من الثورة إلى الدولة: كيف اقترب الواقع من فكرة دافعتُ عنها طويلاً؟

من الثورة إلى الدولة كيف اقترب الواقع من فكرة دافعتُ عنها طويلاً؟
يمثل الانتقال من منطق الثورة الدائمة إلى عقل الدولة مساراً لحماية المصالح الوطنية، وتحويل الصمود إلى تنمية واستقرار، عبر تفاهم إيراني أمريكي قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة...

منذ سنوات طويلة كنت أدعو إلى تفاهم إيراني أمريكي يقوم على أساس المصالح الوطنية والمصالح المشتركة، لا على أساس الصراع المفتوح أو العداء الدائم. ولم يكن هذا الموقف شائعاً في الأوساط الإسلامية الثورية، بل كان يُقابل في كثير من الأحيان بالرفض الشديد، لأن الثقافة السياسية السائدة كانت ترى أن إقامة علاقة طبيعية مع الولايات المتحدة تمثل تراجعاً عن المبادئ الثورية أو انحرافاً عن مسار الثورة.

لكنني كنت أنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. فقد كنت أرى أن الثورات ليست غاية في ذاتها، وإنما هي مرحلة تاريخية لها وظائف محددة. وعندما تنجز الثورة أهدافها الأساسية، يصبح الانتقال إلى مرحلة الدولة ضرورة سياسية وتاريخية. والدولة لا تُدار بعقلية الثورة الدائمة، بل بعقلية المصالح الوطنية والأمن القومي والتنمية والاستقرار والعلاقات الدولية المتوازنة.

ولهذا كنت أستشهد دائماً بالتجربة الصينية. فالصين الشيوعية خاضت صراعات حادة مع الولايات المتحدة في مراحل سابقة، لكنها انتقلت منذ زيارة الرئيس الأمريكي  نيكسون Richard Nixon إلى الصين عام 1972 إلى مرحلة جديدة تقوم على العلاقات الطبيعية والتعاون الاقتصادي والمنافسة السلمية. ولم يؤدِّ ذلك إلى انهيار الصين أو تخليها عن مصالحها الوطنية، بل على العكس تماماً، فقد ساعدها على أن تصبح إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم.

وكان السؤال الذي أطرحه دائماً: لماذا لا تنتقل إيران بدورها من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة؟ ولماذا لا تبني علاقاتها الخارجية على أساس المصالح الوطنية الإيرانية، وعلى أساس الأمن والسلام والتعاون الدولي، بدلاً من إبقاء العلاقة مع الولايات المتحدة أسيرة منطق الصراع التاريخي المفتوح؟

اليوم، وبعد الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة، يبدو أن المنطقة تقف أمام لحظة مختلفة. فبغض النظر عن التقييمات المتباينة لنتائج الحرب، فإن الملاحظ أن كلا الطرفين خرج منها وهو يعتقد أنه حقق أهدافه الأساسية أو أنه لم يُهزم. وقد يبدو هذا الأمر متناقضاً للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يوفر مخرجاً سياسياً مهماً؛ لأن الشعور بالانتصار لدى الطرفين يقلل من عقدة الهزيمة ويُسهّل الانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات.

فالتاريخ يعلمنا أن التسويات الكبرى لا تأتي دائماً بعد انتصار ساحق لطرف وهزيمة ساحقة لطرف آخر، بل كثيراً ما تأتي بعد وصول المتنافسين إلى قناعة بأن كلفة الصراع أصبحت أعلى من فوائده، وأن التعاون أو التعايش أصبح أكثر نفعاً من المواجهة المستمرة.

ومن هنا أرى أن ما يجري اليوم قد يكون بداية انتقال إيران إلى مرحلة الدولة بصورة أوضح مما كان عليه الحال في العقود السابقة. وليس المقصود بذلك التخلي عن الاستقلال الوطني أو عن المصالح الاستراتيجية، بل إعادة تعريف هذه المصالح في إطار أكثر واقعية وأكثر انسجاماً مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

إن الدولة القوية ليست الدولة التي تكثر من خصوماتها، بل الدولة التي تعرف كيف تدير مصالحها. وليست الدولة الناجحة هي التي تبقى في حالة تعبئة ثورية دائمة، بل الدولة التي تستطيع تحويل منجزاتها السياسية والعسكرية إلى استقرار وتنمية وازدهار.

لقد كنت أدعو إلى هذا التحول منذ سنوات طويلة، حين كان كثيرون يرون فيه وهماً أو تنازلاً. أما اليوم فإن الوقائع نفسها تدفع المنطقة تدريجياً في الاتجاه ذاته. وربما لا تكون الطريق سهلة أو قصيرة، وربما تعترضها انتكاسات وعقبات كثيرة، لكن الاتجاه العام يبدو أوضح مما كان عليه في السابق.

ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن الانتقال من الثورة إلى الدولة ليس تراجعاً عن الثورة، بل هو نجاح لها. فالثورات تُقاس في النهاية بقدرتها على إنتاج دولة مستقرة وقادرة على خدمة مواطنيها والتفاعل الإيجابي مع العالم، لا بقدرتها على البقاء في حالة صراع دائم مع الآخرين.

ولعل أهم ما يمكن قوله اليوم هو أن السلام والتعاون الدولي ليسا نقيضاً للاستقلال الوطني، بل قد يكونان الطريق الأكثر فاعلية لحمايته وتعزيزه. ولذلك فإن أي تقدم في مسار التفاهم الإيراني الأمريكي، إذا بُني على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لن يكون مكسباً لإيران وحدها أو للولايات المتحدة وحدها، بل سيكون مكسباً للمنطقة بأسرها، وربما للعالم كله.

من منظور الفلسفة الحضارية، لا يُقاس نجاح الثورات والحروب بقدرتها على إطالة أمد الصراع، بل بقدرتها على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق البناء. فالصمود وسيلة وليس غاية، والنصر الحقيقي لا يتحقق في ميدان المعركة وحده، بل يتحقق عندما تتحول تضحيات الصراع إلى استقرار وتنمية وازدهار. ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام إيران اليوم ليس إثبات قدرتها على المقاومة، بل إثبات قدرتها على تحويل منجزات المقاومة إلى مشروع دولة ناجح يعيش في سلام مع نفسه ومع محيطه والعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *