توقفتُ كثيراً عند هذا البوستر الدعائي الذي جرى تداوله مؤخراً تحت مسمى “تحالف الأقوياء“، والذي يجمع بعض قادة الإطار التنسيقي ، ودرست المشهد من الناحية التحليلية والإعلامية فوجدته يستفز القراءة العميقة، ويضعنا مباشرة أمام مفارقة صارخة، بل أمام ما يمكن تسميته بـ “سخرية القدر” في أبهى تجلياتها البصرية والواقعية.
من ينظر إلى هندسة الصورة بتوزيع الشخصيات، والإضاءة الدرامية، والنظرات الحادة التي تحاكي بوسترات الأفلام الهوليوودية أو الأعمال الملحمية مثل فلم العراب (The Godfather) يدرك حجم المفارقة التي تكمن في تفكيك هذا المشهد عبر مستويات عدة، منها أدوات “الغرب” في خدمة البروباغندا المحافظة التي تعد من المفارقات الساخرة جداً، حيث نرى أن حراكاً سياسياً لطالما تسلّح بالخطاب الإيديولوجي المحافظ، يلجأ اليوم بكامل إرادته إلى استخدام أدوات الليبرالية الغربية بحذافيرها (الفوتوشوب عالي الدقة، وقفات الهيبة السينمائية، والتسويق البصري الرأسمالي) من أجل إثبات الوجود وصناعة الكاريزما أمام الجمهور.
وفي المستوى الثاني يرى المشاهظ في السينما، ان اللقطات الجماعية التي توحي بالتماسك المطلق تخفي خلف كواليسها صراعات مريرة وهشاشة بنيوية. و سخرية القدر هنا تُذكرنا بأدبيات “وحيد حامد” في فلم (طيور الظلام) الذي جسده ( الزعيم) عادل امام! ، حيث تُطبخ التنازلات المتبادلة والمحاصصة والترضيات في الغرف المغلقة، ليخرج لنا في العلن بوستر يقول “نحن كتلة واحدة”، بينما الواقع يؤكد أنها “شراكة ضرورة” أملاها الخوف المشترك من المتغيرات القادمة والتحالفات الأخرى و(الرجل) الذي يخاف منه الجميع!!
ونرى في مستوى آخر أن المخرج والمصمم بجهد نفسه في إبراز ملامح القوة والنفوذ لدى القادة (الاقوياء)، بينما يعيش الناس والشارع والمؤسسات الحكومية والخاصة الرسمية وغيرها في وادٍ آخر تماماً.
إنها السخرية ذاتها التي تجعل صناع القرار ينشغلون بصناعة “الصورة والرمزية” في وقت تحتاج فيه البيئة المؤسساتية إلى بناء حقيقي للكفاءة والقدرات بعيداً عن الاستعراض الإعلامي.
في النهاية أقول، أن الوعي الجمعي اليوم لم يعد تنطلي عليه هذه الإخراجات السينمائية؛ فالجمهور يدرك جيداً أن “الفيلم” محكوم بالتوقيت والمصلحة، وأن تتر النهاية يبدأ فور تضارب المصالح الشخصية والحزبية ( كما حدث عدة مرات سابقة ) !!
إنها سخرية القدر حينما تتحول السياسة إلى مجرد “مَشاهد” يُراد من الجمهور التصفيق لها، بينما تظل التحديات الحقيقية شاخصة على أرض الواقع ينتظرها البناء الفعلي لا البوستر الدعائي.


