شعب كردستان… حين انتصرت الإنسانية على كلِّ الحدود

شعب كردستان… حين انتصرت الإنسانية على كلِّ الحدود
جسّد أهالي حلبجة أسمى معاني الإنسانية بالبحث عن الطفلة رقية الكربلائية وتشييعها بوفاء كبير، مؤكدين وحدة العراقيين وتفوّق الرحمة والإخاء على الحدود القومية والسياسية...

المقدمة:

ليست كلُّ المواقف تُقاس بالكلمات، فبعضها يكتب نفسه في ضمير الشعوب وذاكرة الأوطان. وما فعله أهالي حلبجة في البحث عن الطفلة العراقية الغريقة رقية الكربلائية رحمها الله لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل ملحمة إنسانية عظيمة كشفت معدن شعبٍ كريمٍ يحمل في قلبه الرحمة والنبل والإخاء.

تسعة أيام متواصلة، وأهالي حلبجة يفتشون بين الصخور ومجاري الأنهار، يقلبون الحجر والمدر، تاركين أعمالهم ومشاغلهم، مدفوعين بنداء الإنسانية وحده، لا تجمعهم بالطفلة رابطة نسب أو قومية أو مصلحة، بل رابطة أسمى وأعمق: رابطة الإنسان بأخيه الإنسان.

حلبجة… مدينة الجراح التي صنعت درساً في الرحمة

لقد عرف العالم حلبجة مدينةً للشهادة والألم، لكنها اليوم قدمت نفسها مدينةً للرحمة والوفاء. رجالها ونساؤها، مدنيّوها وعسكريوها، وقفوا صفاً واحداً في مشهدٍ يفيض بالمحبة والتكافل، حتى بدا وكأن الطفلة رقية ابنة لكل بيتٍ كردي في حلبجة.

وحين عُثر عليها، لم يتعامل أهل المدينة مع الأمر بوصفه نهاية حادثة، بل بداية وفاء أخلاقي وإنساني نادر. فخرجت حلبجة كلها لتشييع الطفلة الصغيرة في موكب مهيب يليق بالملوك والرؤساء، تتقدمه الورود والدموع والدعوات، بينما اصطف المدنيون والعسكريون في مشهد منظم مهيب، وقلوبهم يملؤها الحزن والأسى.

لقد كان ذلك التشييع رسالة إلى العالم بأن الإنسانية الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، بل بالمواقف.

نوخشة ناصح… وجه الإنسانية المشرق

وفي قلب هذا المشهد الإنساني الرفيع، برز اسم محافظ حلبجة السيدة نوخشة ناصح بوصفها نموذجاً نادراً للمسؤول الذي جسّد معنى المسؤولية الأخلاقية والإنسانية.

لقد حضرت بين الناس، وشاركتهم مشاعرهم، وكانت قريبة من عائلة الطفلة ومن أبناء المدينة، حتى تحولت إلى رمزٍ للرحمة والإخاء، وأثبتت أن الإدارة الحقيقية ليست قرارات مكتبية جامدة، بل شعور حيّ بالناس وآلامهم.

إن موقفها هذا لم يكن موقفاً بروتوكولياً، بل أسّس لما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية المحافظات”، حيث تصنع المواقف النبيلة جسور المحبة بين المدن العراقية أكثر مما تصنعه المؤتمرات والخطابات السياسية.

فما فعلته حلبجة مع كربلاء قرّب القلوب، وأعاد التذكير بأن العراق، بعربه وكرده وتركمانه وسائر قومياته، شعب واحد تجمعه الأخوة والمصير المشترك.

الإنسانية فوق السياسة

لقد أثبتت هذه الحادثة أن الإنسانية أكبر من كل الانقسامات، وأن المحبة الصادقة قادرة على إسقاط الحواجز المصطنعة. ففي اللحظات الإنسانية الكبرى، تختفي العناوين الضيقة، ولا يبقى سوى القلب العراقي الواحد.

إن أهالي حلبجة، بهذا الموقف النبيل، لم يودعوا طفلةً فحسب، بل قدموا درساً أخلاقياً عظيماً للعالم كله، وأظهروا عظمة شعب كردستان وإنسانيته وسمو أخلاقه.

وما أحوج العراق اليوم إلى مثل هذه المواقف المضيئة التي توحد الشعب، وتعيد الثقة بين أبنائه، وتثبت أن التلاحم الشعبي أقوى من كل الخلافات السياسية.

دعوة لبقية المحافظات

إن هذه التجربة الإنسانية الراقية تستحق أن تُدرَّس وتُحتذى. ومن الواجب أن تستفيد منها بقية المحافظات العراقية، وأن تجعل الإنسانية فوق كل الاعتبارات السياسية والحزبية والقومية والطائفية.

فكل موقف نبيل يقرب العراقيين من بعضهم أكثر، وكل عمل إنساني صادق يزرع جسور الثقة والمحبة داخل الوطن.

لقد أثبتت حلبجة أن المدن العظيمة لا تُقاس بحجمها، بل بحجم قلوب أهلها.

الخاتمة:

شكراً لشعب كردستان العظيم… شكراً لأهالي حلبجة الذين أبكوا العراق بإنسانيتهم قبل دموعهم… وشكراً للمحافظ نوخشة ناصح التي قدمت صورة مشرقة للمسؤول القريب من شعبه، الحاضر في الميدان، المؤمن بأن الإنسانية هي أعلى مراتب القيادة.

ستبقى رقية الكربلائية شاهدةً على أن العراق، مهما عصفت به الأزمات، ما زال قادراً على إنجاب هذا القدر العظيم من الرحمة والمحبة والأخوّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *