دأبت منذ زمن وفي صباح كل يوم أحد ان أقرأ المقال الذي تنشره صديقتي الكاتبة الرائعة لطفية الدليمي في عمودها (قناديل) في صحيفة المدى .
في مقالتها اللافتة هذا اليوم، تسلط الكاتبة لطفية الدليمي الضوء على ما تسميه (الأسئلة الأولى)، تلك الأسئلة الوجودية العميقة التي تنشأ في عقل الإنسان الشغوف قبل أن يخضع لمنظومات التعليم الرسمية أو يلقن المعارف الجاهزة. تنطلق من قراءتها لسيرة الفيلسوف جون ستيوارت مل، لتكشف أن القامات الفكرية الكبرى كثيرًا ما كانت ذاتية التعليم، تربت في بيئات صارمة، وانشغلت منذ صغرها بأسئلة من قبيل، كيف نشأ الكون؟ ما هو الوعي؟ لماذا نثق بما ندركه؟ هذه الأسئلة، كما ترى الدليمي، لا تنفصل عن الشغف الحر بالمعرفة، ولا يمكن الاستعاضة عنها بأي كم من الإجابات الجاهزة. ومن هنا، كانت دعوتها لتأمل الفرق الجوهري بين من يعيش المعرفة كاكتشاف ذاتي حي، ومن يستهلكها بوصفها سلعة وظيفية. هذا التأمل بالذات ولشغفي أنا أيضا بالأسئلة المؤرقة هو ما دفعني إلى طرح السؤال المحوري ، كيف كان سيكون حال أولئك الكبار لو عاشوا في عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة؟
سؤال لم يغادرني منذ قراءتي لها، ماذا لو أن أولئك الكبار الذين حركوا عجلة الفكر البشري ومهدوا الطريق للنهضة العلمية الكبرى، قد عاشوا بيننا اليوم، في زمن البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي وتطبيقات كتشات جي بي تي؟ هل كانوا سيحتفظون بذلك العنفوان العقلي الفريد؟ هل كانت أرواحهم ستتقد بتلك النار التي دفعتهم منذ طفولتهم الأولى إلى طرح أسئلة لم يجرؤ أحد على طرحها؟ أم كنا سنجدهم محاصرين وسط ضجيج المعرفة الجاهزة التي تبهر بحجمها وتخدر بحضورها؟
ما أثارته السيدة الدليمي في مقالها لم يكن تأريخًا لحيوات عباقرة وفلاسفة من القرون الماضية بقدر ما كان كشفًا لشرط لازم في كل نهضة فكرية حقيقية، ألا وهو السؤال الأصلي، السؤال الخارج من رحم الحيرة لا من رحم الكتاب المدرسي، من وجع التطلع لا من سلطة المناهج. سؤال الوجود والوعي والحقيقة واللغة واليقين والعدالة والمعنى، كلها أسئلة لا تخلقها الوفرة بل يولدها النقص، لا تنبع من كثافة المعلومة بل من عطش التأمل. وهنا تحديدًا يشتد الإغراء بمقارنة زمن جون ستيوارت مل، الذي تربى على الحكم الصامتة والكتب الثقيلة والقراءات الجادة، بزمننا هذا حيث أصبحت المعرفة سلعة متاحة بضغطة زر، وقادرة على محاكاة أعقد أنواع التحليل، لا عبر عقل إنساني فقط، بل عبر منظومات لغوية اصطناعية تحاكي طرائق البشر وتتفوق أحيانًا على كثير من خريجي الجامعات.
هل كانت عقول مل، وديكارت، وسبينوزا، ونيتشه، وهيوم، وغيرهم، ستبقى كما كانت لو عاشوا في عصر تشات جي بي تي؟ الأرجح أن هؤلاء لم يكونوا ليمروا مرور العابر في زمن كزمننا. بل كانوا سيتحدون هذا الذكاء الاصطناعي نفسه، لا باعتباره أداة جاهزة لتقديم المعرفة، بل باعتباره مرآة جديدة للأسئلة نفسها. أولئك الذين اعتادوا استخراج المعرفة من جوف المعاناة الفكرية لن يرضوا بإجابات جاهزة حتى لو حملتها أذكى الخوارزميات. كانوا سيتعاملون مع هذه الوفرة باعتبارها خامة قابلة للقولبة، مادة أولية للصياغة لا غاية للطلب. فمل الذي كان يقضي ساعات في تحليل نص فلسفي أو فرضية منطقية، لم يكن ليكتفي بجواب منتج آليًا، بل كان سيستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة لمضاعفة عمق السؤال، لا لإنهائه.
وفي هذا المفصل يتجلى الفرق الحاسم بين من يرى في المعرفة غاية استهلاكية ومن يرى فيها مسارًا وجوديًا. الكبار لا يتعلقون بالمعلومة بوصفها منتجًا بل بوصفها رحلة. إنهم لا يبحثون عن الجواب لأنفسهم فقط، بل عن الطريقة التي توصلهم إليه، عن المسارات الذهنية التي تقود إلى اكتشاف القواعد لا حفظها. ولهذا فإن دخولهم عصر البيانات الضخمة ما كان ليجعلهم أقل فكرًا، بل لعله كان سيمنحهم ساحة أرحب لتحويل هذا التدفق الهائل إلى تصورات فلسفية جديدة، تضع الذكاء الاصطناعي في موضع التساؤل لا الإجابة، وفي دائرة الوعي لا كمجرد أداة توجيه.
ولعل الفارق الأهم كان سيتمثل في أن هؤلاء المفكرين الكبار، لو قدر لهم العيش اليوم، لم يكونوا لينبهروا بقدرة الآلة على كتابة مقال أو تلخيص كتاب أو إنتاج خطة بحث، بل كانوا سيتوجهون إلى مساءلة بنيتها المفهومية، إلى جوهر الوعي الاصطناعي، هل يعي الذكاء الاصطناعي ما ينتجه؟ هل يدرك معنى ما يصنعه؟ أليس هذا هو لب سؤال الوعي نفسه الذي أثارته الدليمي في مقالتها؟ حين يتكون الدماغ من مادة عضوية، كيف يمكن له أن ينتج شيئًا غير مادي مثل الإدراك؟ وبالمثل، حين تتكون خوارزميات الذكاء الاصطناعي من رياضيات ومعادلات، كيف لها أن تنتج معنى حقيقيًا أو حكمة أصيلة؟ هذه الأسئلة التي بدأت كهم طفولي، لا تزال تؤرق العقل البشري حتى في ذروة مجده التقني، وربما ستبقى ما بقي الإنسان كائنًا يسأل أكثر مما يجيب. أولئك الكبار، لو كانوا بيننا اليوم، لربما انتقلوا من فكر التنوير إلى فكر ما بعد التنوير، ومن الليبرالية الكلاسيكية إلى نقد الأنظمة الرقمية التي تخضع الفرد لرقابة خفية باسم الخوارزمية، ولربما تجرأوا على مساءلة الديمقراطية نفسها في ضوء تدخل الذكاء الاصطناعي في تشكيل الرأي العام من خلال التلاعب الدقيق بالمعلومات. إن روحهم الثائرة، التي لم تكن تقبل بالبديهيات، كانت لتقودهم إلى نقد أكثر راديكالية للنظام المعرفي الجديد، ليس من باب العداء للتكنولوجيا، بل من باب الوفاء للشغف الأول، أن نسأل لكي نوجد.
لذا، فإن مقال السيدة لطفية الدليمي لم يكن مجرد تحية للسير الذاتية بقدر ما كان تأملًا في نمط من الوجود الإنساني ينهض بالسؤال لا بالإجابة، ويستند إلى الحيرة لا إلى السكون، ويتغذى على الفقد لا على الامتلاك. في عالم كثرت فيه الأجوبة وقلت الأسئلة، صار التذكير بروح هؤلاء الكبار ضرورة حضارية، لا لأنهم علمونا كيف نكتب، بل لأنهم علمونا كيف نفكر، كيف نسأل، وكيف نبقى بشراً في وجه آلة تحاول أن تعرف عنا كل شيء، ولكنها لا تستطيع أن تشعر بشيء.
إن المعرفة التي لا تشتعل بالسؤال الأول تبقى معرفة ميتة، وإن الوفرة التي لا تستولد دهشة لا تصنع نهضة. ولهذا، فإننا نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى أن نعيد اختراع السؤال، لا أن نبحث عن الإجابة. نحتاج إلى أن نقرأ الماضي بعين الحاضر، لا لنمجده بل لنفهم كيف يفكر العقل الكبير في عصره، وكيف كان سيواجه عصرنا. ولعل هذا هو الدرس الحقيقي الذي تركه لنا جون ستيوارت مل وكل الكبار، وما تذكرته بفضل المقال الجميل الذي فتح في داخلي هذا الباب، أن المعرفة الحية تبدأ من سؤال لا ينتهي.


