يتجلى في هذا النص الشعري الحضور والغیاب کبنية فكرية تنسج الرؤية الشعرية من خلال التوتر الدائم فتتسلل إلى البنیة العمیقة للنص وتجعل من كل صورة شعریة وجملة شاعرة نقطة التقاء بین الثنائیات الضدیة، الحياة والموت، الشعر والخوف، الحنين والخذلان، الطفولة والاغتراب. وأنت کمتذوق حین تتمضمض اشعاعات شعریة النص بنکهتها الانثویة تطل من جدائل السطور کُوة تهدیك الى بوح ينفث دما ودموعا ويرسم ما يقطر من سويداء القلب بريشة الاغتراب لوحة فسيفسائية مكثفة بصورها الشعرية الأخاذة فتنسج الذكريات بلغة موحية عذبة تستسیغها النفس ويجنّح الخيالَ في مدينة الاشباح تجمدت قلوبها أو كادت وتتلقف حسك وبصيرتك وعيناك هذا النسيج المتداخل المتشابك جاعلا من النص ينبض بالتناقضات المؤلمة ويترقرق جمالا فنیا. فها هي أنثي القصيدة ترفع عن محياها بُرقُع مأساتها حين استهلت باستحضار أمّها ما يعادلها موضوعيا لتصدمك صدمة المتأمل المستفسر من خشية الذات الغائبة على الأنثى الحاضرة التي فطمت لترضع من نبيذ الشعر والشعور وتعيش سكراته وصحوة الابداع والعطاء معا. هنا تكشف المدينة عن ضحالتها ماديا ونفسيا لتشرع المرجعية المكانية المشتركة تولد الاغتراب والكبت والفاقة والجياع . الافتتاحیة الشعریة تصدمنا باستدعاء النص الصوتَ الغائب الحاضر تلك الانثى المترفلة في بساتين الكلمات لتقطف من نخيل الخيال السامقة ثمارا تجود بها الى ظمأ الجمال وتعطّش خرسة المدينة للذرب اللسان يهدم قسوة الواقع ويبني من جديد أو أن يخفف وطأة هوجاء المدينة باستنهاض الكلمات وخرزها بخيط الأمل؛ نعم إنها الأم الشاعرة تحتل النص غيابا وحضورا لتقيم الذات الشاعرة الحاضرة مشهدا حواريا معها ومع نفسها واللغة ومايحيط بها وتلك المدينة الخرساء. وهذه الحوارية تكتسي الحزن والانكسار والاحتجاج وانها تحيل الى مفارقة وجودية تجوب النص ولاتفارقها حتى يحط النص رحاله الكلمي العيني. وتظهر الأم في النص کعرّافة تقرأ فنجان القدر فتتنسم في ملامح ابنتها موهبة شعریة طافحة ستؤدي بها الى الهاوية مع أن الشعر كان هوية الأم الجمالية والابداعية الا أن جمالية اللوحة الماضية المتمثلة بعطاء الأم تتكسر وتتشظى معه الذات الحاضرة بارتطامها بصخور الواقع وكأن الوظيفة الشعرية في الحوار والتواصل وذر الوعي في العيون والعقول تفقد فاعليتها فالشعر ذاك المعبد لدندنة ترانيم الجمال وترجمان الوجدان يستحيل الى واد يبعث على الخوف وكأن الذات الغائبة قد آنست مُرّ الحقیقة في أن الشعر ليس نزوة عابرة بل قَدَر لامندوحة منه وان سلكت الذات الحاضرة مسالكه ستذوق غربة قاسية وتأتيه سهام الغضب من كل صوب ويوقظ فيها الشعر بصيرة تجرح ولاترحم ونرى بأن سُکّر الشعر يقابله تهكم الآخر ويتحول ذاك الشغف الطفولي البريء والارتعاشة النقية الى دروب اغتراب محفوفة بالغموض كما أن النص في غيابه وحضوره ينسج حوارا بين أزمنة متقابلة ينهل من معين الطفولة ثم ينساب نحو حاضر متشظ تفارقه السكينة والتماسك وتُحوّل النص من استذكار للحظة النقاء والحمیمیة الماضیة الى وعي موجع لتبعات ما ستسير عليه الذات. وكلمة “الآن” التي جاءت للتعبير عن زمنية الحاضر وتكراره في مفاصل النص لايأتي محايدا بل یبدو كشظايا مرآة تحمل في انكساراتها تشظي الماضي نفسه والشعر ذاك الحبل السري الذي يوصل الذات الحاضرة بالأمومة الشاعرة المبدعة المعطاءة تستحيل الى ميراث ملعون ليس لغياب الذات الغائبة بل لأن الشعر ذاته خُلع من جماليته وتحوّل إلى مستودع للألم وصوتا يترنح بين الندبة والنجوى. ويستمر النص بصوره ليعلن عن امتزاج الدم بالماء لا ليطهّره بل ليعلن عن انصهار الذاتين انصهارا يبعث على القلق قلق الذات والجسد وهما يتوارثان الشقاء وهذا التمزق والتشتت لا يقتصران على العلاقة الشخصية، بل يتسرب إلى خارج النص حيث يتحوّل الدخان إلى “فاكهة” مشتهاة و إلى شهوة باهتة وزاد لجيل لاحق لا يعرف من الحقيقة والحياة إلا ما تبقّى منهما الرماد. وما یستثیر فینا هو هذا التکاثر الرمزي العمیق في بنیة نص” صوت المدینة ” خلقته الصور والمجازات وتراکیب ك الثوب المثقوب، ، المسامير، الطرقات، الحبيب، الملوك، الخبز…. أو “نتوضأُ بخجلِ العذارى الفقيراتِ” و”تعرَّى الليلُ مستأجراً كلَّ دكاكينِ الأقمشةِ“…. كلها صور وتراکیب تتكرر، لكن لا تعود بذات المعنى بل تتغير بتغير السياق مما يمنح القصيدة حركة داخلية ثرة ويحفظ لها تماسكها العضوي رغم اتساع فضاءاتها الدلالية كما أنها تکشف عن عالمين عالم يحاول أن يعيش بكرامة ، وعالم يصيبه التخمة على حساب آلام وأوجاع الآخرين. لايكتفي النص باستحضار الأم ككيان من لحم ودم وروحا هائمة أو كقيمة وجدانية فحسب بل ليجعلها بؤرة مركزية تتآلف حولها كل خيوط النسيج النصي فهي بغيابها حاضرة ولها حضور شفيف يلوح ويؤنس وحشةَ الذات الحاضرة وتتجسّد بهيئات متنوعة من القرب الجسدي إلى التحام الذاتين حتى الاطلالة بطیفها في الختام لتأخذ بذلك صفة رمزية في سياق النص تدور تجليات الوجود حيث تدور. وفي هذه الصورة التي یختم بها النص الشعري تأتي کلمة “ستّون” لامتداد زمني یعکس عمر الذات الحاضرة أو زمنا نصیا غیر أن الحضور الأعمق یکمن في استمراریة فعل الرعب والرهبة والقلق فالأم تلك الروح الهائمة والمتخيلة تحلّ لا لتخفّف وطأة القلق وتهمس الی الذات الحاضرة همسات الطمأنة بل تطل كنذيرة تحذر من المدينة الخرساء العمياء ومن الكلمة والشعر ! ومن كائنات هي أشباه البشر أو هي رموز فقدت جوهر أرواحها في الماضي والحاضر وغَدت تصنع الزيفَ والرهبة والحرمان. لقد استطاعت الشاعرة، من خلال حبك هذا النسيج الدلالي ببنى اسلوبية معقدة أن تتحفنا بنص شعري يحمل صدى إنسانياً عميقاً فقصيدة ” صوت المدينة ” ليست مَرثاة لأم أو لمدينة بعينها بل هي لحن شجي رخيم للبراءة المفقودة وللحلم الذي تحول إلى كابوس وهي صرخة في أنّاتها وأنينها تترقب أن تنبعث انسانية الانسان من رمادها.
النص
(صوتُ المدينةِ)
كانتْ أمّي، لكونِها شاعرة، تخشى عليَّ منَ الشِّعرِ،
حينَ نطقتُ بهِ وأنا ابنةُ التَّاسعة.
الآنَ،
بعدَ أنْ كانَ الشّعرُ خطوةَ ساقيةٍ نحوَ اغترابٍ مبهمٍ،
وارتعاشةَ زنبقةِ يدٍ تلعثمتْ طويلاً
وهيَ تطرقُ باباً ضحكَ على حقيبةٍ منَ السُّكّرِ،
قبلَ أنْ تدخلَ،
ذهبتْ هناك.
الآنَ،
بعدَ أنْ شقَّتْ الشَّمسُ زيقَها بحثاً عنها،
وتعرَّى الليلُ مستأجراً كلَّ دكاكينِ الأقمشةِ،
تاركاً دكاكينَ النَّهارِ خاويةً،
مستلقياً على سقفِ أضلعٍ طريَّةٍ،
لم يُرهبْها زحفُهُ.
كانتْ أمَّي ترشحُ بينَ أناملي قصائدَ سكرى،
كنَّا بعضنا حينَ اختلطَ الدّمُ بالماءِ.
كنَّا بعضنا حينَ أصبحتْ العتباتُ مزهرياتٍ،
كنَّا نرقصُ كسيجارةٍ بيدِ معتوهٍ
الآنَ …
بعدَ أنْ فقدَ الشَّارعُ خطاهُ وتعكَّزَ عليّْ،
أصبحَ الدُّخانُ فاكهةَ الأبناءِ
الآنَ،
أحملُ معي وهمَ الأسفلتِ،
أتخيَّلُهُ منقذاً لجدرانٍ منَ الصَّفيحِ،
يتوسلُها صغارٌ عراةٌ لتُصبحَ مدفأة.
ليسَ معتقدُنا التَّأرجحَ وأسفَ الشّرفاتِ،
كنَّا معاً نُشبهُ اليافعَ والشَّيخَ،
الصَّديقَ الآخرَ للخطِّ المستقيمِ
. نُقلعُ المساميرَ منَ الطرقاتِ ليعبرَ المتعبونَ.
نتوضأُ بخجلِ العذارى الفقيراتِ،
وهنَّ يبحثنَ في الدواليبِ عن ثوبٍ
غيرَ مثقوبٍ بالخيباتِ،
ليقابلن الحبيبَ بعيداً عن حرَّاسِ الملوكِ.
كنَّا نُصبحُ أجساداً مشعَّةً على أناملِهنَّ
وهي تُدعكُ أحذيةَ المترفينَ
لتلقمَ إخوتَها الصّغارِ خبزَ المستحيلِ.
الأن،
ستُّون مرَّتْ، ومازالَ طيفُ أمّي يزورُني في المنامِ،
خائفاً عليَّ من الشِّعرِ وتسلّقِ الكائناتِ.
كائناتٌ من جثثٍ يا أمّي،
تُجهضُ صوتَ المدينةِ.


