیّة و المتوهجّة فیفیض انوارا وانوارا فرحاً بها. ونستطیع ان نتلمس الانزیاح في المقطع التالی حیث قال؛

« أتری یا قلبی أنه لیس فی الحُبّ الاّ عواطف مکبّرة یثیرها دائما وجه الحبیب، فلابد أن یکون دائما وجه الحبیب طالع، فیه روح القمر…» ( الرافعی،1982: 58)

یشیر هذا المقطع بتشکیله الاستعاری الی ما یقاسیه الکاتب من الآلام و الوحدة؛ فجعل خطابَه موجها الی القلب موطن الحب والاحاسیس علی غِرار عشاق الحب و الجمال، فقام بأنسنة القلب عبر المجاز اللغوی موظفا حرف«یا» للنداء. کما شبّه القلبَ بانسان یری، و ذلك عبر الاستعارة المکنیة، مما احدثت غرابة ودهشة لدی القارئ. وبهذا الاسلوب قد حمل الکاتب المتلقیَ الی اللذة الفنیة والمشارکة الوجدانیة. کما هناك استعارة اخری في عبارة « وجه الحبیب طالع» حیث جعل الکاتب وجهَ الحبیب قمرا منیرا علی سبیل الاستعارة المصرحة. لیؤکد بهذه الصورة الاستعاریة ان الانسان اذا ما خلا سماءُ خَیاله من صورة الحِبّ سیفقد قمرُ السماء في عینیه بریقَه، فلابد من حبیب یحمل روحَ القمر صورةً و معنیً، لینفذ نورُه الی قلب المُحبّ وتأجّج عواطفه فیزیل عن ناظره الصورة الضبابیة للاشیاء ومنها قمر السماء. و في المقطع التالي، قد طار الرافعی بخیاله المجنّح الی فضاءات الشعر وکشف عن حالته الشعوریة بادوات بلاغیة تجاه تجاهل الحبیبة لرسائله:

« أکتبها لنفسی، و متی تنفّس غدُ هذا الیوم النحاسي من فجره الذهبي و أخذت تتسلی همومُ یوم فی یوم الاخر وضربت موجةٌ من الزمن موجةً أخری، فهزمتها الی ساحل الذی تموت فیه الامواج، ساحل النسیان»   ( الرافعی،1982: 48)

یُسقط الکاتبُ احاسیسه علی الطبیعة، لیتصوّر الغدَ في صورة استعاریة انسانا یتنفس والهمومَ ذا روح تسلی عن قلبه اوجاعَ الحُب و الایام. کما صوّر هولَ الزمن فی ایام الهجر بموج یتبعه موج آخر الی أن تهدأ امواج الزمن علی شاطئ النسیان!؛ اذ أن قلب المُحبّ متلاطم وهائج کالبحر إثر الفراق، فیحاول جاهدا نسیان هذا الحُب والهروب من سطوة الزمن واحاسیس تعصف بکیانه. وقد عبّر عن هذا بصورة استعاریة طریفة، وهي « موت الامواج» لتدل علی السکون المطلق.

« و ابتدرتنی منه جملةٌ باسمةٌ أمطرتُها لثماً، اذ خیل الیّ انها ترجمةٌ عن شفتیک»   (الرافعی، 1982: 141)

قد تشکّل الانزیاحُ في عبارة « جملةً باسمةً»؛ أذ ان الابتسامة لیست من طباع الجملة ولکنها برزت بهیئة انسانة تبتسم، و بذلك قد اکتسبت لغةُ الکاتب سمات اللغة الادبیة؛ کما في هذه العبارة« امطرتها لثما»؛ فالامطار من فعل السماء ولکن استعیر هنا للتقبیل، و هذه الصورة الطریفة تدل علی صدق عواطف المحب تجاه المحبوبة؛ حیث یری عباراتَها ثغراً یبتسم فیشبعه لثماً،حتی وان کان الثغرُ بهیئة جملات سطّرتها أناملُ الحبیبة علی الاوراق. ونص الرافعی یبتعد عن اللغة التوصیلیة في النموذج التالي حیث قال:. و الرافعی أماط اللثام عن حیرته حیال غُنج و صَدّ الحبیبة باسلوب منزاح عن المألوف، اذ قال:

«و ما بال کتابنا… یمضی « سؤالاً» من القلب و یبقی عندك بلا « جواب» و « نبنیه» نحن علی « حرکة» قلوبنا فتجعلینه « مبنیاً علی السکون» ثُمّ « لا محلَ له من الاعراب»

( الرافعی، 1982: 182)

قد اظهر الرافعی الکتابَ علی هیئة انسان یلحّ ویلجّ في السؤال عبر المجاز العقلی، کما تصوّر الکتابَ ( الرسالة) کلمة  «تُبنی» علی سبیل الاستعارة المکنیة. وتوحی هذه الصورة الاستعاریة  بتَودّد المحب الی الحبیبة دون انقطاع  بینما جعل جوابَها لفظا « مبنیا علی السکون» علی سبیل الاستعارة المکنیة، لتدل علی صمتها القاتل. قد احسن الرافعی التعبیرَ في النهایة، حیث انه عبّر عن دهشة وحیرة المحب امام صمت الحبیبة بالصورة الاستعاریة « لا محل له من الاعراب»؛ اذ ان صمتها یبعث الظنونَ في کیان المُحبّ فیترکه في مَتاهات التفسیر و لُغزٍ قد لا تُحلّ عُقدُها .

الایقاع

  التوازی:

و هو من اشکال النظام النحوی فی تقسیم الفقرات بشکل متماثل فی الطول و النغمة و التکوین النحوی، بحیث تبرز عناصر متماثلة فی مواقع متقابلة فی الخطاب ( فضل، 1988   : 198). کما عُرّف بانه( تشابه البنیات و اختلاف المعانی) ( مفتاح، 1997 : 259).  و الرافعي في کثیر من سطور ومقاطع کتابه خلق نوعا من الایقاع المتمثل فی التوازی، و ذا ما نسعی الی تبیانه وذلك من خلال عرض بعض اشکال التوازی في کتابه اوراق الورد.

التوازی الترکیبی( النحوی):

التوازی الترکیبی یقوم من خلال التطابق التام فی کل عناصر البناء النحوی ( وهاب، 2014 : 313 ) بحیث یؤدی الی تشکیل الجمل المتوازیة،  ( تلك الجمل التی یقوم الادیب بتقطیعها تقطیعا متساویا تتفق فی البناء النحوی، سواء اتفقت هذه الجمل في الدلالة ام لم تتفق) ( ابراهیم، 2003: 67). کما ورد في نص الرافعی ومنه هذا النموذج حیث یخاطب الرافعی الزهرة:

« أم انتِ من لغة اللمسِ، و قد جئتِ تحیةً من وجهها؟

أم انتِ من لغة الابتسامِ،  و قد جئت سلاماً من یدها؟

أم انتِ من لغة النظرِ،  و قد جئت ذابلةً متناعسة؟  ( اوراق الورد، 1982: 93)

نجد توازیا نحویاً فی النص، فالجمل الاسمیة تطابقت تطابقا تاما في ضمیر المبتدأ، کما هناك تطابق في حروف الجر ومجروراتها، ومع ان الجمل الاسمیة المتوازیة لا تنتهی بسَجعات الا انها حققت ضربات متعادلة عبر الوزن الصرفی والکسرة التی رافقتها. ونقصد هنا بالوزن الصرفی الصیغة الصوتیة وهو ( لا یعنی الصیغ الصرفیة التی تراعی اصل الکلمة و ما یطرأ علیها من تغییرات بالقلب و الحذف و غیرها) ( العمری،1990 : 112). و قد توازت الجمل الفعلیة بصورة عمودیة في القسم الثانی من السطر، حیث تطابقت ثلاثة افعال ماضیة، وکل منها مقترن بتاء الفاعل. ویأتی بعد کل منها اسمٌ منصوب علی الحالیة. کما ان مجئ ترکیبة« من یدها- من وجهها» بعد الاسم المنصوب في الجملتین الاولی والثانیة ادّی الی تعدد اشکال التوازیات ومنح طابعا تغییریا؛ اذ ان التوازي في الجملة الثالثة  جاء علی صورة « الجملة الفعلیة+ الحال» فحسب. کما ان هناك تطابقا بین « ذابلة – هالکة» في الوزن الصرفی. فهذا التنوع  أثری النسقَ الایقاعی المتمثل في هذه التوازیات.

التوازي الصرفي:

یعتمد هذا النوع علی تکرار بنی لفظیة ذات صفات مشابهة ک اسم الفاعل والصفة المشبهة و افعل تفضیل و… واوزان الافعال وتصاریفها المختلفة و بعض انواع الجموع (الحمدانی، 2013 : 73). ونعرض هُنا بعض نماذجه في کتاب اوراق الورد:

« و أشعر بكِ دائمة الاندفاق والانصباب فی نفسی… وانتِ خارجة عنّی و بی شوقٌ دائم النُزوع الیكِ و انه لایزال شارداً علی الوجود، مع انه واجدكِ، مع انه حائم علیكِ، وذلكِ الّا لانکِ دائمة الدلالِ»                 ( الرافعی، 1982، ص: 201).                                                                                            هناک اتفاق في الصیغ الصرفیة « اسماء الفاعل» اي؛ « دائمة- خارجة-شارد- واجد-حائم». کما ان لفظتین « الاندفاق- الانصباب» جمعهما وزن واحد فتعادلتا في الوزن الصرفی « الانفعال»،  ومما ساعد علی موسقة النص هو ما نلمسه من التکافؤ القائم بین الکافات المتکررة والیاءات في « بك- الیك- واجدك- علیك- لانک» و« نفسي- عني- بي» وأضف الی ذلك تشابه اللفظین« النُزوع- الوجود» في وزن « الفعول». فکل ذلك قد ادّی الی خلق رنّة ایقاعیة موحیة في نثر الرافعي.

« نظرات من عین ساجیة ساکنة الطرف»                ( الرافعی، 1982 : 62)

نجد تماثلا في الصیغة الصرفیة « فاعلة»، کما تحقق من خلال هذا التوازي ما یسمّی بالموازنة؛ وهي( تساوي الفاصلتین في الوزن دون التقفیة) ( التفتازانی، 1427 : 475).

« أتصوّرک علیلاً لأشفیك، مطروداً مرذولا لأکون لك وطناً، سجیناً لأشهدك»      (الرافعی،1982،ص:130)

تحقق التوازی من خلال الصیغة الصرفیة« فعیل» و «المفعول». کما ان هناک سجعا فی السطر. تشکّل عبر لفظی« علیلا» و « مرذولا»، ونقصد بالسجع« تواطؤ الفاصلتین علی حرف واحد» ( التفتازانی، 1427 : 471). وما ساعد علی الرنّة الایقاعیة هو تکرار ضمیر الکاف لما بینها من التکافؤ و التجانس.

« من انتِ، و ماذا کنتِ؟ أکنتِ وحیاً من فیض شاعریتی المکتظة»( الرافعی،1982: 133)

قد وازی الکاتب بین الصیغة الصرفیة « فعلت» المتمثلة فی فعل «کنت»، کما نلحظ تجانسا صوتیا فی الحرفین « ن- ت» المتکررین فی الفعل و الضمیر المنفصل.

اذن ان الشعریة لا تقتصر علی الشعر دون سواه، بل ان النثر اذا ما وظف العناصر الشعریة؛  من الانزیاح  والتصویر و الایقاع، سوف یقترب من ضِفاف الشعر وفضاءاته. کما ان الشعریة تحقق للنصوص ادبیتّها، وذلك من خلال خرق قوانین اللغة العادیة  خلق علاقات وتعابیر جدیدة في السیاق الواردة فیه. لقد تبیّن ان کتاب« اوراق الورد» یضمّ طاقة شعریة هائلة في معظم مقاطع الکتاب وسطوره، ومردّها هو  الانزیاحات الدلالیـة ( المجاز والاستعارة بنوعیها)والتصاویر الناجمة عنها؛ حیث ان الرافعی قد کشف من خلالها عن احاسیسه حیال الحب والجمال . أـضف الی ذلك، الایقاع المحقّق في نثره من خلال التوازی بنوعیه النحوي والصرفي . قد برز التوازي النحوي من خلال تطابق تام بین الأبنیة النحویة کالجمل الاسمیة والاستفهامیة والحالیة  عبر التقابل الدلالي بین طرفي الجمل المتوازیة ،  اما التوازي الصرفي جاء بثوب ابنیة لفظیة تشابهت في صفاتها ک اسم الفاعل والصفة المشبهة وأفعل تفضیل  و الاوزان الصرفیة ذات ایقاع متشابه وایضا من خلال افعال (ماضیة و مضارعة) شکلت تضاداً في المعنی وتماثلاً في الوزن و الایقاع؛ حیث ادّی هذا الایقاع الی تقویة ایقاع الفکرة و الدلالة.

…………….

المصادر و المراجع

ابن الاثیر،ضیاء الدین، (1939)، المثل السائر فی ادب الکاتب و الشاعر، تحقیق محی الدین عبد الحمید، المجلد 1، مصر، مطبعة مصطفی البابی الحلبی و اولاده.

الامدی، ابی القاسم الحسن بن بشر، (1992)، الموازنة بین شعر ابی تمام و البحتری، تحقیق، السید احمد صقر.

أدونیس،(1979)، مقدمة للشعر العربی، بیروت، دار العودة.

ابو دیب، کمال، (1987)، فی الشعریة،بیروت، مؤسسة الابحاث العربیة.

ابراهیم، رجب عبدالجواد،(2003)، موسیقی اللغة،القاهره، مکتبة زهراء الشرق.

بوحوش، رابح،(2006)، الاسلوبیات و تحلیل الخطاب، الجزائر، منشورات جامعة باجی مختار.

تودورف، تزیفتان،(1987)، الشعریة، ترجمة، شکری المبخوت، رجاء بن سلام، المغرب، دار توبقال للنشر.

التفتازانی، سعد الدین،(1427)، شرح المختصر، المجلد2، مطبعة نینوی.

الجرجانی، عبدالقادر( 1987)، دلائل الاعجاز، بیروت، دار المعرفة.

الخطیب، محمد کامل،(1999)، تکوین اللغة الروائیة( اللغة و رؤیة العالم)، دمشق.

الرافعی، مصطفی صادق،(1982)، اوراق الورد.

السکاکی،( 1987)، مفتاح العلوم، تحقیق، نعیم زروز، بیروت، دار کتب العلم.

صلاح، رزق( 2002). ادبیة النص، القاهرة، دار غریب.

ضیف، شوقی،( 1962)، النقد الادبی، القاهرة، دار المعارف.

العریان، محمد سعید،(1955)، حیاة الرافعی، مصر، المکتبة التجاریة.

عبد الرضا علی( 1997)، موسیقی الشعر العربی قدیمه و حدیثه، عمان، دار الشروق.

عید، رجا، (د.ت)، القول الشعری( منظورات معاصرة)، الاسکندریة، منشأة معارف.

عامر، سامر منیر(د.ت)، وظیفة الناقد الادبي بین القدیم و الحدیث، بیروت، دارلمعارف.

الفاخوری، حنا(1986). الجامع فی تأریخ الادب العربی« الادب الحدیث»، بیروت، دارالجیل.

فضل، صلاح(1998)، النظریـة البنائیة فی النقد العربي، القاهرة، دارالشروق.

قدامة بن جعفر(1963). نقد الشعر، تحقیق کمال مصطفی، مصر، مکتبة الخانجی.

کوهن، جان،( 1986)، بنیة اللغة الشعریة، ترجمة محمد الوالی، محمد العمری، المغرب، دار توبقال.

الکبیسی، طراد،(1999)، فی الشعریة العربیة.

مرتاض، ملک،(1983)، النص الادبی من أین الی أین؟، الجزائر، دیوان المطبوعات الجامعیة.

الورقی، سعید،(1985)، لغة الشعر الحدیث، عمان، دار النهضة للطباعة و النشر.

یاکبسون، رومان،( 1988)، قضایا الشعر، المغرب، دارتوبقال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *