كتاب جديد للكاتب والإعلامي محمد الكاظم
في خضم التحولات الكبرى التي تسعى لإعادة رسم خرائط الصراع في الشرق الأوسط، تبرز حرب الخليج الخامسة (او الحرب الإسرائيلية الإيرانية) بوصفها لحظة فارقة لم تكن فيها القوة وحدها هي اللاعب الوحيد، بل كان الإعلام جزءا اساسياً من المعركة لا يقل أثره عن أثر الطائرات والصواريخ.
في عالم تتعدد فيه الحروب وتتعاظم فيه أدوار الإعلام، تأتي حرب الخليج الخامسة لا باعتبارها صراعًا عسكريًا تقليديًا فحسب، بل بوصفها ساحة مكتملة الأركان لحرب خطابية ودلالية، تدور رحاها على شاشات الفضائيات، وصفحات الجرائد، ومواقع الإنترنت، بقدر ما تدور على الأرض.
هذا ما يسلّط عليه الضوء كتاب (11 ليلة باليستية: الخطاب الإعلامي لحرب الخليج الخامسة) للكاتب والإعلامي المعروف د. محمد الكاظم الذي يتناول الحرب من منظور يرى ان في الشاشات ما يوازي ما يحدث على الجبهات. فالكتاب لا يتتبع خطوط النار في الميدان فحسب، بل يتتبعها في نشرات الأخبار، وتصريحات الزعماء، محاولاً أن يرسم خريطة الحرب من زاوية الكلمة، لا من فوهة البندقية.
ينطلق المؤلف في كتابه الصادر عن المعهد العراقي للدراسات والنشر من خلفية تحليلية تستعرض مقدمات الحرب، حيث لم تكن شرارتها وليدة لحظة، بل تتويجاً لتراكم طويل من التوترات والظلال التي يلقيها مشروع الشرق الأوسط الجديد على المنطقة. وبخلاف الحروب التقليدية التي تشتعل فجأة وتنطفئ بإرادة عسكرية، فإن هذه الحرب خضعت لتحركات طويلة على مسرح التهيئة الإعلامية، والتعبئة النفسية، والاصطفافات الرمزية. الإعلام، هنا، ليس شاهداً على الحدث بل مشارك في صنعه، مُعيدٌ لترتيب زوايا الرؤية، ومانحٌ للمعاني التي تصنع الشرعية أو تنزعها.
يفتتح المؤلف كتابه بفصل تمهيدي يتناول السياقات السياسية والأمنية التي مهدت الطريق لنشوب حرب الخليج الخامسة، مع تحليل دقيق للعوامل المتشابكة التي أججت التوتر بين إيران وإسرائيل، مسلطاً الضوء على التجاذب الجيوسياسي. ويُسلّط الضوء على المسار التصعيدي بين القوى الإقليمية وصولًا إلى نقطة الانفجار التي حصلت في حزيران يونيو 2025.
تعدد وجوه الإعلام: بين التحريض والترويج
يضعنا الكتاب أمام صورة مركبة لإعلام الحرب، لا بوصفه مؤسسة موحدة، بل بوصفه عالماً متعدد الوجوه، يتحدث بلغات شتى، ويتحرك وفق مصالح متقاطعة، ويؤدي أدواراً تتراوح بين التحريض، والتبرير، والنفي، والترويج. الحرب كما رآها الإسرائيليون، بدت على شاشاتهم وكأنها معركة وقائية لضمان البقاء، مدفوعة بخطاب وجودي يحشد الداخل ويطلب تعاطف الخارج. في المقابل، الحرب كما ظهرت من طهران، كانت دفاعاً عن المعنى والكرامة الوطنية، تُخاض بلغة محمّلة برمزية الثورة والشعور بالتحدي. وبين الخطابين، تقف شاشات العالم متلقية ومُرسلة في آن، حيث لا تنقل الصورة بريئة، بل محمّلة بزاوية نظر مسيطر عليها، ورغبة مضمرة في توجيه الإدراك.
هنا يفتتح المؤلف فصلاً مركزيًا يعالج “إعلام الحرب” لا كحامل خبر، بل كمُنتِج للواقع، وفاعل في تكوين الإدراك الجماهيري. الإعلام لا ينقل فحسب، بل يُشكّل، ويُعيد ترتيب العالم في أذهان الناس وفق مرآة المصالح والسياسات.
اللغة الإعلامية تحتل موقعاً مركزياً في هذا السجال. فالكلمات، لا تقل أثراً عن الصواريخ، تصنع أثرها. فمفردات مثل “الردع”، “العدوان”، “التهديد الوجودي”، “الانتصار الأخلاقي”، كلها ليست مجرد توصيفات بل أدوات تعبئة نفسية وشرعنة سياسية. هكذا يتحول الإعلام إلى ساحة بلاغية جيوشها من المفردات والتعابير، ولكل جهة قاموسها، ولكل جمهور لغة يتم تفصيلها على مقاس هواجسه أو حماسه.
ولا يقتصر الكتاب على تتبع الخطابين المركزيين لإيران وإسرائيل، بل يذهب أبعد من ذلك بكثير، فيُحلل الخطابات الإعلامية المتعددة للدول التي أثرت وتأثرت بتلك الحرب، فيتوقف الكتاب لتحليل الخطاب الإعلامي للولايات المتحدة عبر رصد وسائل اعلامها ورصد نوعية الخطاب الذي تبنته، ثم ينتقد إلى الخطاب الإعلامي الأوربي، ثم الخطاب الروسي والصيني والهندي والباكستاني، مع التركيز على الخطاب الإعلامي لدول الجوار العربي والإسلامي، كتركيا والعراق ومصر ولبنان والأردن ودول الخليج وسوريا، حيث ان لكل دولة زاويتها الخاصة، وحساباتها، وحدود خطابها.
المعارضة الإعلامية: من طهران إلى تل أبيب
ولم ينس الكاتب ان يسلط الضوء على الخطاب الإعلامي للمعارضة في كل من إيران وإسرائيل، وهي معارضة لم تلتقِ سياسياً لكنها تقاطعت في التشكيك بشرعية الحرب، وإبراز ثمنها البشري، ولعل ما يُحسب للكتاب أيضًا تحليله للطريقة التي ظهرت بها القيادتان السياسيتان، الإيرانية والإسرائيلية، في الإعلام.
ولا ينسى الكاتب أن يختم فصول الكتاب بمقارنة معمقة بين الخطابين الإيراني والإسرائيلي، من حيث اللغة، والأدوات، والجمهور المستهدف، والمنصات المستخدمة، وأثر كل خطاب في تشكيل مواقف الدول الكبرى، وفي صناعة الرأي العام الدولي.
ما يميز هذا الكتاب ليس فقط غزارة معلوماته التي اعتمدت على الرصد الدقيق المستند على خلفية مهنية واسعة، بل قدرته على الانتقال من التفاصيل إلى الرؤية، من تفكيك الخطاب إلى إعادة تركيبه في سياق أوسع، ويكشف عن الدور الحقيقي للإعلام في الحروب الحديثة. إنه كتاب لا يكتفي بأن يريك ما قيل، بل يجعلك تفهم لماذا قيل، وكيف قيل، ولمن قيل. في زمن تتسابق فيه الكاميرات مع الصواريخ، وتُكتب فيه الحروب أولاً على الشاشات ثم على الارض، حيث لا يعود الحديث عن الإعلام ترفاً أكاديميًا، بل ضرورة لفهم المعركة، وربما لفهم مستقبل المنطقة بأكملها. هذا الكتاب هو عمل موسوعي وتحليلي معاً. لا يكتفي بسرد المواقف، بل يُحللها وفق منهج نقدي يفكك اللغة، ويتتبع السياقات، ويضع الخطاب الإعلامي في موقعه الحقيقي كطرف فاعل في الحروب، لا مجرد مرآة. إنّه كتاب موجه للباحثين، وللمهتمين بالإعلام، والسياسة، والتاريخ والصراعات الدولية، ولكل من يريد أن يفهم كيف تُصنع الحروب بالكلمات بقدر ما تُخاض بالصواريخ والطائرات.


