انه منعطف جديد من منعطفات السياسة العراقية التي بدا الإنهاك واضحاً عليها خلال الأزمة الإقليمية الأخيرة. بل بدت خارج اللحظة في بعض الأوقات وغير قادرة على التعامل مع معطياتها التي تشي بتحولات دولية كبيرة ستنعكس بالضرورة على العراق.
نحن الآن أمام منطق صراع بين نمط تقليدي يرفض مغادرة المشهد، وواقع سُنَنِي يضغط باتجاه التغيير في ظرف معقد داخلياً وإقليميا ودولياً. وهنا يأتي تكليف السيد علي فالح الزيدي برئاسة الوزراء ليضع الجميع أمام كومة أسئلة.
فهل نحن أمام (رجل المرحلة) الذي يؤشر وجوده الى تغير في مزاج نظام الحكم والبدء بتغيير جيلي وتراجع للحرس القديم؟ أم أن ما جرى هو تكتيك للتواري وانصياع للضغوط الدولية وإشارة الى المرونة والانحناء للعاصفة؟ أم نحن أمام طوق نجاة مالي وطاقة تنفس عراقية لنظامٍ إقليمي يواجه تحدي البقاء، أم هي حالة إعياء سياسي داخلي وقبول بالمتيسر، أم نحن أمام مجرد (مُحلِل) سياسي –من الحلال وليس من التحليل- لاستيعاب حالة الانسداد السياسي والضواغط الدستورية؟
في هذا المقال رؤيتان تنظران للزيدي من زاويتين مختلفتين كل منهما تحاول موّضعةَ الزيدي في سياق يمكن فهمه.
الرؤية الأولى تتعلق بمنعطف الفرص الذي يمثله الزيدي.
من الواضح أن قبول الزيدي أو عدم قبوله ينطلق من كونه خياراً مثالياً، أو حاجة حقيقية، بل لكونه الخيار الأكثر واقعية لتفكيك حالة الانسداد القائم، وانطلاقا من تلك الواقعية يجب التعاطي مع عدم وجود الخلفية السياسية الكافية كميزة له لا مثلبة عليه، لأنه قادم من خارج المؤسسة الحزبية والعسكرية في تجربة نادرة في تاريخ العراق الذي يأتي الرؤساء فيه من المؤسستين العسكرية والحزبية حصراً. وهما المؤسستان الأكثر ضخاً واستهلاكا للأوهام والنكسات. وربما هي المرة الأولى التي يأتي بها رئيس من قطاع الأعمال، مما يمنحه مرونة في التعامل مع الملفات الحساسة دون الخضوع لقيود الولاءات الضيقة، والمواقف المسبقة مما (قد) يعزز من فهمه لاحتياجات المواطن. وهذا مؤشر إيجابي لإمكانية تحول عقل النظام من الشعاراتية الى لغة الأرقام والحقائق.
الأمر الآخر هو أن القادة التقليديين يعانون من فوبيا التاريخ ومرارات الماضي وضغوط الايديولوجيا، بينما يبدو الزيدي منقطعاً –حسب ما هو متاح من معلومات عنه- عن هذه العقد الأيديولوجية، انه رجل بلا خصومات تقريباً، ولا يوجد بينه وبين الآخرين سوابق أو تقاطعات أو تاريخ من المناكفة والضغائن تنعكس على الأداء السياسي، فيبدو الرجل متحرراً نسبياً من قيود تصفية الحسابات التاريخية التي تنعكس على الدولة.
كما أن قدرة الزيدي على بناء ثروة كبيرة وتحقيقه لنجاح استثماري لافت في فترة قصيرة، وفي ظل نظام معقد كالنظام العراقي الذي تتداخل فيه السياسة والبندقية والدين والدولار والإعلام، تشير إلى شطارة الرجل ومهارته. فنجاحه في بناء هذه الثروة ليس مجرد دليل على الثراء والقوة المالية، بل هو (شهادة كفاءة!) في فهم ميكانيزمات الاقتصاد العراقي و(زواغيره)، وفهم طريقة عمل ماكنة النظام وكيفية تحريك تروسه والنفاذ من ثقوبه وتدوير زواياه الحادة من أجل تحقيق المكاسب. وهذا فهم تفصيلي يحتاجه كل من يدير بلداً يحترق بأزمات القوت اليومي والبطالة والحاجة الى نمط جديد من الحلول الاقتصادية. رغم اني لست من محبي إدارة المجتمعات عبر الآلة الحاسبة فقط.
هناك أيضا حالة غربة اجتماعية عن منطق النخبة، فالعراق اليوم بلد محكوم بمعادلة لافتة، فحين يكون 75% من الشعب تحت سن الأربعين، بينما لا تتجاوز نسبة الجيل الذي يدير النظام 3%، فإن تكليف الزيدي هنا يتجاوز شخص الزيدي نفسه ليكون محاولة لردم فجوة تواصل هائلة بين الأجيال، فرجل الأعمال الشاب لا يتحدث لغة الثوريات المستهلكة والقطعيات والينبغيات، بل لغة الإدارة والأرقام والتكنلوجيا والعلم التي يفهمها جيل الشباب أكثر من جيل الحروب الوَسَطي الذي يتحكم بعقل الدولة الآن. كما ان ادارته لعدد من الاستثمارات في قطاع التعليم العالي (جامعة الشعب ومعهد طبي) هو دليل على اهتمامه بالتعليم وقوته في بلد يعاني من نسب أمية وجهل مخيفة. كما أن تخصصه الأكاديمي وخبرته العملية في القطاع المصرفي تمنحانه رؤية لواقع الاقتصاد وحركة المال في بلاد التي لا تثق بقطاعها المصرفي مما يعرقل الكثير من الفرص الاستثمارية والتمويلية التي توفرها قوة القطاع المصرفي.
أخيراً، يتميز الزيدي ببراغماتية واضحة، ولا يتعثر بمرارات التاريخ ولا يسجن نفسه في أطر أيديولوجية جامدة، وهذا ما تحتاجه هذه المرحلة المليئة بالكثير من التحديات على مستوى الإدارة والخطاب والمواقف، فليس للرجل تاريخ ليخاف عليه، وليس له حزب ليشغله، وليس له أيديولوجيا تقيده. لهذه الأسباب يبدو الزيدي خيارا جيداً.
ولكن!
على الجهة الثانية من هذه القراءة لا يبدو طريق الزيدي مفروشاً بالورود، بل هو أقرب ما يكون للمشي في حقل ألغام بلا خارطة، نظراً لعدد من المعطيات أولها الشرعية المؤقتة، فهناك خشية حقيقية من أن يكون الزيدي (مرشح استهلاك) أو (مرشح تسلية) وليس (مرشح تسوية) على حد تعبير أحد الأصدقاء، الغرض من ذلك هو إنقاذ رئاسة الجمهورية من مأزق دستوري بعد أن انتهت المهلة القانونية. فتكليف الزيدي سيمنح النظام مدة 30 يوماً إضافية لحسم التنافس بين المالكي والسوداني اللذين لم تنته قدرتهما بعد على تحمل آلام لعبة عض الأصابع.
لذلك وصف البعض الزيدي بأنه (مُحلل) أي ذلك الرجل الذي يتزوج امرأة طلقها زوجها ثلاث مرات، ولا بد من هذا (المُحلل) لتعود لزوجها الأول. والزوج الأول في هذه الحالة (المالكي/ السوداني) بعد تهدأ الأمور وتتضح الرؤية حول الصراع الأمريكي الإيراني. فيما تعامل البعض مع ترشيح الزيدي على انه قضاء وقدر، نظراً لان الولايات المتحدة تبدو مهتمة هذه المرة بِشدة باختيار شكل الحكومة العراقية بالتزامن مع ما يجري في المنطقة.
والسؤال الحقيقي هو هل ستمنح الكتل السياسية السيد علي فالح الزيدي التعاون الكافي لإكمال كابينته الوزارية، أم انه سيجد نفسه أمام قائمة اشتراطات وتجاهل يجعل مهمته شبيهة بمهمة (محمد توفيق علاوي) الذي تم تكليفه في دورة سابقة وانتهت المهلة التي أعطيت له دون أن يتمكن من إكمال حكومته. هل ستدعم الكتل التي رشحت الزيدي مرشحها أم انه سيجد نفسه معلقاً بحبال الهواء بلا كتلة تحميه حين تبدأ الحسابات الدقيقة.
هناك أيضا ما يمكن تسميته بعقدة الوزن السياسي والخبرة، فالزيدي يُتهم بقلة الخبرة السياسية، وهذا صحيح، لكن من قال إن الواقع العراقي يدار بالخبرة؟ في الحقيقة يُدار العراق خارجياً بـ (النصائح/الإملاءات/الضغوط) وداخلياً بالصفقات الخلفية والتسويات أكثر من الخبرة المؤسساتية. فالنصائح التي قدمت لغيره يمكن أن تقدم له. أما بشأن عمره (40 عاماً)، فإن التاريخ والوقائع لا يقفان طويلا أمام هذه الحجة؛ فالملك فيصل الأول أصبح ملكا وعمره 38 سنة، الملك غازي تولى العرش في الـ 21 من عمره، الملك فيصل الثاني أصبح ملكا تحت الوصاية وعمره(4 سنوات) وجرى تتويجه بعمر 18 سنة، عبد السلام عارف (41 سنة) صدام حسين (42 سنة) عبد الكريم قاسم (44 سنة) أما خارج العراق فهناك الملك حسين ملك الأردن (18 عاما) الأمير تميم أمير قطر (33 عاما) جون كنيدي الرئيس الأمريكي (43 عاما) إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي (39 سنة) جاستن ترودو رئيس وزراء كندا (43 سنة) وكثير غيرهم.
إن التوجس من عمر الزيدي (40 عاماً) يبدو منفصلاً عن الواقع العالمي؛ فالعالم اليوم يتجه نحو ما يسمى بالقيادات الرشيقة. وإذا كان الفرنسيون قد ائتمنوا ماكرون على مفاعلاتهم النووية وهو في الـ 39، والنيوزيلنديون عبروا أزماتهم مع جاسيندا أرديرن وهي في الـ 37، والسلفادور راهنت على رجل أعمال شاب مثل نايب بوكيلي (37 سنة)؛ فإن مكمن الخطر في العراق ليس في عمر القائد، بل في عمر العقلية التي تدير الدولة. العمر ليس المشكلة، السؤال هو هل يمتلك السيد الزيدي تلك العقلية القادرة على إدارة الدولة في هذا الظرف الحرج. لا أدري. دعونا ننتظر.
هناك أيضا تحد كبير أمام الزيدي هو المعضلة الخارجية (واشنطن وطهران) حيث يدخل الزيدي حلبة الحكم في وقت تشتعل فيه المنطقة بالحرائق الإقليمية. والموقف الأمريكي منه يظل مقلقا ورهن الاختبار، وإشارات واشنطن هي العامل الأهم في مضي الزيدي أو انتهاء مغامرته مع الرئاسة، ويبدو أن الزيدي هنا مطالب بإيجاد الموازنة المستحيلة بين مطرقة الضغط الدولي وسندان النفوذ الإقليمي. وربما –وهذه نقطة حساسة- تم اختياره ليكون واجهة لقرارات لا يستطيع الآخرون أن يتبنوها بأنفسهم لحسابات تخصهم، وليكون سهل الاقتلاع متى ما أصبح عبئاً على من اختاره. بالعربي انه (ماشة نار)، لكن هناك من يتحدث عن إشارات تتضمن (عدم ممانعة) أمريكية تجاه الزيدي الذي يبدو ان نقطة التوازن الأمريكية الإيرانية التقت عنده هذه المرة.
هناك تحد آخر يتعلق بكاريزمية الزيدي فلا يبدو الرجل كارزماتياً كثيراً، فهو ليس خطيباً مفوهاً مثل الجعفري أو المالكي، وليس منظراً كعبد المهدي، وليس دقيقاً مسلكياً واضحاً كالعبادي أو السوداني، بل لا يبدو حتى أريَحيَا متبسطاً كأياد علاوي، وقد تجنب هذا المقال الحديث عن قدرات السيد الزيدي السياسية أو الفكرية فنحن لا نعرف الكثير عنه. وليس للرجل لقاءات تلفزيونية أو لقاءات عامة خارج عمله، ولا اعرف كيف سيقدم نفسه خلال الأسابيع التالية، لذلك سنؤجل الحديث عن هذه الجوانب حتى تتكامل الصورة عنه. أقول: في كل الأحوال لن يكون أسوأ من الكاظمي على صعيد الكاريزما والقدرات الفكرية.
من التحديات الأخرى يقال إن 99% من العراقيين لا يعرفون السيد الزيدي، وهذه حقيقة، أنا سمعت باسمه منذ بضع سنوات فقط ولم أر صورته إلا بعد أن تكليفه برئاسة وزراء العراق. لكن سأحاول أن أكون متفائلا وأقول إن السلطة في العراق غالباً ما تنتج قادة غير متوقعين. هل كان الشارع يعرف مصطفى الكاظمي؟ وهل كان أحد يعرف محمد الحلبوسي؟المجهولية هنا قد تكون ميزة لرئيس الوزراء لأنها تمنحه فرصة بناء صورته من خلال الإنجاز لا من خلال الذاكرة الحزبية.
إن نجاح أو فشل المكلف علي فالح الزيدي ليس مجرد اختبار لشخصه فهو رجل ناجح له امبراطوريته الخاصة سواء أصبح رئيساً للوزراء أو لم يصبح، بل هو اختبار نهائي لمرونة النظام السياسي العراقي وقدرته على الصمود في بيئة مرتجفة.
لا يبدو الوقت مناسباً لإطلاق أحكام تقييمية قاطعه بحق الرجل، وليس أمامنا سوى أن ننتظر جولات طويلة حول طاولات التفاوض على حصص الكتل وعلى الشخصيات المؤهلة للعب دور في حكومة (خلطة عطار) جديدة. شخصياً أنا أتمنى له التوفيق في مهمته رغم أني اعتبر تكليفه انحناء للعاصفة ووسيلة لشراء الوقت. وربما تحدث المعجزة. من يدري؟


