لم يكن اختيار العراق ليحتضن مشهد الوداع الأخير للشهيد الامام السيد علي الحسيني الخامنئي مجرد اختيار لمكان تلتقي فيه الوفود أو تقام فيه مراسم التشييع بل بدا وكأنه عودة رمزية إلى المنابع الأولى التي تشكلت فيها مدرسة العدالة والشهادة في الإسلام، فهذه الأرض تحتضن في النجف الأشرف مرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الإمام الذي جسّد في الوعي الإسلامي أعلى صور العدل والزهد والنزاهة والإخلاص لله كما تحتضن في كربلاء مرقد سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام الحسين بن علي عليه السلام الذي قدّم نفسه وأهل بيته دفاعاً عن الدين والكرامة والحق فغدت كربلاء رمزا خالدا للتضحية والفداء في مواجهة الظلم.
إن قراءة جنازة الشهيد السيد علي الخامنئي من هذا المنظور في العراق لا تقف عند حدود الحدث السياسي وإنما تمتد إلى البعد الحضاري والرمزي الذي يربط بين الجغرافيا المقدسة وبين الامتداد التاريخي لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، فالنجف ليست مدينة عادية بل هي مدينة الإمام علي عليه السلام حيث ارتبط الحكم بالأخلاق والسلطة بالمسؤولية والقوة بالعدالة والزهد بخدمة الأمة، ولذلك ظل الإمام علي عليه السلام عبر القرون النموذج الأعلى للحاكم الذي لم تغيّره السلطة ولم تغره الدنيا ولم يساوم على الحق مهما كانت التضحيات.
وقد نظر كثير من أتباع مدرسة أهل البيت إلى السيد علي الخامنئي بوصفه واحدا من أبرز الشخصيات المعاصرة التي سعت إلى استلهام هذا النهج في القيادة من خلال التأكيد على مركزية العدالة والاستقلال ومواجهة الهيمنة والالتزام بقضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية مع المحافظة على صورة القائد الذي يعيش حياة بعيدة عن مظاهر الترف ويربط بين السلطة والتكليف لا بين السلطة والامتياز.
وعندما انتهت حياته بالاستشهاد إثر العدوان الأمريكي الإسرائيلي على طهران رأى مؤيدوه أن مسيرته اكتملت على النهج نفسه الذي رسمه الإمام الحسين بن علي عليه السلام حيث لم يكن معيار النجاح هو البقاء على قيد الحياة وإنما الثبات على الموقف حتى النهاية، فكما تحولت كربلاء إلى مدرسة تؤكد أن الدم قد ينتصر على السيف حين يكون دفاعا عن المبادئ فإن استشهاد السيد الخامنئي في نظر العالم الإسلامي أعاد إحياء هذا المعنى في الوعي السياسي المعاصر وجعل من رحيله امتدادا رمزيا لمسيرة التضحية التي مثّلها الإمام الحسين عليه السلام.
ولهذا اكتسبت الجنازة في العراق معنى يتجاوز الوداع التقليدي لأنها جمعت بين رمزين مؤسسين في الذاكرة الإسلامية النجف بما تمثله من مدرسة الإمام علي عليه السلام في العدالة والقيادة وكربلاء بما تمثله من مدرسة الإمام الحسين عليه السلام في الصبر والتضحية والثبات وفي هذا التلاقي بدا وكأن المشيعين لا يشيعون قائدا سياسيا فحسب بل يستحضرون تاريخا كاملا من القيم التي يعتقدون أنها ما زالت حاضرة في وجدان الأمة عبر شهيدها الإمام السيد علي الخامنئي وأنها قادرة على إنتاج أجيال جديدة تحمل المبادئ نفسها مهما تبدلت الظروف وتغيرت موازين القوى.
