ترسانة المفاجآت الإيرانية
رغم مستوى الاختراق الأمني الصادم الذي تعرضت له طهران –وهو أمر يثير استغرابي كمراقب- لكن لا أحد يعرف على وجه التحديد حجم السلاح الذي تمتلكه إيران، ولا نوعه، لأن إيران بدأت بالتفكير الجدي بمرحلة تصنيع الأسلحة منذ نهاية الثمانينيات، واستوعبت درس معركة حرب الخليج الأولى التي كان التفوق التسليحي فيها الى جانب العراق. فاستمرت في تجاربها الهادئة لأن الأضواء كانت مسلطة على دول أخرى، وحاولت بناء ترسانتها العسكرية حسب إمكاناتها حتى فوجئ العالم بأنها قطعت اشواطاً في برنامج نووي خاص بها، وطورت إمكاناتها التصنيعية والمعرفية (تقول بعض التقديرات ان هناك أكثر من 30 ألف عالم نووي إيراني) كما تقدمت في ميدان التسلح على أغلب دول المنطقة التي انشغلت بالترفيه وعمارات الزجاج وكرة القدم.
يصعب على المراقبين تقدير قوة إيران بدقة، فهي لم تُظهر ما لديها، وكانت تتعامل سابقاً مع التحدي الإسرائيلي بمنطق الرسائل المبطنة، والصبر الاستراتيجي، والضربات المحسوبة التي دفعت البعض لإطلاق تسمية (الصواريخ الدبلوماسية) على الضربات الإيرانية السابقة، لأنها كانت تستخدم الحرب كوسيلة تفاوض.
لكن حين فلتت الأمور في التصعيد الأخير وأصبحت الحرب مفتوحة قد يستخدم الإيرانيون أسلحة جديدة غير مألوفة بطرق غير مألوفة. ومن الواضح ان الجنرالات الإيرانيين يغيّرون التكتيكات القتالية ويستخدمون أساليب مختلفة طوال ساعات المعركة، فهم يبدلون كل يوم من أيام المواجهة شكل العرض ونوعية الصواريخ المستعملة، ويستخدمون أسلوب التصعيد المدروس في محاولة للحفاظ على مستوى معين من القتال.
وهناك معادلة ارشادية يمكن ان تقودنا الى فهم مختلف للأمر: فاذا كان حلفاء إيران في اليمن (حركة انصار الله) يستطيعون إطلاق مُسيرات وصواريخ فرط صوتية على إسرائيل، ويعيقون حركة الملاحة في البحر الاحمر، ويضربون مصافي النفط في الخليج وهم غير مضطرين لذلك، فماذا يمكن ان تستخدم إيران نفسها إذا كانت مضطرة؟
يضاف الى ذلك ان إيران دولة مصنعة للصواريخ والطائرات المسيرة، وكلف انتاجها قليلة مقارنة بمنظومات الاعتراض الاسرائيلية باهظة الثمن عالية التقنية. حيث تقول بعض التقديرات ان كلفة صاروخ باتريوت المستخدم لإسقاط الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية تتراوح بين 4 الى 5 مليون دولار بينما لا تكلف الطائرة المُسيّرة سوى بضعة آلاف من الدولارات. ما يعني ان تأثير اسقاط الصواريخ وهي في الجو قد يكون أحياناً أكبر من كلفة الاضرار التي تحدثها إذا سقطت.
معلومة: (هذه الحرب حسب مصادر إسرائيلية تكلف الكيان اللقيط يوميا مليار شيكل، ولأول مرة يتوقف النشاط الاقتصادي بشكل كامل بهذه الطريقة في كل تاريخ الكيان اللقيط)
على هذا الأساس يمكن لإيران ان تستمر الى ما لانهاية بإرسال أي قطعة حديد قادرة على الطيران من اجل استنزاف إسرائيل ومنظومتها الدفاعية، التي ستواجه ذات يوم نفاد صواريخ الاعتراض، عندها تصبح سماؤها مكشوفة.
الأمر الآخر هو ان الإيرانيين تعرضوا لصدمة نفسية قوية باغتيال قادتهم. وبعد اتضاح ابعاد الخرق الأمني الذي تعرض له أمنهم الداخلي سيسعون جاهدين لتحقيق انتصار معنوي يعادل كفة ما خسروه، وعامل الوقت وانتظار لفرصة المناسبة سيكون عاملاً مهماً
الأمر المهم الآخر هو ان ما يجري الآن قد يدفع إيران لتسريع انتاج القنبلة النووية إذا ما شعرت بالتهديد الوجودي وهذا ما يزيد من قوة ترسانة المفاجآت. يضاف الى كل ذلك مفاجآت أخرى تتعلق بإغلاق مضيق هرمز او تدخل حلفاء إيران، او إجراءات أخرى قد يضطر لها الإيرانيون إذا ما تم الضغط عليهم أكثر.
كل هذه عوامل يلعب الوقت عاملا مهماً فيها. لذلك سيستمر الإيرانيون في المواجهة ان لم يحصلوا على التسوية التي تناسبهم. فالترسانة الإيرانية الحافلة بالمفاجآت ستشجع الإيرانيين على الاستمرار.
سأختم هذا المقال بهذا الخبر الذي نقلته قناة الجزيرة قناة صحيفة هآرتس الإسرائيلية، يقول الخبر إن موانئ إسرائيل تشهد ظاهرة دفع مئات الإسرائيليين الاف الدولارات من اجل الوصول الى قبرص عبر الزوارق!
خلاصة: مفاجآت إيران كثيرة وما تستطيع تحمله، لا تتحمله إسرائيل.


