إلى رئيس الوزراء علي الزيدي؛ حين يقرأ القائد الزمن… لا يُخدع

إلى رئيس الوزراء علي الزيدي؛ حين يقرأ القائد الزمن… لا يُخدع
يؤكد النص أن فهم التاريخ وامتلاك عناصر القوة والوعي الاستراتيجي أساس لصنع القرار، وأن الثقة دون توازن قوة مخاطرة، فيما يمنح الجمع بين الإرادة والإدارة الحكيمة قدرة على الصمود وتحويل التحديات إلى فرص...

ليس كل من عاش التاريخ فهمه، وليس كل من شهد الوقائع أدرك قوانينها الخفية.

فالتاريخ لا يكتبه الأقوياء فقط، بل ينجو منه أيضًا من أحسن قراءته.

ومن يقرأ الزمن بمستوياته الثلاثة؛الماضي بما يحمل من دروس،

والحاضر بما فيه من موازين، والمستقبل بما يُتوقع من تحولات،

يصبح أقل عرضة للخديعة، وأقدر على حماية قراره من الانزلاق نحو الهاوية.

لقد علّمنا التاريخ مرارًا أن الثقة المجردة، حين لا تسندها قوة، تتحول إلى مخاطرة كبرى.

فالدول لا تُدار بالعواطف، بل بمصالح متغيرة، وبموازين قوى لا تعرف الثبات. وحين يسلّم طرف ما أوراق قوته اعتمادًا على وعود خصمه،

فإنه لا يغامر بمستقبله فقط، بل يضع نفسه داخل معادلة غير متكافئة.

في تجارب معاصرة، رأينا كيف أن بعض الأنظمة اختارت مسار التهدئة الكاملة، وقدّمت تنازلات استراتيجية أملاً في طيّ صفحة الصراع وفتح أبواب جديدة مع القوى الكبرى.

لكن هذه الخطوات، رغم ما حملته من نوايا، لم تضمن دائمًا استقرارًا طويل الأمد،

لأن البيئة الدولية لا تُبنى على التعهدات وحدها، بل على القدرة المستمرة على فرض التوازن.

في المقابل، هناك نماذج أخرى اختارت طريقًا مختلفًا، يقوم على الاحتفاظ بعناصر القوة، وعدم التعويل الكامل على الضمانات الخارجية.

هذا النهج لم يكن خاليًا من التحديات، بل كلّف تلك الدول سنوات من الضغوط والعقوبات، لكنه في الوقت نفسه منحها قدرة تفاوضية أعلى،

وجعلها طرفًا يُحسب له حساب في أي معادلة.

المفارقة هنا ليست في “من كان على حق مطلقًا”، بل في أن معادلة القوة والوعي هي التي تحدد موقع الدولة في النظام الدولي.

فالقوة لا تعني فقط السلاح، بل تشمل وحدة الداخل، والاقتصاد، والقدرة على الصبر، والوضوح في الرؤية.

والوعي لا يعني الشك الدائم، بل يعني قراءة نوايا الآخرين ضمن سياق المصالح، لا ضمن حسن الظن وحده.

لقد أثبتت تجارب متعددة أن الإرادة السياسية حين تقترن برؤية استراتيجية، يمكنها أن تعوّض فارق الإمكانات.

فليست العِدّة والعدد وحدهما ما يصنع التفوق، بل القدرة على إدارة الموارد، واستثمار الزمن، وتحويل الضغوط إلى فرص.

وهذا ما جعل بعض الدول، رغم محدودية إمكاناتها مقارنة بخصومها، قادرة على الصمود، بل وفرض حضورها.

والدرس الأعمق هنا لا يخص دولة بعينها، بل هو قانون عام:

أن من لا يملك عناصر قوته، يضطر إلى استعارتها… ومن يستعير قوته، يفقد قراره.

إن الإيمان بالعقيدة، والثقة بالمبدأ، يمنحان الإنسان — كما الدولة — طاقة صمود هائلة، لكن هذه الطاقة تحتاج إلى عقل يُديرها، لا إلى اندفاع يُبددها.

فالإرادة تصنع المستحيل، نعم، لكنها تحتاج إلى وعي يُوجّهها، وإلى أدوات تحميها من أن تتحول إلى مجرد شعار.

ولعلّ الخلاصة التي يمكن أن تُكتب بحروف واضحة:

أن التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، ولا يكافئ من يقرأه بسطحية.

وأن الثقة في عالم السياسة لا تُمنح، بل تُبنى… ولا تُبنى إلا على توازن.

أما الذين يصمدون، ويتمسكون بعقيدتهم و ويجمعون بين الإيمان والوعي و فهم وحدهم القادرون على تحويل المحن إلى قوة، والتحديات إلى فرص.

هؤلاء لا يخافون من المستقبل… لأنهم تعلّموا كيف يقرأون الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *