حين قامت الثورة الإيرانية عام 1979، لم تكن مجرد حدث سياسي ينقل السلطة من الشاه إلى رجال الدين، بل كانت إعلاناً عن مشروع كوني، يحمل طموحاً لتغيير العالم الإسلامي، بل والنظام الدولي كله. إيران لم تُرد أن تكون دولة وطنية بحدود، بل صوتاً لعقيدة، وراية مرفوعة في وجه ما تسميه “الاستكبار العالمي”، وبنية بديلة لنظام الهيمنة الغربية. لكن تلك الثورة، التي رفعت شعار الشهادة أكثر من الحياة، اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً، فيه الجوع، وفيه الاقتصاد، وفيه الشعب، وفيه شبكة العلاقات الدولية التي لا ترحم الأوهام.بمرور الوقت، وجدت إيران نفسها ممزقة بين رأسين: رأس الثورة، ورأس الدولة. الثورة لا تتنازل، لا تعترف بالتوازنات، ترفع صوتها مهما كان الثمن. أما الدولة، فهي التي تدفع الثمن، وتحاول ترميم الخراب، وتدير التفاوض، وتراعي الزمن والتوازن، وتراهن على ما تسميه “الواقعية السياسية”. وكلما ارتفعت حدة الأزمة، ظهر هذا التمزق أكثر جلاءً. الثورة تريد حرساً ثورياً يصدّر العقيدة، ويخترق الجغرافيا، ويبني أذرعاً تمتد من صنعاء إلى بيروت، ومن بغداد إلى غزة، بينما الدولة تريد اقتصاداً مستقراً، وعلاقات تجارية، واستثمارات أجنبية، وهدوءاً يسمح لها أن تبقى.من هنا تبدأ المفارقة الكبرى: هل تستطيع إيران أن تبقى ثورية في خطابها، ودولة في سلوكها؟ أم أن لحظة الحسم تقترب، وتفرض على إيران الاختيار بين استمرار الثورة، بما هي عليه من شعارات ومغامرات ومواجهات، وبين التحول إلى دولة تسعى للنجاة ضمن نظام دولي معقد ومتغير؟ هذا السؤال لا يخص الطبقة السياسية فقط، بل يعصف بجوهر النظام الإيراني، الذي صاغ لنفسه هوية هجينة، نصفها ولاية فقيه، ونصفها جمهور انتخابي، نصفها حرس ثوري ونصفها حكومة مدنية، نصفها مساجد، ونصفها مصارف، نصفها طهران الرسمية، ونصفها طهران الخفية التي تقودها شبكات الظل.المجتمع الإيراني نفسه صار يعاني من هذا التناقض. هناك جيل جديد لا يعرف الحرب مع العراق، ولا يحمل حقد الخميني على أمريكا، ولا تعنيه قضايا فلسطين أو الهيمنة الغربية. إنه جيل الإنترنت، والبطالة، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل، جيل لم يعد يثق لا بالثورة، ولا بالدولة، لكنه يدفع الثمن عن الاثنين. الثورة تطالبه بالصبر، والدولة تطالبه بالولاء، وبينهما ينفجر الشارع، وتتعالى الهتافات: لا غزة، لا لبنان، روحي فداء إيران.حتى المؤسسة الحاكمة لم تعد موحدة. هناك صراع خفي يتعمق بين من يرون أن بقاء النظام مشروط بالثورة، أي بالعداء الدائم للغرب وبتوسيع النفوذ الخارجي، ومن يرون أن البقاء ممكن فقط عبر العودة إلى الداخل، وتطبيع العلاقات، وتغيير الخطاب، ولو تطلّب ذلك التضحية ببعض رموز الثورة ومقولاتها. وهذا الصراع تجلّى في مفاوضات النووي، وفي العقوبات، وفي خطاب المرشد، وفي وجوه السياسيين الذين يتغيرون ولا تتغير السياسات.لكن هل تستطيع إيران فعلاً إنهاء ثورتها؟ هل يُسمح لها بذلك؟ الثورة ليست مجرد خطاب؛ إنها شبكة مصالح، ومراكز قوى، وطبقة اقتصادية كاملة نشأت داخل الحرس الثوري والمؤسسات التابعة له. الثورة تملك السلاح، والإعلام، ورأس المال. والدولة، مهما حاولت، تبقى عاجزة عن تفكيك هذا البنيان من دون أن تزعزع أسس النظام برمته. من هنا، كل محاولة لإنهاء الثورة تعني حرباً داخلية، ليست بالضرورة عسكرية، ولكنها حرب بين رؤيتين: رؤية تعتبر الثورة قد أنجزت أهدافها، ويجب أن تتحول إلى ذاكرة، ورؤية تعتبر أن الثورة لم تبدأ بعد.كل المؤشرات تقول إن إيران الدولة تحاول التخفف من أعباء الثورة، لا إنهاءها. تسعى لترويضها، لا لمحوها. تضبط إيقاعها، لا تفككها. تُظهر شيئاً وتخفي أشياء. تهادن الغرب حين تضطر، وتهاجمه حين تحتاج. تبني تحالفات في الخفاء، وتُشعل الجبهات بالوكالة. إنها تمارس لعبة مزدوجة، تُجيدها منذ سنوات، لكنها لا تستطيع الاستمرار فيها إلى الأبد. فالعالم يتغير، والإقليم يتقلّب، والمجتمع يغلي، والاقتصاد ينهار، والثورة تُستهلك، وتتحول من طاقة إلى عبء.
لذلك، يبقى السؤال مفتوحاً على مصير لم يُحسم بعد. إيران لا تريد إنهاء الثورة بالكامل، لكنها قد تضطر إلى دفنها تدريجياً، تحت ركام التنازلات، والصفقات، والحقائق التي لا يمكن إنكارها. وفي اللحظة التي يُعلن فيها موت الثورة، ولو بصمت، ستكون إيران قد دخلت طوراً جديداً: لا هي ثورة، ولا هي دولة، بل كائن هجين، يعيش على الذاكرة، ويخشى المستقبل، ويعيد إنتاج التناقض ذاته إلى أن يُستهلك كل شيء.!!


