تشييع المرجع الولي الخامنئي في العراق
يحمل تشييع المرجع الولي الخامنئي في العراق دلالات دينية وإنسانية وسياسية واستراتيجية كثيرة.
ومن المقرر أن تجري مراسم تشييع الجثمان الطاهر يوم الأربعاء المقبل.
وقد ظهرت أبعاد عدة قبل انطلاق المراسم نفسها.
وأصبحت هذه الأبعاد منظورة ومحسوسة لدى المتابعين.
كما يستطيع كل صاحب بصيرة أن يلمس حقيقتها وآثارها.
أولاً: البعد الكاشف
كشف التشييع حقيقة مواقف كثير من السياسيين المحسوبين على شيعة العراق.
فقد انشغل بعضهم عن حضور مراسم الوداع والنظرة الأخيرة.
وجرت تلك المراسم يوم الجمعة في مصلى طهران الكبير.
وكان المؤمل أن يظهر هؤلاء قدراً من المروءة والوفاء.
كما كان مطلوباً منهم تجاوز الخوف والحسابات السياسية الضيقة.
لكن امتناعهم عن الحضور كشف طبيعة مواقفهم أمام الجمهور.
ومن هنا، أصبح التشييع اختباراً للمواقف قبل أن يكون مراسم وداع.
ثانياً: البعد الإنساني
كشف هذا البعد طبيعة التلاحم الفطري بين الشعبين الإيراني والعراقي.
ولا تقوم هذه العلاقة على قرارات الأحزاب السياسية وحدها.
بل تستند إلى روابط دينية واجتماعية وتاريخية عميقة.
وقد حاولت بعض القوى العراقية الخاضعة للتأثير الأمريكي إضعاف هذه الروابط.
كما دفعت عقد سياسية وشخصية بعض القيادات إلى الابتعاد عن إيران.
وحاولت تلك القوى منع أي موقف يقرب الشعبين.
لكن التشييع أعاد تأكيد حقيقة العلاقة بينهما.
كما رسخ عملياً المقولة المعروفة: إيران والعراق لا يمكن الفراق.
ثالثاً: البعد التنظيمي
كشف التشييع عن قدرة عراقية شعبية عالية في التعبئة والتنظيم.
ومن المتوقع أن تسهم هذه القدرة في نجاح المراسم التاريخية.
كما يرجح أن تظهر المراسم بصورة تليق بحجم الحدث.
وسيحدث ذلك رغم ارتفاع درجات الحرارة وصعوبة الظروف المناخية.
ولا يبدو هذا الأمر غريباً على الشعب العراقي.
فهو ينظم زيارة أربعينية الإمام الحسين عليه السلام سنوياً.
وتستقبل الزيارة أكثر من عشرين مليون شخص، وفق البيانات الرسمية.
ولهذا، يملك العراقيون خبرة واسعة في إدارة الحشود الكبرى.
كما يملكون قدرات شعبية وخدمية وتنظيمية أثبتت حضورها مراراً.
رابعاً: البعد الاستراتيجي
تعرض الشيعة لضربات قاسية خلال الأعوام الأخيرة.
وبدأت مرحلة مؤلمة باستشهاد الحاج قاسم سليماني في الثالث من يناير 2020.
ثم جاء استشهاد السيد حسن نصر الله في السابع والعشرين من سبتمبر 2024.
وانتهت هذه السلسلة باستشهاد المرجع الولي السيد الخامنئي رضوان الله عليه.
ولو تعرضت أمة أخرى لهذه الضربات، ربما فقدت قدرتها على الاستمرار.
لكن هذا التشييع جاء ليؤكد بقاء أمة المقاومة والممانعة.
كما يعيد طرح مفهوم وحدة الساحات بصورة جديدة.
فالوحدة لم تعد مرتبطة بالمواجهة العسكرية والسياسية فقط.
بل امتدت أيضاً إلى مراسم التشييع والوداع الجماهيري.
وحدة الساحات في التشييع
يحتاج تشييع بهذا الحجم إلى تنسيق عالٍ وإمكانات دولة واسعة.
ومع ذلك، ظهر الاستعداد الشعبي العراقي بصورة واضحة.
ويؤكد ذلك أن أمة المقاومة ما زالت باقية وممتدة.
كما يثبت استمرار اتصالها من إيران إلى العراق ولبنان.
ومن هنا، يحمل التشييع رسالة استراتيجية إلى الخصوم والحلفاء.
فالضربات لم تنه المشروع، ولم تفكك بنيته الاجتماعية والعقائدية.
بل أظهرت الحشود قدرة هذه الأمة على استعادة تماسكها.
خامساً: البعد الوحدوي
عمل أعداء العراق والإسلام على الفصل بين العراق وإيران.
كما شارك عملاؤهم داخل العراق في هذه المحاولات.
واستهدفت مشاريع الفصل الملفات السياسية والقانونية والدينية.
كذلك حاولت فصل الحوزة العلمية والمرجعية عن الامتداد الإيراني.
لكن هذا التشييع حطم جانباً كبيراً من تلك المحاولات.
فقد استعد العراقيون بالملايين للمشاركة في تشييع مرجع إيراني.
ويحدث ذلك رغم أنه لم يزر العراق منذ عقود.
فشل مشروع الفصل
تؤكد المشاركة الجماهيرية أن العلاقات لا تحددها الزيارات الرسمية فقط.
فقد يستمر الارتباط عبر الأفكار والعقيدة والمواقف التاريخية.
كما يستطيع الرمز أن يحضر في الوجدان دون وجود جسدي مباشر.
ومن هنا، كشف التشييع قوة الروابط بين المجالين العراقي والإيراني.
كما أثبت أن محاولات الفصل لم تحقق أهدافها كاملة.
فالجمهور أعاد وصل ما حاول الخصوم قطعه.
سادساً: تأصيل الوفاء العراقي
أكد التشييع صفة الوفاء المتجذرة في الشعب العراقي.
وقد عُرف العراقيون تاريخياً بالوفاء للأبطال والمضحين والشجعان.
وتظهر هذه الصفة بوضوح لدى الموالين لأهل البيت عليهم السلام.
كما لا تتأثر بسهولة بحملات التشويه والاستعداء الإعلامي.
وقد قادت أجهزة أمريكية وإسرائيلية حملات واسعة ضد إيران وقيادتها.
كما شاركت أدوات إعلامية وسياسية محلية في هذه الحملات.
لكن الاستعداد الجماهيري للتشييع كشف محدودية تأثيرها.
الوفاء أمام حملات التشويه
لا ينظر العراقيون إلى الوفاء باعتباره موقفاً سياسياً مؤقتاً.
بل يرونه قيمة أخلاقية واجتماعية أصيلة.
ولهذا، يحفظون مواقف من ساندهم خلال المراحل الصعبة.
كما يكرمون من ضحى دفاعاً عن قضاياهم ومقدساتهم.
ومن هنا، يصبح التشييع تعبيراً عن ذاكرة شعبية حية.
كما يتحول إلى رد اجتماعي على حملات التشويه الطويلة.
سابعاً: الرسالة إلى الخصوم
يحمل التشييع رسالة قوية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا.
ويصف أصحاب هذا الخطاب هذه الدول بالثالوث المسؤول عن استهداف المنطقة.
كما يرون أن المشاركة العراقية الواسعة تمثل صفعة سياسية ومعنوية لهذا المحور.
فاغتيال مرجع في إيران يترك أثراً مباشراً في النجف والعراق.
وهذا يؤكد وحدة الشعور والمصير داخل المجال الشيعي.
كما يجعل المشاركة في التشييع واجباً تاريخياً عند كثير من المؤمنين.
إغاظة الخصوم وتثبيت الموقف
يرى مؤيدو التشييع أن إغاظة واشنطن وتل أبيب تضيف إليه قيمة سياسية.
كما يربطون ذلك بمواقف دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو.
فالحشود الواسعة تنفي تصورهم عن ضعف العلاقة بين العراق وإيران.
كما تؤكد أن اغتيال القادة لا ينهي حضورهم الشعبي.
ومن هنا، يتحول التشييع إلى موقف تاريخي معلن.
كما يصبح أداة لتثبيت هوية المقاومة أمام الخصوم.
تشييع يتجاوز المراسم
لا تتوقف دلالات هذا الحدث عند الأبعاد السبعة المذكورة.
فهناك أبعاد أخرى ستظهر مع بدء المراسم واتساع المشاركة.
وقد يكون هذا التشييع الأكبر منذ قرابة أربعة عقود.
كما قد يمثل نقطة تحول في الحضور الشعبي لمحور المقاومة.
فالمشهد يجمع البعد الديني بالبعد السياسي.
كما يجمع التنظيم الشعبي بالرسالة الإقليمية.
بين الحزن وإعادة بناء القوة
يبدأ التشييع من الحزن، لكنه لا ينتهي عنده.
فالحشود تستطيع تحويل الفقد إلى قوة معنوية جديدة.
كما تستطيع إعادة بناء الثقة بعد سلسلة من الضربات.
ويظهر ذلك من خلال التنسيق والتعبئة والالتفاف الشعبي.
ومن هنا، يحمل الحدث معنى الاستمرار بعد الغياب.
كما يعلن أن المشروع لا يرتبط بحياة قائد واحد.
خاتمة: دلالات تتجاوز الجنازة
في المحصلة، يحمل تشييع المرجع الولي الخامنئي في العراق دلالات متعددة.
فهو يكشف المواقف السياسية، ويؤكد التلاحم الإنساني بين الشعبين.
كما يظهر القدرة التنظيمية للشعب العراقي.
ويثبت استمرار البعد الاستراتيجي لمحور المقاومة.
كذلك يعزز الوحدة، ويرسخ صفة الوفاء العراقية.
وفي الوقت نفسه، يوجه رسالة واضحة إلى الخصوم الدوليين والإقليميين.
ولهذا، لا يبدو الحدث مجرد تشييع لجثمان طاهر.
بل يمثل موقفاً دينياً وشعبياً واستراتيجياً واسع التأثير.
وقد تحمل الأيام المقبلة مزيداً من الدلالات والانتصارات، بإذن الله تعالى.


