4-خمسة عوامل ستجعل الإيرانيين يواصلون الحرب

4-خمسة عوامل ستجعل الإيرانيين يواصلون الحرب
يرى الكاتب أن إيران اختارت الحرب بدل التفاوض من موقع الضعف، رافضةً الشروط الأميركية-الإسرائيلية لتفكيك برنامجها النووي والصاروخي. هي تريد التفاوض بشروطها، بعد تحسين موقعها الميداني. استمرار الحرب مرهون بمبادرة حوار واقعية، وإلا فإن المنطقة مُقبلة على كارثة طويلة الأمد....

حسابات المفاوضات

أنْ تفاوض وأنت قوي يختلف عن أن تفاوض وأنت منكسر، والإسرائيليون والامريكيون خططوا لإضعاف موقف إيران التفاوضي في الملف النووي، فقد كان مقرراً ان يجتمع الإيرانيون والامريكيون يوم الاحد الماضي لاتخاذ قرار بشأن البرنامج النووي الإيراني. لذلك جاءت الضربة الإسرائيلية (يوم السبت) لإحراج الإيرانيين وادخالهم الى المفاوضات وهم تحت ضغط الحاجة لأي حل متوفر عبر المفاوضات من اجل وقف الحرب. لكن الإيرانيين فعلوا عكس ما هو متوقع منهم تماماً وقاموا بقصف إسرائيل رداً على العدوان الذي تعرضوا له، كما قرروا وقف التفاوض وعدم الإذعان للرؤية الامريكية للإدارة الازمة.

كانت هناك رؤيتان في البداية، فترامب كان يريد القضاء على البرنامج النووي الإيراني ولم يكن معنياً بالنظام، بينما كان نتنياهو يريد القضاء على إيران كدولة! وعقلية التاجر الذي يحملها ترامب وجدت في الضربة الإسرائيلية الأولى فرصة لتحقيق نصر تفاوضي دون حساب للعوامل التي لا يدركها منطق التجارة. والإسرائيليون وجدوا في تلك الضربة فرصة ينتظرونها ويعدون لها منذ وقت طويل للانتقام من خصم قديم شغلهم لفترة طويلة بمعارك مع (ححزب ااالله وحمااس وأانصار الله)، لذلك عدّوا توجيه ضربة لإيران ذروة معركتهم المستمرة منذ فترة طويلة، فاستغلوا تعثر مفاوضات الملف النووي ليقوموا بهجومهم.

هناك أمر هام يتعلق بالخانق الذي وُضع به الإيرانيون، فقد وضعوا بين خيارين احلاهما مُر. فالشروط التي وضعها الامريكيون في مفاوضاتهم مع الإيرانيين كانت تقضي بالتخلص التام من المشروع النووي والصواريخ الباليستية الإيرانية بعيدة المدى. هنا يجد صانع القرار الايراني نفسه امام خيار التخلي عن سلاحه الضارب ومصدر قوته عبر المفاوضات، او استخدام ذلك السلاح في الدفاع عن نفسه وايقاع الأذى بخصمه.

الخيار الثاني يبدو أكثر انسجاماً مع منطق الايرانيين. فأن تموت في منازلة أفضل من ان تُنحر وانت جالس لا تفعل شيئاً. وأن تخسر سلاحك في معركة أفضل من يُصادر امام عينيك. فالحرب والمفاوضات كلاهما يسعيان لتجريد إيران من مصادر قوتها. لذلك كان خيار الحرب خياراً عملياً أكثر من (الإذعان) و(الاستسلام غير المشروط) و(التسليم الفوري) وهذه تعابير استخدمها ترامب في وصف ما يريده من إيران!

كأن الايرانيين يريدون القول ان اردتم صواريخنا فتفضلوا سندمرها فوق رؤوسكم، ولن نمنحها لكم مجاناً، ومن يريدها فليعترضها في الجو إذا استطاع.

هذا التفكير الذي يعتمد على المطاولة والحرب المفتوحة أمر مرعب بالنسبة للكيان، فقد قامت عقيدتها القتالية منذ نشوئها على سرعة الحسم، وفي كل معاركها تكتفي إسرائيل بالاستخدام المفرط للقوة العسكرية دون رادع أخلاقي، ثم تترك المسائل الدبلوماسية وترتيبات الوضع النهائي لداعميها الدوليين الكبار. وخصوصاً أمريكا التي تنظف المكان وراءها دائماً. لكن في هذه المعركة على اسرائيل ان تواجه ملفات معقدة وظروفاً تحتاج الى وقت طويل لا تملكه مع وجود الإصرار الإيراني على المواجهة ووجود احتمالات بتطور جغرافيا الصراع، ونفاد مخزونها من صواريخ الاعتراض ومنظومات الباتريوت التي لن تكفي الا لأيام. يضاف الى ذلك استمرار الخسائر المالية كبيرة نتيجة للتوقف التام لاقتصادها إضافة الى الكلفة الهائلة لهذه الحرب لذلك يُرجح بعض الخبراء ان إسرائيل لوحدها لن تستطيع الاستمرار بهذه المواجهة لو استمرت اسبوعاً آخر. وهذه سر الحاح نتنياهو على اشراك أمريكا في الحرب، وربما هو نفسه سر تقليل إيران لعدد الصواريخ التي تطلقها على إسرائيل كأنها تراهن على عامل الزمن.

الإيرانيون من جانبهم لم يرفضوا المفاوضات لكنهم لا يريدون دخولها وهم في موقف ضعف، ولا يريدون ان يخسروا عبر المفاوضات ما يستطيعون الحفاظ على بعضه عبر الحرب. لذا يجب ان يكون السلام أكثر ربحية من الحرب بالنسبة لهم. فهم لا يريدون تكرار تجربة برنامج صدام حسين الباليستي والبايلوجي عندما وصل مفتشو الأمم المتحدة الى غرفة النوم الخاصة به، لكن ذلك لم يمنع في النهاية من ضرب صدام واسقاطه. ولا يريدون تكرار تجربة القذافي الذي لم ينفعه تسليم برنامجه النووي.

ومن الواضح ان الإيرانيين يريدون التفاوض بشروطهم لا بشروط ترامب ولا بشروط نتنياهو، وهذه القناعة لن تسمح لهم بإيقاف الحرب قبل ان يتمكنوا من تحسين موقفهم التفاوضي لدرجةٍ تعوضهم عما خسروه. اذن لن يتراجع الإيرانيون، الا في حالتين الأولى هي مبادرة حوار يعترف الآخرون خلالها بمنح طهران ميزات تفاوضية معقولة. والثانية هي المسير حتى نهاية الشوط وشن حرب عالمية على إيران تغير التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والبيئة وهذا يعني كارثة حقيقية يمكن ان تحل بالمنطقة لعقود.

خلاصة: هناك مخاطر كارثية تهدد المنطقة بأكملها إذا استمرت الحرب. ويجب ان يكون هناك حل سياسي سريع دون املاءات مسبقة، ويجب تفعيل مبادرات إقليمية ودولية عاجلة لوقف هذه الحرب المجنونة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *