قراءة في مأزق الكيان الصهيوني أمام الرد الإيراني

قراءة في مأزق الكيان الصهيوني أمام الرد الإيراني
في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني، جاءت الضربة الإيرانية الأخيرة لتعيد تعريف مفهوم "الردع" في المنطقة...

في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني، جاءت الضربة الإيرانية الأخيرة لتعيد تعريف مفهوم “الردع” في المنطقة، ولتضع الكيان الصهيوني في مواجهة مع واقعه الهش، بعيدًا عن أوهام التفوق الدائم.

رغم أن الكيان الصهيوني هو من بادر بالعدوان، معتقدًا أن تفوقه الاستخباري كفيل بضمان استمرارية الضرب دون عقاب، إلا أن الرد الإيراني هذه المرة لم يكن اعتياديًا، بل كان بحجم زلزال استراتيجي تجاوز البُعد العسكري ليمس عمق الوعي الصهيوني نفسه.

إن ما لا يدركه كثيرون أن الكيان الصهيوني يعاني من هشاشة جيوسياسية خانقة. فمساحته الصغيرة، وكثافته السكانية، وتوزّع بنيته التحتية في رقعة ضيقة، تجعل من كل صاروخ يصل إلى عمقه تهديدًا وجوديًا لا يمكن تحمّله طويلاً. إن مجرد دخول أكثر من ثمانية ملايين مستوطن إلى الملاجئ، وتوقف الملاحة الجوية، وتعطيل الحياة العامة، يكشف أن الكيان لا يمتلك العمق الاستراتيجي الذي يمكن أن يحتمل مواجهة شاملة أو طويلة.

وليس سرًا أن بقاء هذا الكيان واستمراره مرهون بشكل مباشر بالدعم الأميركي والغربي. وهذا ما يجعل الحديث عن تفوقه الذاتي نوعًا من الوهم. فإذا ما رُفعت يد واشنطن ولو ليوم واحد، فإن الكيان سيتعرّى تمامًا، وتصبح مقاومته أشبه بمن يحارب عاصفة بكفين مكشوفين.

وهنا تحديدًا يتضح البعد الأهم: إن الأزمة الكبرى للصهاينة ليست في السلاح أو التكنولوجيا، بل في الافتقار للثقة بالنفس، وفي الخوف العميق من المواجهة المباشرة، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم بدقة:

“لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ”.

إن المعادلة التي حاولت إسرائيل تكريسها لعقود – الضرب من دون رد – بدأت تتآكل فعليًا. فإيران، المحاصَرة منذ أكثر من أربعة عقود، ردّت، وأوصلت رسالتها بنجاح: لا تفوق دون ثمن، ولا عدوان دون تبعات.

وهذه الرسالة ليست موجهة فقط لإسرائيل، بل للمنظومة الغربية بأكملها. فالمعركة القادمة لن تكون خاطفة، بل ستكون طويلة النفس، تعتمد على استنزاف الداخل الصهيوني نفسيًا واجتماعيًا، وعلى توحيد الجبهات القلقة حولها.

إن أكثر ما يرعب صانع القرار في تل أبيب اليوم، ليس قدرات إيران أو حزب الله أو المقاومة في غزة، بل خوفه من جمهوره الداخلي، الذي جاء من الشتات، ويحمل جنسيات مزدوجة، ومستعد لحزم حقائبه فور شعوره بانعدام الأمان.

هنا تحديدًا يتجلّى الجبن السياسي. فصقور الحرب في الكيان، حين يجدّ الجد، يتحولون إلى دعاة “ضبط النفس“، ليس حرصًا على الأخلاق، بل لأنهم يعرفون هشاشة البنيان الذي يقفون عليه..

إن الرد الإيراني لم يكن مجرد استعراض قوة، بل كان إعلانًا عن تحوّل تاريخي: لم تعد تل أبيب تملك “القرار الوحيد” في ساحة الصراع. هناك الآن توازن ردع جديد، تصنعه المقاومة بصبرها، وتحرسه الجغرافيا بعنادها، وتثبّته الشعوب بإيمانها أن النصر، وإن تأخر، قادم لا محالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *