العراق بعد “صلح الكبار”: تفكيك البنية المؤسساتية ومصير الشرعية السياسية

العراق بعد صلح الكبار تفكيك البنية المؤسساتية ومصير الشرعية السياسية
تستشرف الرؤية تحولات العراق بعد تفاهمات واشنطن وطهران، مؤكدة هشاشة منظومة المحاصصة والفساد، واحتمال انهيار شرعيتها مع الوصاية المالية، وتجفيف موارد الأحزاب، وتراجع الغطاء الشعبي والأمني عنها....

مقدمة الرؤية الاستشرافية

​تخضع الساحات السياسية الناشئة تاريخياً لمنطق الارتداد الجيوسياسي؛ إذ لا تعني تفاهمات القوى الكبرى إحلال الاستقرار بقدر ما تعني إعادة هندسة مجالات النفوذ وتصدير الأزمات البنيوية نحو البيئات الأكثر رخوة. إن استقراء مسار العلاقات الأمريكية-الإيرانية، وصولاً إلى ملامح الاتفاق الدبلوماسي الراهن، يستدعي مقاربة تفكيكية للداخل العراقي. فالمنظومة الحاكمة التي استندت منذ عام ألفين وثلاثة إلى عقلية المحاصصة واقتصاديات الفساد، تواجه اليوم أزمة وجودية حاسمة بعد أن استهلكت رصيدها الحمائي، وباتت عاجزة عن المقايضة بشعارات “صراع المحاور” لتبرير العجز المؤسساتي والتفريط في السيادة الوطنية.

​النواة الجيوسياسية: أبعاد الاتفاق وتحولات الردع الاستراتيجي

​تتجاوز المقاربة الموضوعية للاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران الاختزال الدعائي السائد، لتفكك التناقض البنيوي بين لغة الخطاب ومآلات الواقع الميداني؛ وهي الصياغة التي تتبناها الأدبيات السياسية لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب. إن النزوع نحو التلويح بالقدرات العسكرية الفائقة والبديل الأقصى يمثل بروتوكولاً تسويقياً موجهاً للاستهلاك الداخلي، بهدف تصوير الاتفاق كإنجاز أحادي بلا تكلفة سياسية. إلا أن القراءة العميقة للمشهد تثبت أن الملفات التقليدية الخاضعة للتفاوض طرأت عليها تحولات ميدانية جذرية بفعل المواجهات العسكرية المباشرة التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران؛ وهي الحرب التي أدت إلى تحويل حرية الملاحة في مضيق هرمز إلى ورقة ضغط كبرى ومباشرة بيد طهران لتهديد عصب الاقتصاد العالمي، لتُفرض هذه المعادلة الأمنية الجديدة كوثيقة أمر واقع استجدت على طاولة المفاوضات ولم تكن يوماً مدرجة في الاتفاقيات النووية السابقة.

​وفي المقابل، يشير الجلوس على طاولة المفاوضات الإقليمية إلى انكسار خيارات الحسم العسكري الفوري، وتحول ميزان القوى لصالح “استراتيجية المطاولة والنفس الطويل” التي أدارتها طهران لتثبيت شروط الندّية الإقليمية. وبموجب هذا التوازن، تخرج إيران بمكاسب بنيوية تشمل رفع الحظر المالي والاعتراف بدورها الجغرافي، مما يضع القوى المحلية التي راهنت على سحقها في حالة انكشاف سياسي. هذا المعطى يدفع الإدارة الأمريكية للبحث عن ساحات تعويضية لفرض “العلوية المطلقة”، وإعادة صياغة شروط الطاعة المؤسساتية في البيئات التي تمتلك فيها نفوذاً نقدياً وهيكلياً مباشراً، وفي مقدمتها الساحة العراقية.

​تساؤل الشارع السيادي: ماذا لو فُرضت “موازنة الوصاية النقدية الدولية”؟

​هنا يطرح الشارع العراقي التساؤل الأكثر خطورة وحسمًا، مستندًا إلى واقع جيومالي يدركه أبسط مواطن؛ وهو أن العوائد المادية ومبيعات النفط العراقي تذهب مباشرة إلى الحسابات الفيدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية: ماذا لو استغلت واشنطن تحكمها المطلق بهذه الخزائن، وقررت فرض موازنة خاصة بالعراق صاغتها عقول اقتصادية وسياسية أمريكية وعربية، لتكون موازنة مهنية، مفصلة تفصيلاً حقيقيًا، وواجبة التنفيذ تحت إشراف دولي كامل لا سلطة للحكومة العراقية عليه؟

​يبحث هذا التساؤل الشعبي في عمق البنية المالية للدولة؛ فماذا سيكون مصير الطبقة السياسية الحاكمة إذا تضمنت هذه الموازنة الدولية بنودًا تقص عروش امتيازاتها، وتشمل خفض الرواتب الفاحشة للسياسيين والوزراء والمستشارين الذين لم يقدموا أي خدمات تذكر للبلاد؟ وماذا لو وُجهت تريليونات النفط حصريًا وبإشراف دولي صارم نحو مشاريع البنى التحتية الحقيقية والمستشفيات والمدارس، لتتحول الحكومة العراقية إلى مجرد أداة تنفيذية تراعي الأوامر وتنفذ دون أي صلاحية للتلاعب بالأرقام أو تحريف الأبواب؟

​إن تحقق هذا التساؤل يعني الإنهاء العملي لشرعية النظام الحاكم؛ فحين تُنتزع ركيزة الاقتصاد من يد الأحزاب وتُدار بأيدٍ دولية تمنع السرقة وتفرض التنمية قسرًا، ستنكشف السلطة ككيان عاجز مشلول لا يملك من أمره شيئًا، ويسقط المبرر الأخير لوجودها أمام مجتمع يرى ثرواته تذهب لإعمار وطنه رغماً عن إرادة الفاسدين.

​تفكيك “شرعية الهوية”: ماذا لو تولت واشنطن البنية التحتية لقطاع التربية؟

​في قلب هذا الانكشاف، يطرح المواطن العراقي المحروم والمسلوبة حقوقه تساؤلاً جوهرياً يفكك “خطاب المظلومية الحمائي” الذي تتبناه القوى المهيمنة: ماذا لو قررت الولايات المتحدة، عبر أدواتها التنفيذية المباشرة، تشييد البنى التحتية التربوية والمدارس الحديثة في القرى والمحافظات الأكثر فقراً، ووفرت وسائل التعليم المتكاملة التي عجزت عن توفيرها الحكومات المتعاقبة؟

​هذا التساؤل الشعبي يعرّي النفاق الهيكلي للطبقة السياسية التي تتبجح بخدمة المجتمع وتتستر خلف الذرائع المذهبية. إن إنجاز البنية التحتية التربوية من قِبل طرف خارجي سيسقط الأقنعة العقائدية؛ فحين يرى المواطن المسحوق فجوة المقارنة بين وعود السلطة وإنجاز الواقع، ستفقد خطابات “الدفاع عن المذهب” مبرر وجودها، وتتحول الرموز التي اقتاتت على الشحن الطائفي إلى هياكل جوفاء أمام حقيقة تفريطها في أبسط الحقوق الإنسانية لأبناء جلدتها.

​أزمة الوظيفة الخدمية: ماذا لو حُصرت العقود الاستراتيجية بالشركات العالمية؟

​يتساءل الشارع العراقي المكتوي بأزمات الطاقة والخدمات: ماذا لو تجاوزت الإرادة الدولية المؤسسات المحلية الفاسدة، وتولت إدارة وتوقيع العقود الخدمية والاستراتيجية الكبرى حصرياً عبر شركاتها بعيداً عن سماسرة النفوذ الحزبي؟

​إن ردة الفعل المتوقعة للمنظومة الحاكمة ستكون الاستماتة في شيطنة هذه الخطوات تحت دعاوى “السيادة المستباحة”، واللجوء عبر أذرعها الميدانية لتعطيل المشاريع. لكن النتيجة الحتمية ستكون انهيار “الزبائنية السياسية”؛ فالأحزاب التي تأسست شرعيتها على مقايضة المواطن بالخدمات الأساسية والتعيينات مقابل صوته الانتخابي ستفقد أداة الابتزاز المالي والاجعي. نجاح هذا البديل المؤسساتي سيثبت للمجتمع أن ثنائية الحرمان والوفرة لم تكن أزمة موارد، بل خياراً سياسياً لترسيخ التجهيل والتبعية.

​تجفيف الموارد المالية: ماذا لو قُفلت خزائن المال الفيدرالي؟

​يطرح الإنسان العراقي تساؤلاً حول العصب المالي الذي يغذي أدوات القمع والهيمنة: ماذا لو فعلت واشنطن قيودها النقدية الصارمة، وقررت قفل حنفيات التدفق المالي عبر البنك الفيدرالي في وجوه النخب الحاكمة؟

​ستعيش الأحزاب حالة ذعر وجودي، وتحاول افتعال أزمات نقدية واجتماعية للضغط على القرار الدولي. إلا أن النتيجة الحتمية للمشهد تؤكد أن هذه الكيانات تعاني من “براتية نفعية”؛ فهي لا تمتلك قواعد عقائدية نقية، بل ترتبط ديمومتها بالقدرة على التمويل. وبمجرد تجفيف شريان المال السياسي المنهوب، سيتوقف نبض الماكينات الإعلامية والجيوش الإلكترونية، وينفضّ المنتفعون والمحاسيب، لتدخل المنظومة في طور الموت السريري فور عجزها عن تلبية الالتزامات المالية لشبكاتها النفعية.

​حتمية العزل والتغيير الهيكلي: ماذا لو رُفعت الحصانة عن الرؤوس الفاسدة؟

​يتطلع المجتمع المسحوق نحو معادلة العدالة الغائبة متسائلًا: ماذا لو قضت الترتيبات الدولية بعزل واعتقال الرؤوس السياسية المتورطة في نهب المقدرات وهدر الدماء، وإحلال منظومة تكنوقراطية مستقلة لتدبير المرحلة؟

​لن يتحرك الشارع للدفاع عن جلاديه، بل سيسود المشهد الارتياح والتشفي العادل، in حين ستحاول القواعد المستفيدة إثارة الفوضى الأمنية تحت شعارات طائفية. غير أن المزاج الشعبي سينتقل سريعاً نحو “الاختبار البراغماتي الحذر” للمنظومة البديلة، ليقيس أهليتها بمقدار ما تحققه من أمن وكرامة. وفي هذه اللحظة، ستجد القوى التقليدية نفسها أمام حتمية تاريخية: إما الإذعان التام للأمر الواقع وتغيير جلودها للقبول بدور وظيفي هامشي، أو الانكفاء كجماعات متمردة معزولة تقاتل في المربعات الضيقة من أجل البقاء.

​تفكيك الحواضن الأمنية: هل تدافع المؤسسة العسكرية عن العروش الحزبية؟

​يسأل المواطن العراقي وهو يشاهد استعراضات السلاح المنفلت: هل ستقف الأجهزة الأمنية والعسكرية لحماية هذه الطبقة إذا حانت لحظة الانكسار الاستراتيجي، أم سيتكرر درس التاريخ لعام ألفين وثلاثة؟

​يحمل هذا التساؤل إجابته من طبيعة العقيدة المؤسساتية الفردية؛ فالمنتسب والضابط الصغير هما ابنا هذا المجتمع المحروم، ويريان التمايز الطبقي والفساد الذي تمارسه القيادات الحزبية. إن الجندي يرى نفسه موظفاً لحماية الدولة لا فدائياً لحماية سلطة سياسية مستهلكة. والنتيجة الاستشرافية تؤكد أنه عند أول تحول حاسم، ستنحاز المؤسسات الأمنية الرسمية لحفظ النظام العام وحماية رتبها، وتترك الأحزاب مكشوفة الظهر؛ وحينها سيهرب القادة الكبار مستعينين بجنسياتهم البديلة وثرواتهم المهربة، تاركين أدواتهم الميدانية لمواجهة مصيرها المحتوم.

​التساؤل الوجودي: من يملك المصدات الشعبية للحفاظ على بقائكم؟

​يختم الشارع العراقي تساؤلاته بالالتفات إلى هذه النخب الحاكمة: هل تعتقدون أن شعباً أُبيحت دماؤه، وعاش الفقر وسط تريليونات الهدر، وضاعت حقوقه السيادية رغماً عن إرادته، مستعد لمنحكم طوق النجاة؟

​النتيجة الاستشرافية تقطع بوجود حالة من العزلة والقطيعة التامة بين المجتمع والسلطة؛ فالجمهور سيتخذ موقف المتفرج الصامت تجاه زوال منظومة لم يمتلك معها يوماً عقداً اجتماعياً حقيقياً. وحتى تلك الفئات التي ترفع شعارات الولاء الراهن، فإن ارتباطها نفعي ومؤقت، سينهار ويتلاشى بمجرد انقطاع العطايا المالية، لتواجه الأحزاب مصيرها التاريخي وحيدة بلا غطاء اجتماعي أو أخلاقي.

​خاتمة الرؤية الاستشرافية

​تخلص هذه القراءة الاستشرافية إلى قاعدة بنيوية في علم النظم السياسية: إن الأنظمة التي تبتلع الدولة لصالح الكيانات الحزبية، وتبني بقاءها على حساب كرامة شعوبها وسلب حقوقها، هي هياكل هشة تسقط فور إعادة ترتيب مصالح القوى العظمى. إن “صلح الكبار” بين واشنطن وطهران سيعيد إنتاج السلوك الدولي داخل الساحة العراقية عبر أدوات الوصاية المالية والتنفيذية المستجدة، والتي فرضت فيها المواجهات أوراق ضغط غير مسبوقة كمعادلة مضيق هرمز الاقتصادية. وحين ترفع عواصم النفوذ غطاءها الإقليمي وتُقفل الخزائن الفيدرالية، وتتحقق التنمية الخدمية والتربوية المستقلة، وتُفرض موازنة قسرية تسحق امتيازات الفساد وتصادر الصلاحيات النقدية، ستجد الأحزاب الحاكمة نفسها في مهب الريح؛ بلا مال، وبلا عقيدة أمنية تحميها، وبلا شعب يرتضي التضحية من أجلها، لتطوى هذه الحقبة كصفحة عابرة في تاريخ العراق، ويبقى الوطن شاهداً على أن العروش التي تُبنى على حرمان الشعوب هي عروش من رمل تبددها أول عاصفة جيوسياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *