ليس وحده ميزان القوى العسكرية الذي تغيّر في عصر التقنية الرقمية وتكنلوجيا السلاح ، ثمّة مفاهيم أخرى تغيّرت او يُراد لها ان تتغير كالقيادة والثقافة والعقيدة والتراث والحضارة ، اسهم التطور التقني المتسارع في إحداثها بوصول المال والعلم الى تعاون مشترك بإدارة سياسية استثمارية عالمية تنظر الى العالم بعين المصلحة المادية والسيادية ، فمن يمتلك التكنلوجيا يمتلك القوة ، والقوة هنا هي قوة القرار المستند الى ثنائية سوق المال وتقنية السلاح ، فصارت سرعة التطور العلمي في مجالات التقنية وتطبيقات الذكاء الإصطناعي هي مصدر القوة التي يحكم بها النظام السياسي العالمي الجديد ، بل ويتحكّم من خلالها في فرض موازين ومعايير لقوى تخدم استمرارية التحكم بالعالم ، فالثقافة مثلاً لم تعد تعمل الا من خلال الاستثمار الثقافي ، حيث ان الثقافة التي لا تخدم اهداف النظام العالمي الجديد لا سوق لها ، وكذلك ، فإن الأيديولوجيا التي لا تخدم اهداف النظام العالمي الجديد ، لا مكان لها . من هنا جاء تسارع أحداث العالم بإتجاه انجاز مشروع شرق أوسط جديد في المنطقة الجغرافية التي تضم عالمنا العربي وايران وتركيا ، فكانت احداث المنطقة التي نتج عنها تغييرات في أنظمة حكم وأنظمة إدارة هنا وهناك ، ومن ذلك انطلقت القنبلة الذكية الامريكية باتجاه إيران في وقت كانت هناك مفاوضات قائمة بين القيادتين لم تصل الى نهاية سلبية بعد . لست عسكرياً ولا سياسياً ، لكن معايشتي للواقع كباحث انثروبولوجي حملتني على البحث في ما ورائيات هذه التطورات والأزمات . يبدو لي انْ ثمة ما هو أبعد مما نقلته الينا التصريحات الامريكية بشأن النووي الإيراني ، وإغتيال قيادات إيرانية ، والسعي وراء تغيير نظام الحكم .
ارتبط ظهور عبارة : الشرق الأوسط الجديد ، بظروف الحرب ، ففي عهد الرئيس الأمريكي (جورج دبليو بوش) ، وصفت وزيرة الخارجية (كونداليزا رايز) ما الحقته إسرائيل من دمار في لبنان في 2006م ، بأنه مخاض عسير لولادة شرق أوسط جديد . وكتب (شمعون بيريز) كتاباً في 1993م حمل العنوان نفسه . وذكر الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) غير مرّة هذه العبارة في أجواء الحرب التي اعلنتها أمريكا وإسرائيل على ايران . يُفهم من هذا السياق ان لعبارة الشرق الأوسط الجديد أبعاداً سياسية وعسكرية واقتصادية ، غير إني اضيف اليها بعداً إنثروبولوجياً .
بربط أحداث المنطقة الأخيرة التي كان أفجعها وأوجعها إغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية في ايران السيد علي خامنئي ، بما مرّت به البلاد العربية من أحداث وخصوصاً في العراق ، حيث لم يسفر دخول القوات الامريكية عن ( حياة افضل ) كما تمنت وتبنت القيادة الامريكية في 2003م.. وبربط ما حصل في أمريكا من احداث رافقت انتشار وباء كورونا ، بما تلاها من تظاهرات جماهيرية عقب مقتل المواطن الأمريكي ( فلويد) على يد أفراد الشرطة ، والفض القسري لإعتصامات طلبة في جامعات أمريكية ضد الحرب الإسرائيلية على ( غزة ) في فلسطين ، ثم التظاهرات المناهضة للحرب ضد ايران ولبنان .. وبربط ذلك بما آل اليه حال المجتمع العراقي في العقدين المنصرمين ، والأوضاع الإنسانية المتردّية في سوريا ولبنان واليمن والسودان ، يبدو لي ان هدف مشروع الشرق الأوسط الجديد لا يقتصر على فرض التفوق العسكري الأمريكي ، ولا على الهيمنة الاقتصادية العالمية ، ولا على سيادة القرار السياسي الأمريكي . بل يتعدّاه الى ما بعد إنسانية الانسان .. الى تفريغ شخصية المواطن في المنطقة من محتواها الأخلاقي الإسلامي الإنساني الحضاري ، ذلك المحتوى الذي جسدّه المرشد الإيراني الراحل ومن معه ، تجسيداً لافتاً في زمان يتسابق فيه كثيرون الى شراء اسهم في البورصة الأمريكية الإسرائيلية .
لعل في تهديد ( ترامب ) بمحو الحضارة الإيرانية عبر استهداف مواقع ثقافية لها أهميتها في تكوين هوية المواطن الإيراني ، ما يكشف عن هذا الهدف غير المعلن ربّما . وبرغم ان هذا التهديد قوبل بانتقادات كثيرة حادّة ، يبقى بالنسبة للباحث في علم الانسان له دلالته ومعناه . فأنا أرى ان مشروع الشرق الأوسط الجديد ، لا يقف عند تمكين إسرائيل من إدارة المنطقة بما فيها ايران في حدود سنة 2027م كما أوضحت مصادر إعلامية ومراكز خبرية . بل يتعداه الى إعادة تشكيل هوية الفرد والمجتمع في المنطقة بما يسمح للنظام العالمي بالتحكم بمحتواها ، يدلل على ذلك ، تعاظم حجم المشاكل الاجتماعية والنفسية والشخصية الكثيرة في العالم العربي جرّاء استخدام التقنية الرقمية وتطبيقاتها الذكية بما تحتويه من تقنيات تحكّم ومن برامج تزييف للحقائق .
وحيث ان مفهوم القيادة له حضوره المهم جداً في الفكر الإسلامي منذ ان جسّد نبي الرحمة محمد صلى الله عليه واله دور القيادة تجسيداً عملياً في المجتمع تمكّن من خلاله من النهوض بواقع حياة مجتمع القرن الهجري الأول والمضي به وصولاً الى حضارة شرقية عظيمة ، هي الأقرب تاريخياً الى ما نعيشه اليوم من حضارة غربية يراها مفكرون تعيش ايامها الأخيرة ، حيث ظهرت تساؤلات عن نهاية الغرب ، من قبيل : غداً من سيحكم العالم ؟ وهو عنوان كتاب للمفكر الفرنسي ( جاك أتالي ) ، وكتاب ( نهاية الغرب ؟ نحو عالم الغد ) لمؤلفه المؤرخ الروماني ( لوسيان بويا ) 2018م ، وكتاب ( موت الغرب ) لمؤلفه السياسي الامريكي ( باتريك بوكانان ) ، وغيرها من الكتب والبحوث والمقالات والدراسات التي ترى ان هناك قلقاً ثقافياً عالمياً كبيراً بشأن ظهور علاقة عكسية بين تطور اتمتة السلاح وتراجع انسنة السلام في السياسات الخارجية للقوى الكبرى في العالم وانعكاسات ذلك على إنسانية الانسان .
في سنة 2015م صدرت طبعة عربية لكتاب ( إسحق نقاش ) أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة برانديز الامريكية عنوانه ( الوصول الى السلطة … الشيعة في العالم العربي المعاصر) – تعريب مختار الاسدي . يستنتج الباحث بعد عشر سنوات قضاها في إعداد الكتاب ، ان صعود الشيعة في بلد مثل العراق يمكن ان يشكّل شرق أوسط جديد بالمفهوم الإسلامي الذي يدعو الى التعايش والتسامح .
ويرى ان مستقبل القرار في العالم العربي سيصنعه الشيعة برغم ما يشكلونه من نسبة سكانية قليلة نسبة الى باقي سكان المنطقة ..
أثرت واقعة الطف موضوعة القيادة في الفكر الإسلامي المعاصر بعدما جسّد الإمام الحسين مفهوم القيادة تجسيداً بلغ حداً من التضحية من اجل انسانية الانسان لم يسجل التاريخ نظيراً له . لذلك كان نصيب هذا المفهوم كبيراً في تكوين ثقافة النخبة والثقافة الشعبية ، وتعمّق هذا التعلّق بمفهوم القيادة في المجتمع العراقي بعد ان فشلت النظم السياسية لأكثر من عقدين منذ بداية القرن الواحد والعشرين ، في تحقيق انموذج مشابه ولو بشكل بسيط لما كان عليه سيد الشهداء عليه السلام ، لذا جاء تفاعل المجتمع العراقي مع القضية الإيرانية بدافع الاقتداء بنموذج قيادي معاصر نجح في شخص القائد علي خامنئي في إحياء المشروع الحسيني في النهضة ، وهو يواجه العدوان الأمريكي الاسرائيلي بـ ( مثلي لا يبايع مثله ) ، لذا لا يأتي تشييع جثمان القائد الشهيد علي خامنئي في العراق لاعتبارات دينية ، او لانفعالات مذهبية ، كما يراه بعضهم ، بقدر ما يأتي لإعتبارات تتعلق برؤية مستقبلية مرتبطة بتطلع وتعطش الشخصية العراقية الى إنموذح قيادي معاصر يترجم معاني واقعة الطف الى ابعد من مجرد طقوس للطبخ واللطم ولمجالس العزاء ، في مجتمع يكاد ينهار من فرط ما اساءت اليه نظم القيادة والإدارة الفاشلة لأكثر من عشرين سنة منذ بداية القرن الواحد والعشرين .
تدرك الأنظمة الفاشلة في العراق هذا التطلع والتعطش في الشخصية العراقية ، كما تدرك أمريكا وإسرائيل ذلك ، ويدرك جميعهم خطر تحقق ذلك على النظام العالمي الجديد ، لذا اقتضى بقاء الفاشلين في السلطة في العراق مغازلة الثقافة الشعبية عبر مشاركة المسؤول الفاشل في مسيرة الأربعين واقامته مجلساً للعزاء يوم العاشر من محرّم ، وتبرّعه بالمال لدعم المواكب الحسينية وتوفيره الحماية الأمنية اللازمة لإنجاح مراسيم الزيارة . واقليمياً كان لا بدّ من منع وقمع أي محاولة لتكرار التجربة الإيرانية في المنطقة تجنباً لإقامة دولة لها عنوان ( مثلي لا يبايع مثله) ، وقيادة تضع الاستشهاد مشروعاً لإحياء أمة كما حصل في شخص القائد الشهيد علي خامنئي ، لأن ذلك يضر بمشروع النظام العالمي في شرق أوسط جديد . مشروع ما بعد الإنسانية ، حيث التطبيع والتسليع هما محورا حياة الناس .
في حربها ضد أمريكا وإسرائيل ، نجحت ايران قبل وبعد استشهاد السيد علي خامنئي ، في تشريع مفهوم للقيادة قائم على ثنائية الإيمان والانسان .. مفهوم يحمل مضمون النهضة الحسينية بمشروع ثقافي معاصر يضمن نجاح تطبيقه على ارض الواقع ، برغم تغير الأزمنة وتغير أدوات العصر .. لذا لا يأتي التفاعل مع القضية الإيرانية بدوافع مذهبية او جغرافية او سياسية ، بل هو تفاعل بدافع الحاجة الضرورية الملحة في الشخصية العربية عموماً والشخصية العراقية بشكل خاص الى إيجاد منطقة مشتركة بين ما تحمله من موروث حضاري إسلامي ثري ، وبين ما تراه من ضرورة حياتية معاصرة في التعايش والانفتاح على العالم من أجل بلوغ المستقبل بإمكانات ثقافية تؤهلها لصناعة وعيها الذاتي الذي يحفظ لها هويتها الإنسانية في عصر الآلات الذكية . من هنا تكتسب القضية الإيرانية بعداً انثروبولوجياً واسعاً يشمل كامل المنطقة ، وسيسجل التاريخ ان تشييع السيد علي خامنئي كان تشريعاً انسانياً اخلاقياً إسلامياً حضارياً لمفهوم القيادة في عصر القنبلة الذكية.


