لم يكن الادب والقصة منه في حياته بعيدا عن البيئة التي يتنفس على عرصاتها ليكون تعبيرا عن أتراحها وأفراحها وصورة عن انكساراتها وانتصاراتها وصعودها إلى ذرى العز والتقدم. والنص المقاوم_شعرا ونثرا_خرج من رحم النكسات وحلكة الدمار والتخاذل والنظرة الاستعمارية الاستعلائية لتجريد الآخر من حقوقه الانسانية وطمس التراث الذي ينتمي اليه ليشطب بذاك على الحوار والتثاقف والندية في التعامل فكانت صرخة النص_شعرا ونثرا_النابع من الذات ملفوفة بالوعي والهوية لتكسر نير الاحتلال والاستعلاء وترسم شمس الحرية والحياة على سماء الارض والوطن.
هنا یبرز دور ادب الاطفال و من یکتب لهم، فالکاتب بمجال أدب الاطفال یحمل علی عاتقه مسؤولیة جسیمة تجاه الاطفال لکي ینمّي في نفوسهم حبّ الوطن والذود عنها ورفض من يتفرعن کما علیه ان ینشر بذور القیم الوطنیة في کیان الطفل. حتى يبقى صرح الوطن شامخا عزیزا لا تطال الیه ایادي الطامعین ومن یخطط خارج ثغور الوطن للنیل من سیادته واستغلال عقول ایناءه بغیة تحقیق ماربها الاستعماریة الحدیثة وما بعد الحديثة من خلال قطع صلاتهم بتراثهم و تاریخهم وجعلهم اناس منفعلین تجاه ما یعرضه لهم من افکار تسیر بهم نحو التبعیة غارسا فیهم حُبّ استهلاك ما تنتجه مصانعها و معاملها من السلع، و لا یخفی ان المجتمعات العربیة-الاسلامية مازالت تعاني ازمة الهویة في ظل حکوماتها الرجعیة القمعیة التي فتحت ابواب القلاع العربیة-الاسلامية لمستعمری الجُدد لتنخر هذا الاخیر جسد الامة سواء بالیاتها العسکریة ام بغزواتها الثقافیة و تفرغها من کل ما یربطه بتراثها و ثقافتها.
من یتصفّح المنجز السردي للادیب الکاتب جاسم محمد صالح فانّه سیلتقي بابواب من الثیمات القصصیة ما ان یطرقها حتی تتفتح امام ناظریه کمّا هائلا من المفاهیم والمضامین القیمیّة تتجلی حینا في قصص من عالم الحیوانات والنباتات وحینا آخر بثَوب شخصیات بشریّة فلا نجافي الحقیقة اذا قلنا ان الجانب التربوي یطغی علی هذه القصص اکثر من غیره وقد تنوعت موضوعات قصصه حسب مشاربه الثقافیة واتجاهاته الفکریة المختلفة وعلی راسها حرصه علی التمسک بالتراث والثقافة العربیة –الاسلامیة ونفخ روح الصمود والرفض فیما یسرده لهذه الفئه الغضّة التي ستعوّل علیها البلادُ في تطوراتها ومستقبلها.
وأما الصمود والرفض والكفاح في وجه المحتل الغاشم فها هي قصة « البطولة الخالدة» جاءت هذه الحکایة لتنمي في کیان الطفل البطولة التي تحیا بها نفوس ابناء الوطن و تذود عن حیاضه بعیدا عن عنتریات جوفاء لا تثمر عنها شیئ سوی شعارات علی لافتات هنا و هناك و حتی يستقطب الکاتب انتباه القارئ یخلق شخصیة قصصیة ترمز الی الرعب الا و هي ثعبان من ثعابین الطبیعة فتحرکها أنامل الکاتب علی الصفحة البیضاء نافخا فیها روح الخبث و المکر والخداع حیث ان هذه الشخصیة الخبیثة تعکّر صفو حیاة بلاد الاطفال بممارساتها العدوانیة و تبدّل خضل عیشهم و رغدته الی الدمار و الهلع و الماساة؛االّا ان بوصلة الاحداث تتجه نحو المقاومة المسلحة-ان صح ّ التعبیر- و لا نقصد هنا من المسلحة تلك التي تتبادر الی الاذهان من المدافع والرشاشات؛ حیث ان الکاتب یخلق شخصیة طفولیة تتسم بالشجاعة والتحّدي متخذة من السکینة اداة قتالیة في صراعها مع الثعبان فکان ان صرعه الطفل الشجاع بما ابداه من البسالة و بطعنات سکیّنه،
و بهذا خلّد اسمه و استحق ثناء ابناء جلدته .هناك نمط اسلوبي في قصص التي یسردها جاسم محمد صالح وهو هذا التوظیف الهادف لشخصیات تتخذ کیانها من الطبیعة کالثعبان والغراب والکلب و غیرها حیث انها اشتهرت بالفتك و الضراوة علی الاقل عند القارئ الصغیر الذی یتنفس اجواء الطفولة البریئة قد جاءت هذه الشخصیات لتمثّل بشاعة کلّ عدو غاشم یدنس تراب الوطن او الارض التي یحیا علیها المرء، فمن شأن هذا التوظیف ان یقرّب المعنی المجرّد –حب الوطن- الی ذهن الطفل من خلال شخصیات یتجاوب معها، فها هم ابطال حکایتنا هذه « الدّوریةُ الشُجاعَة» یعرفهم السردُ علی انهم یتدرّبون علی الفنون القتالیة لاستعدادهم لايّة طارئة قد تطرا فتتطلب الدفاع و الکفاح. القصة تدعو الی الوحدة والصبر و التکاتف عند الملمات و الکوارث وهذا ما یکشفه السردُ حین تحضر الکلاب الضاریة بالقرب من المعسکر-الذي یمثل الوطن- مما حدا بشجعان الدوریة ان یتخذوا تدابیر دفاعیة للذود عن المعسکر والکشافین فکان ان انتصرت الکشافة علی الکلاب و جعلتها تهرب من غیر رجعة . و جاسم محمىد صالح في قصته« أمّاه یا وطني»يمزج الخیالي بالواقعي لیکشف عن مکنونة نفس بطل القصة –سامح- فمنذ بدایة السرد نراه حائرا متنقلا من مکان الی مکان علّه یجد استفسارا لمجهول الذي تهفو الیه نفسه ویذهب عنه حیرة السؤال فلا یلبث ان تحرّك اناملُ خیال الکاتب الشخصیة القصصیة نحو الحمامة الرمادیة والنسر الابیض والفراشة البرتقالیة و السمکة الصغیرة بغیة تخفیف عن حیرة سامح فیجري حوارا شیّقا وهادفا بین سامح وبینها،ان هذه الحوارات تزید بطلنا حزنا والما فکلٌّ له عشّ آمنٌ یفزع الیه ویشعر فیه بالدفء والامان. في هذه الاجواء السوداویة تظهر الامّ کملجأ امن یفیض منه الحنان و لدفء لتحمل عن الطفل اعباء الحزن الذي اثقل کاهل بطلنا-الطفل- فتضعه الامّ باحضان الواقع المریر وآنا اخر تمنحه من نبع الامومة بصیص أمل یستبشر سامح منه واقعا جدیدا سیخلقه بصبره و الصمود والمقاومة، کما ان القصة تکشف عن شظف الحیاة التي یعیش ابناء فلسطین وعن نفوس لا تعرف الی الیاس دربا فتراها مفعمة بالتفاؤل متشبثة بتراب فلسطین مهبط الوحي والادیان السماویة فهي الأم والدفء و الأمان و قد عبر الکاتب عن هذا المعنی بذکر شجرة الزیتون و الحاح الوالدة الا يفارقها السامح.
وهذا كاتبنا “طلال حسن” في قصته الحمامة يصور للطفل عبر الشخصية المحورية اي الحمامة نماذج الرفض فتوظیف الحمامة في هذا النص له دلالاته فهي تشیر الی الوداعة والسلام واللاعنف وهي مشحونة بدلالات رمزیة تدل علی الخصب والحنان والعطف والبعث بمعناه الأسطوري ویبرهن علی هذا المعنی الأسطوري ما آلت الیه القصة فهي –الحمامة- تؤثر البقاء علی الفرار والعودة إلى العش فتتلقی رصاصة غدر الموت علی أنغام هدیل صغارها مبشرین بمیلاد حیاة جدیدة. قد مزج النص الواقعي بالخیالی کاشفا عن أزمات الأسرة الفلسطینیة أو أیة أسرة تعیش تحت وطأة العدوان وتوظیف الشخصیة الحیوانیة التي یمیل الیها الطفل أیما میل قد سهل علی النص هذه الوجهة فالطفل یجد في الطائر صنوه ویتأثر بما یقوم به من الأفعال علی مسرح الأحداث.
الحمامة-الأم- في هذا النص تتجرع مرارة الإنتظار والترقب والتوجس وعلی الرغم من سوداویة المشهد نلمس أن النص یترنح بین الیأس والأمل والحیاة والموت الی أن یمیل کفة النص الی الحیاة من خلال عودة الحمامة الی عش الحب والأمان لتفدي روحها شوقا لمیلاد صغارها. فهذه العودة تعید بذاکرتنا الی أساطیر الخصب وأسطورة تموز لیبث النص بهذه النهایة السعیدة –التي یغلب علی قصص الأطفال-روح الأمل والنضال في کیان الطفل عبر ما یردده صغار الحمامة من أغاني الحیاة علی عشها….کما تخلل المنهج التربوي في هذا النص بمناذج تعلیمیة وعلمیة بلغة الفقرة هي الأخری وظفت بوعي لتتماشی مع ما یرمي الیه النص ويستوعبها القارئ الصغير والناشيء.


