لا يمكن فهم ملامح النزاع بين إيران وإسرائيل دون التوغّل في سياق استراتيجي مركب، تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ، والعقيدة بالقوة، والتكنولوجيا بالحرب النفسية. لم يعد الحديث عن مجرد “نزاع حدودي” أو “صراع بالوكالة” كما درجت التحليلات الكلاسيكية، بل نحن اليوم أمام مواجهة مباشرة، متعددة الأوجه، تُرسم تفاصيلها بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كما تُنقش في خنادق الحرب السيبرانية، ودهاليز المفاوضات المعطّلة.إيران دخلت هذه المرحلة بوعي استراتيجي مغاير. لا تسعى إلى حرب شاملة بالمعنى التقليدي، بل إلى تثبيت مبدأ الردع وتكريس معادلة جديدة في المنطقة. لقد بنت قوتها تدريجياً: من برنامج صاروخي توسّع من شهاب إلى خرمشهر وفاتح، إلى طائرات مسيّرة من طراز شاهد ومهاجر وكرار، وصولاً إلى قدرات سيبرانية تستهدف عمق المؤسسات الإسرائيلية الحيوية، بما فيها البنى التحتية للطاقة والمياه والاتصالات. هذه ليست مفردات دعائية بل وقائع أكّدتها تقارير مركز الدراسات الأمنية الإسرائيلية (INSS) والدراسات الأمريكية المتخصصة، مثل تقرير “راند” حول تحوّلات التوازن العسكري في الخليج، الذي أشار بوضوح إلى أن إيران، رغم العقوبات، باتت قادرة على شنّ ضربات دقيقة على أهداف في عمق الأراضي المحتلة.في المقابل، تواجه إسرائيل واقعًا أمنيًا لم تألفه منذ عقود. تفوّقها الجوي، الذي شكّل عماد عقيدتها العسكرية، لم يعد كافيًا لحسم النزاع. صحيح أن تقارير صحيفة “وول ستريت جورنال” تؤكد فعالية الضربات الجوية، لكن هذا النوع من الهجمات لم يمنع إيران من إعادة التموضع والردّ بأساليب أكثر مرونة وتكتيكًا. وقد أظهر الهجوم الإيراني في أبريل 2025 – حين انطلقت أكثر من 300 طائرة مسيّرة وصاروخ دفعة واحدة – أن قدرة إسرائيل على التحصين قد تتعرّض للاستنزاف في حال استمرت الهجمات بوتيرة تصاعدية. صحيفة “تايم” الأمريكية وصفت الهجوم بأنه أخطر تهديد جوي منذ حرب الخليج الثانية، مشيرة إلى أن “القبة الحديدية قد تُثقل أكثر من قدرتها على الاستيعاب”.الأخطر من ذلك، أن الردع الإسرائيلي التقليدي، القائم على ترهيب الخصم بضربة ساحقة، لم يعد فعالًا كما في السابق. في عام 2023، شنّت إسرائيل سلسلة ضربات على منشآت في أصفهان، وادّعت نجاحًا استراتيجيًا، لكن إيران لم تنهَر، بل ردّت إلكترونيًا وبتنشيط جبهات متعددة: من الحوثيين في البحر الأحمر، إلى حزب الله في جنوب لبنان، بل وفتح جبهة ضغوط نفسية في الداخل الإسرائيلي من خلال تفعيل خلايا إلكترونية تشوش على الرأي العام. هذا التحوّل في أدوات المواجهة يشير إلى أن إيران باتت تتحرك على أكثر من ساحة في الوقت نفسه، وهو ما سمّاه أحد تقارير “مجموعة الأزمات الدولية” بـ”تعدد ميادين الردع الإيراني”.وإن كان يُحسب لإسرائيل تطورها التقني الهائل في مجالات الدفاع الصاروخي والطيران والطاقة السيبرانية، فإنها في المقابل تعاني من إشكاليات استراتيجية لا تقل خطورة: أولها فقدان الحسم البري، حيث لم تعد قادرة – لا سياسيًا ولا عسكريًا – على خوض معارك واسعة في الأراضي السورية أو اللبنانية أو حتى غزة. ثانيها، الانقسام الداخلي المتعمق، والذي كشفت عنه التظاهرات الواسعة ضد الإصلاح القضائي عام 2023، وهو انقسام يهدد بانفجار اجتماعي متجدد في ظل حرب طويلة الأمد. وثالثها، محدودية الدعم الأمريكي المطلق، في ظل تبدل أولويات واشنطن في ظل التحديات الروسية والصينية. بل إن تقارير “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” أشارت إلى أن البيت الأبيض لم يعد يرى في الدفاع عن إسرائيل هدفًا غير مشروط، بل جزءًا من لعبة توازنات شاملة.هنا، يتضح المشهد الاستراتيجي: إيران تتقدّم بثبات عبر استراتيجيا “الحروب الرمادية”، بينما إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تغوص أكثر في عزلة جيوسياسية ومأزق استراتيجي مركب. المعادلة القديمة التي كانت تمنح إسرائيل حق الضرب بلا رد، لم تعد قائمة. والأسوأ، أن قدرة الردع الإسرائيلية قد لا تصمد طويلًا إذا ما استمر الاستنزاف على هذا النحو.
ربما لا تدرك إسرائيل أن النهاية، التي تبدو ا مستبعدة عسكريًا، قد تتجلى سياسيًا وأخلاقيًا. فما من قوة مهما بلغت تقنيتها قادرة على أن تنتصر في صراع يستنزف شرعيتها ويخلخل ركيزتها الداخلية. النهاية ليست سقوطًا بالمعنى الحرفي، بل انكشاف متدرج لمشروع لم يعد يمتلك أدوات بقائه التاريخي. “إسرائيل إلى النهاية”، ليست نبوءة، بل استنتاج تفرضه معادلة التاريخ حين تُعيد الشعوب تعريف موازين القوة بغير ما خُطط لها.


