حين تتحول الجغرافيا إلى ساحة مقامرة دولية، لا تعود الخرائط مجرد خطوط مرسومة، بل تصبح مصائر شعوب، ومفاتيح حرب وسلام، وأوراق ضغط تتقاذفها القوى الكبرى وفق ميزان المصالح لا ميزان العدالة. وما يجري اليوم في محيط البحر الأحمر، وعلى تخوم مضيق باب المندب، ليس حدثًا عابرًا، بل تجلٍّ واضح لصراع الإرادات الذي يتخفى أحيانًا بثوب الدبلوماسية، ويظهر أحيانًا أخرى بوجه القوة الصريحة.
إن الحديث عن تحركات إسرائيل في مناطق حساسة، كالتقارب مع أرض الصومال، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يتصل بإعادة تشكيل النفوذ في الممرات البحرية العالمية. فهذه الممرات لم تعد مجرد طرق للتجارة، بل تحولت إلى شرايين تتحكم بإيقاع الاقتصاد الدولي، ومن يضع يده على هذه الشرايين يمتلك القدرة على الضغط، وربما الابتزاز، دون أن يطلق رصاصة واحدة.
لكن الإشكالية لا تكمن فقط في الفعل، بل في ردود الفعل، أو بالأحرى في غيابها. فالعالم، الذي يفترض أن تحكمه قواعد القانون الدولي، يبدو في كثير من الأحيان عاجزًا عن فرض هذه القواعد حين تتعارض مع مصالح القوى النافذة. هنا يبرز السؤال الجوهري: هل القانون الدولي منظومة ملزمة للجميع، أم أداة تُفعَّل حينًا وتُعطَّل حينًا آخر؟
إن ميثاق الأمم المتحدة واضح في تأكيده على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهو ما يجعل أي محاولة للاعتراف بكيانات انفصالية دون توافق دولي موضع شك قانوني وأخلاقي. ومع ذلك، نشهد كيف يمكن لهذا المبدأ أن يُفسَّر بمرونة مفرطة عندما تتدخل الحسابات السياسية، فتغدو السيادة مفهومًا نسبيًا، يُقاس بميزان القوة لا بميزان الحق.
وفي المقابل، فإن الدول الإقليمية، ومنها الصومال، تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على سيادتها في ظل تداخل المصالح الدولية، وتحوّل أراضيها إلى ساحات تنافس؟ إن الردود الغاضبة أو القرارات التصعيدية قد تعكس موقفًا مشروعًا، لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشة النظام الدولي، الذي لم يعد قادرًا على احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد خلاف سياسي، بل اختبار حقيقي لفكرة “النظام الدولي” برمّتها. فإما أن يبقى هذا النظام قائمًا على قواعد تُحترم، أو يتحول إلى ساحة مفتوحة للمغامرات السياسية، حيث تفرض الدول القوية وقائع جديدة، ثم يُطلب من الآخرين التكيف معها.
وفي خضم هذا المشهد، تصبح الجغرافيا العربية والإفريقية، مرة أخرى، ساحة لتصفية الحسابات، بدل أن تكون فضاءً للتكامل والتنمية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين تتحول المواقع الاستراتيجية من نعمة إلى نقمة، ومن فرصة للنهوض إلى سبب للاشتباك.
إن العالم لا يحتاج اليوم إلى مزيد من المغامرات، بل إلى قدر أكبر من الحكمة. فالتاريخ علمنا أن اللعب بخطوط الجغرافيا قد يحقق مكاسب آنية، لكنه غالبًا ما يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. وبين حسابات الربح والخسارة، تبقى الحقيقة الأهم أن استقرار الشعوب لا ينبغي إلا أن يكون ورقة في لعبة الأمم، بل أساسًا تُبنى عليه شرعية السياسات، وميزانًا يُقاس به صدق النوايا وعدالة القرارات، وإلا فإن كل انتصار مرحلي قد يتحول إلى بذرة صراع دائم لا تحمد عقباه.


