في خضم المواجهة الوجودية التي يخوضها محور المقاومة المقدسة دفاعاً عن الأرض والعرض، ترتفع بعض الأصوات الناشزة مطالبة بنزع سلاح المقاومة، تحت شعارات منمّقة تحمل عنوان الوطن، وتزعم الحرص على السيادة والاستقرار. لكن خلف هذه الشعارات البرّاقة، تختبئ نوايا مريبة وارتباطات مشبوهة، تنكشف يوماً بعد يوم مع تسارع الأحداث وسقوط الأقنعة.
إن هذه الحماسة المفاجئة لنزع سلاح المقاومة لا تنطلق من حرص وطني صادق، بل هي امتداد لخطاب موجّه ومموّل، هدفه الأصيل هو ضرب آخر خطوط الدفاع في وجه المشروع الصهيوني التوسعي. فهؤلاء لا يجهلون أن هذا السلاح هو الذي منع العدو من اجتياح لبنان مجدداً، ولا يغفلون عن أن من يطالب بنزعه إنما يطالب عملياً بفتح الطريق أمام الاحتلال، دون مقاومة.
والأخطر من ذلك، أن بعض هذه الجهات التي تتشدق بالسيادة وتتهم المقاومة بالمغامرة، هي نفسها التي تورطت سابقاً – بشكل مباشر أو غير مباشر – في مشاريع التفاوض والتنسيق والصفقات التي هدفت إلى بيع أجزاء من الوطن تحت مسميات الترسيم والتسوية. لقد رهنوا القرار، وقبضوا الثمن، وما زالوا يتلقون التعليمات من عواصم تعتبر المقاومة عدواً والمحتل شريكاً.
من السذاجة اعتبار هذه الحملة مجرد اجتهاد سياسي أو رأي مخالف. هي حملة ممنهجة، جزء من معركة الوعي التي يخوضها العدو بأدوات داخلية، بألسنة تتكلم لغة الوطن بينما هي مأجورة لوكلاء المشروع الاستيطاني. فليس من قبيل الصدفة أن تتزامن هذه الحملة مع تحركات العدو على الحدود، ومع مؤتمرات صهيونية تدعو إلى إقامة مستوطنات في جنوب لبنان. فالهجوم على المقاومة من الداخل لا ينفصل عن التمدد من الخارج.
من يطالب اليوم بنزع السلاح، لا يفعل ذلك باسم الوطن، بل باسم من دفع له ثمن صوته وقراره. ولسانه الذي يردد تلك الشعارات، هو لسان المرتبط بوليّ نعمة يشغّله كما يشاء، ويستخدمه كأداة في حرب تصفية القضية وتقسيم الأرض.
الوطن لا يُحمى بالشعارات، بل بالتضحيات. والسيادة لا تُصان بالخضوع، بل بالمواجهة. ومن أراد نزع سلاح من يدافع عن الوطن، فليبدأ أولاً بنزع ولائه لمن اشتراه، وليكفّ عن المتاجرة باسم وطن لم يعد يملك فيه لا قراراً ولا كرامة.


