السيقان الفقهية والجذور المغيبة: قراءة في الأبوة العلمية للإمام جعفر الصادق والمذاهب الأربعة

السيقان الفقهية والجذور المغيبة قراءة في الأبوة العلمية للإمام جعفر الصادق والمذاهب الأربعة
تؤكد الرؤية أن مدرسة الإمام جعفر الصادق تمثل الجذر العلمي للمذاهب الفقهية، وتدعو إلى إنصاف دور آل البيت في حفظ العلم النبوي، ورفض التسييس والإقصاء والطعن بالجذور مع تقديس الفروع...

يشهد الفضاء الفكري الإسلامي المعاصر تدفقاً متسارعاً لمدونات ومنشورات تسعى، عن جهل تاريخي أو تسييس ممنهج، إلى عزل السيقان الفقهية المتأخرة عن جذورها الضاربة في عمق الصدر الأول من تاريخ الرسالة. إن المحاولة الدؤوبة لتصوير المذاهب الفقهية الأربعة التي تلقتها الأمة بالقبول والتبجيل ككيانات معرفية مستقلة نبتت من الفراغ، يعكس خللاً بنيوياً في قراءة مسارات التدوين والأمانة العلمية. والأشد خطراً في هذا الطرح ليس غياب الوعي التوثيقي فحسب، بل تعمد استبعاد “المدرسة الأم” التي تفرعت منها هذه المذاهب، وهي مدرسة آل البيت الأطهار ممثلة في الإمام جعفر بن محمد الصادق، مما يشي بمآرب إيدلوجية إقصائية تروم بناء جدران مصطنعة تخدم تمزيق الهوية المشتركة ونكران فضل رجالات العلم الأوائل.

​إن تفكيك الدوافع الخفية وراء هذا الإقصاء العلمي المعاصر يفرض عودة صادقة إلى “العلّة السياسية الأولى” التي نشأت في صدر الإسلام، وتحديداً عند الاتكاء على المقولة التاريخية: “كرهت قريش أن تكون النبوة والخلافة في بيت واحد”. وهنا تتبدى المواجهة الصارخة بين المشيئة الإلهية والأهواء البشرية؛ فالأمور التي أنزلها الله سبحانه وتعالى وجعلها وحياً وتشريعاً وتعييناً ليست بيد قريش ولا خاضعة لأمزجتها وقبليتها، فليس لكراهية قريش أن تُنحي نصاً إلهياً، وليس لحبها ورضاها أن يصنع قبولاً ربانياً. لقد حاولت الحسابات السياسية المبكرة الالتفاف على التعيين النبوي بذريعة التوازن القبلي، متناسية أن الإمامة والعلم هما اختيار رباني خالص لا دخل للتوازنات البشرية فيه. هذا الجِذر السياسي القائم على محاولة إقصاء آل البيت عن مقامهم الشرعي، هو الذي تمدد عبر القرون ليتحول من نزاع على السلطة في عهد الخلفاء والأمراء، إلى إقصاء وتغييب لمدرستهم العلمية على يد الكتّاب والمؤرخين لاحقاً لإظهار المذاهب اللاحقة وكأنها الأصل بلا ركائز سابقة.

​ومع كل محاولات التغييب هذه، يقتضي التأصيل المعرفي الحصيف الإقرار بأن الفقه والأصول الإسلامية لا تولد في أروقة السياسة، ولا تكتسب شرعيتها من المراسيم السلطانية أو إمارات الغلبة والقهر، بل هي دراية مبنية على وحي معصوم نزل على الرسول الأكرم ﷺ، وجعل له قنوات شرعية مأمونة لحفظ السنّة من التشويه والأهواء. وحين قرر النبي ﷺ القاعدة المعرفية الحاكمة بقوله “أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتِ الباب”، فقد رسم خارطة طريق إلزامية تؤكد أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هو الممر الشرعي للعلوم النبوية، وأن أي تجاوز لهذا الباب والقفز فوق أسوار المدينة مستعيناً بقنوات الحكم أو الفتاوى المقطوعة، هو تسوّر غير شرعي على العلم ينتج فقهاً مشوهاً يفتقر إلى الركائز الحقيقية والاتصال الوثيق بالمنبع الإلهي.

​من هذا المعين النقي، انبثقت مدرسة الإمام جعفر الصادق في المدينة المنورة لتكون الجامعة العلمية الكبرى والأساس الذي انطلقت منه بقية المدارس الفقهية في الحجاز والعراق؛ إذ لم تكن أستاذية الصادق للأئمة مجرد معاصرة زمنية عابرة، بل كانت تتلمذاً حقيقياً مباشراً تشرّف به أكابر الأئمة. فهذا إمام مدرسة الرأي أبو حنيفة النعمان يجالس الإمام الصادق ويناظره بالمدينة، ويسجل اعترافه الأصولي الخالد الذي يقطع دابر الجحود والنكران بقوله “لولا السنتان لهلك النعمان”، وقوله “ما رأيت أفقَه من جعفر بن محمد”. وفي ذات المحضر العلمي، كان إمام دار الهجرة مالك بن أنس يختلف بانتظام إلى مجلس الإمام الصادق ويوثق حديثه وعلمه في كتابه (الموطأ)، واصفاً جلاله وعبادته بقوله “لقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صائماً، وإما يقرأ القرآن”. ومن هذا المزيج المعرفي الراسخ الذي حمله أبو حنيفة ومالك، نهل الشافعي وأحمد بن حنبل صياغاتهم الفقهية والأصولية عبر أسانيد وسلاسل ذهبية ترجع في عمقها إلى فقه آل البيت والباب الشرعي لمدينة العلم.

​إن التناقض المعرفي والمرارة الكبرى في واقعنا المعاصر تتبدى في قلب الموازين والمفاهيم؛ حيث يعمد بعض المدونين والكتاب إلى إخفاء وغض الطرف عن هذه الجذور الحقيقية بهدف عزل المذهب الجعفري وتطويقه، بل ومحاولة تبديعه وتكفيره في آن واحد مع تقديس المذاهب الأربعة التي انتهلت منه، في سياق متهافت لا يقبله عقل أو منطق، إذ كيف يُطعن في الجِذر وتُقدس السيقان؟ والأدهى من ذلك، أن المنصف الذي يعيد الأمور إلى نصابها ويذكر حقائق التلقي العلمي الموثقة يُرشق بتهم الطائفية والبطلان والخروج عن الملة، بينما يُتوج الجاحد للأصل والمستبعد للأم بوشاح العقلانية والنزاهة والاتزان. إن إخفاء دور مدرسة الإمام جعفر الصادق هو تهديم ذاتي لعراقة المذاهب الأربعة وحرمان لها من حبلها السري المتصل ببيت النبوة، فالاعتراف بالمنبع والمؤسس الحقيقي ليس انحيازاً مذهبياً، بل هو أولى عتبات الأمانة الفكرية والإنصاف التاريخي لإعادة بناء الوعي الإسلامي بعيداً عن أهواء التسييس والتجهيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *