منذ انطلاق شرارة المواجهة المفتوحة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمحور الأمريكي – الصهيوني، بدت الضربات الإعلامية والدعائية التي تقودها واشنطن كجزءٍ من استراتيجية تهويل وحرب نفسية تستهدف الداخل الإيراني ومحور المقاومة. غير أن ما أفرزته الأحداث في الأسابيع الأولى من هذه الحرب، يشي بعكس ما روّج له الإعلام الأمريكي، بل إن ما جرى حتى الآن يصبُّ – من الناحية الواقعية والاستراتيجية – في صالح طهران لا ضدها.
أولًا: السياق العام للضربة الإعلامية
الضربة الأمريكية الأخيرة، التي جاءت عبر مسارات إعلامية وسيبرانية واستخباراتية، ركزت على تأليب الرأي العام العالمي ضد إيران، وإظهارها كـ”المعتدي” في الصراع، عبر الترويج لتقارير مضخّمة حول تهديد الملاحة الدولية، أو “استخدام إيران للفصائل” لضرب المصالح الغربية في المنطقة.
لكن المتابع للتحليلات الغربية نفسها، وخصوصًا ما صدر عن مراكز مثل Council on Foreign Relations أو Brookings Institution، يلاحظ أن هناك اعترافًا ضمنيًّا بفشل هذه الحملة في تحقيق أهدافها الميدانية أو النفسية. فالرأي العام الدولي بات أكثر وعيًا بعدم توازن الرواية الإعلامية الغربية، وتنامت مؤشرات التعاطف الشعبي، لا سيما في بلدان الجنوب العالمي، مع الموقف الإيراني الرافض للهيمنة الغربية.
ثانيًا: الأثر العكسي للضربة الإعلامية
بدلًا من إنهاك الداخل الإيراني، أو تشتيت جبهة المقاومة، تسببت الضربة الإعلامية الأمريكية بـ:
- منح الجمهورية الإسلامية مبررًا قانونيًا وأخلاقيًا للردّ، تحت مظلة “حق الدفاع المشروع” بحسب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، خاصة بعد تعرّض سيادتها لمحاولات خرق معلوماتي وتحريضي.
- كسب تعاطف جزء معتبر من الرأي العام العالمي، الذي رأى في خطاب الإدارة الأمريكية خطابًا مشوبًا بالازدواجية، لا سيما في تجاهلها لجرائم الاحتلال في غزة والضفة، في حين تُضخّم الردود الإيرانية المحدودة بوصفها “تهديدًا للاستقرار”.
- إعادة توحيد الداخل الإيراني، سياسيًا وشعبيًا، على قاعدة “مواجهة العدوان الخارجي”، في ظاهرة تكررت عبر التاريخ السياسي الإيراني، منذ انتصار الثورة وحتى اليوم، وهو ما أشار إليه الخبير الفرنسي في الشؤون الإيرانية Thierry Coville في كتابه “L’Iran: Une Puissance en Mouvement” (2016).
ثالثًا: ارتباك أمريكي – صهيوني واضح
بعيدًا عن لغة التصعيد، فإن السلوك السياسي والعسكري الأمريكي بعد الضربة يكشف ارتباكًا لافتًا:
- دعوات التهدئة المتكررة من واشنطن، سواء عبر القنوات القطرية أو العمانية أو العراقية، تشير إلى رغبة أمريكية في احتواء التصعيد، لا في خوض حرب شاملة.
- المخاوف الإسرائيلية الداخلية، حيث أظهرت الصحافة العبرية، ولا سيما صحيفة هآرتس، أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية تشهد أعلى درجات القلق منذ حرب تموز 2006، وأن القيادة العسكرية تستعد لـ “سيناريو الهشاشة”، بحسب تعبير جنرال الاحتياط “غادي آيزنكوت”.
- التصريحات المتضاربة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب – أو المرشحين الجمهوريين بعده – تعبّر عن حالة من التخبط، وعدم وجود استراتيجية موحدة تجاه إيران، بل إن أغلب التصريحات كانت تصب في خانة “الردع الكلامي” لا العملي.
رابعًا: مؤشرات ترجيح كفة إيران في ميزان الردع
بعد أقل من أسبوعين على بدء الحرب، اتضح أن الجمهورية الإسلامية قد حققت مكاسب استراتيجية دون أن تنزلق إلى مواجهة شاملة، ومن بين هذه المكاسب:
- القدرة على ضبط وتيرة الرد، وفق معادلة الردع: كل ضربة تُقابل برد محسوب، دون تفويت الفرصة للعدو لفتح جبهة مفتوحة.
- بروز تكتيك الحرب السيبرانية والنفسية المضادة، حيث أظهرت إيران قدرة عالية على كشف الحرب الناعمة وتحييد تأثيرها، من خلال تعبئة الداخل إعلاميًا ودينيًا وثقافيًا.
- انكشاف ضعف الجبهة الداخلية الصهيونية، وهو ما ستظهر نتائجه في المدى القريب، على شكل ضغط شعبي، هروب من الجبهة، اضطرابات اقتصادية ونفسية – خصوصًا مع استهداف العمق الاستراتيجي للكيان.
خامسًا: في انتظار تحول نوعي قادم
إن المؤشرات المتصاعدة تشير إلى أن الكيان الصهيوني مقبل على مرحلة تآكل داخلي تدريجي، قد لا يتجلى بانهيار شامل في المدى القريب، لكنه سيتعمق عبر:
- تنامي خطاب الرفض في أوساط النخب والشباب الإسرائيلي.
- تضاؤل ثقة الجمهور بالمؤسسة الأمنية والعسكرية.
- تصدع الثقة الأمريكية بالحليف الإسرائيلي الذي بات عبئًا أكثر منه رصيدًا.
وهنا يمكن استحضار العبارة الرمزية التي رددها الإمام الخامنئي:
“ليست الحرب ما يخشاه العدو، بل ثبات المؤمنين هو ما يرعبه.”
إن ما نشهده اليوم هو تحول تدريجي في ميزان القوى، حيث أصبحت الجمهورية الإسلامية أكثر حضورًا وفاعلية وتأثيرًا في معادلة الردع الإقليمي والدولي. أما الحملة الأمريكية – الإعلامية والنفسية – فقد جاءت بنتائج عكسية، بل وساهمت في شرعنة حق طهران بالرد، وتعزيز التفاف الشعوب من حولها.
ولا ريب أن الأيام القادمة ستُثبت أن “الفرج يولد من رحم التهويل”، وأن الخائف المرتبك لا يصنع نصرًا، بل يُعجل بزوال مشروعه العدواني


