اتحداهم جميعًا، واتحدى من ينفي أو يتظاهر بالحياد، أن يقولوا إنهم لا يفرحون لكل جريمة يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد أنصار المقاومة، أو أنهم لا يشعرون بالنشوة كلما سال دم مقاوم أو تهدمت دار صابر أو ارتفع دخان فوق أرض المواجهة.
اتحداهم أن ينكروا ذلك، فهم وإن أخفوا الكلمات، تكشفهم الملامح، وتفضحهم التعليقات، وتفضحهم طريقة انتقاء الأخبار، وما يكتبون وما يتجاهلون.
فهم يغتاظون من كل بطولة تحققها المقاومة، ومن كل صمود يفشل مشاريع الاحتلال، ومن كل معادلة ردع تربك حسابات أعداء الأمة.
تراهم يضيقون بكل مشهد انتصار، حتى لو كان مجرد بقاء المقاوم واقفًا تحت النار، لأن وجوده وحده يهزم روايتهم، ويفضح سنوات التحريض والتشويه والخنوع.
إعلامهم أيضًا يشبههم تمامًا.
يظهر ما يسرّهم ويخفي ما يغيظهم. إذا أصيب طفل في بيئة المقاومة جعلوا الحادثة شماتة مبطنة، وإذا انتصر المقاوم دفنوا الخبر في آخر النشرات، أو قلبوا البطولة إلى تهمة، والشهادة إلى مغامرة، والصمود إلى عبء.
أما إذا تلقى الاحتلال ضربة موجعة، تراهم يهربون إلى التحليل البارد، أو التشكيك، أو الصمت الثقيل الذي يشبه الهزيمة.
وهكذا يفعل المنافقون دائمًا عبر التاريخ؛ يفرحهم سقوط أهل الحق، ويؤلمهم ثباتهم. لا يستطيعون التصريح الكامل بما يخفونه، لكن قلوبهم تفضحهم قبل ألسنتهم.
تراهم يصفقون لكل مشروع يضعف روح المقاومة، ويهاجمون كل صوت يرفع راية الكرامة والسيادة، ثم يدّعون بعد ذلك أنهم فقط مع السلام أو ضد الحرب، بينما سلامهم الحقيقي هو سلام المستسلم، وحربهم الدائمة هي على كل من يرفض الذل.
اتحداهم أن ينفوا أنهم يغضبون حين يتحول المقاوم إلى رمز، وحين يرى الناس فيه صورة الكرامة والعزة. واتحداهم أن ينكروا أن أكثر ما يخيفهم ليس السلاح، بل الفكرة التي يحملها السلاح؛ فكرة أن هذه الأمة يمكن أن ترفض الانكسار، وأن تقف رغم الحصار والخسائر والمؤامرات.
إنهم يريدون مقاومة مهزومة، أو مقاومة معتذرة، أو مقاومة تستأذن أعداءها كي تتنفس.
لكن ما يربكهم حقًا أن هناك من لا يزال يؤمن أن الدفاع عن الأرض والكرامة ليس جريمة، وأن الانحياز للمظلوم ليس تطرفًا، وأن مواجهة الاحتلال ليست تهمة تحتاج إلى تبرير.
لا يعكس هذا الانحياز الإعلامي والسياسي مجرد ميول فردية، بل هو نتاج منظومة مصالح جيوسياسية راسخة. فالعديد من العواصم العربية والغربية ترى في إضعاف قوى المقاومة – أيًا كان مبررها الأخلاقي – ضمانًا لاستقرار ترتيباتها الأمنية والاقتصادية في المنطقة. ومن هنا، فإن الفرح العلني بسقوط مقاوم، أو التعتيم على انتصاراته، ليس انفعالًا عابرًا بقدر ما هو تطبيق عملي لسياسة احتواء المد المقاوم الذي يهدد مصالحهم. هذه المعادلة، وإن كانت قاسية، تبقى منطقية في عالم لا يحكمه المبدأ بل الميزان، حيث يصبح الضعف جريمة والصمود استفزازًا لا يُغتفر.
ولذلك سيبقون على حالهم؛ يفرحون بما يسر الاحتلال، ويغتاظون مما يرفع رأس الأحرار. ثم يطالبون الجميع أن يصدقوا أنهم محايدون. وأنا اتحداهم … واتحدى من ينفي مضمون التحدي.


