هل يشكل تدويل التعليم العالي في العراق خطوة واقعية أم مجرد طموح إعلامي؟

هل يشكل تدويل التعليم العالي في العراق خطوة واقعية أم مجرد طموح إعلامي؟
في إعلان رسمي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق، أُطلق برنامج (ادرس في العراق) بنسخته الثالثة للعام الدراسي...

في إعلان رسمي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق، أُطلق برنامج (ادرس في العراق) بنسخته الثالثة للعام الدراسي 2025/2024، مخصصًا لتقديم منح دراسية مجانية للطلبة الأجانب والعرب في مختلف الجامعات والمؤسسات الأكاديمية العراقية، الحكومية منها والأهلية. وقد بدا الخبر للوهلة الأولى وكأنه خطوة طموحة باتجاه تدويل التعليم العالي العراقي وإعادة إحياء صورة العراق كمركز تعليمي جذاب في المنطقة، وهي صورة كانت واقعية في عقود خلت حين كان مقاعد الجامعات العراقية تحتضن طلبة من شتى الدول العربية والآسيوية والأفريقية، جنبًا إلى جنب مع زملائهم العراقيين في مشهد أكاديمي متعدد الثقافات ومتين الجودة. لكن السؤال الموضوعي اليوم، هل الجامعات العراقية ما زالت تمتلك المقومات الأكاديمية والعلمية والإدارية التي تؤهلها فعلاً لاستقطاب طلبة دوليين في ظل الظروف الحالية التي يشهدها النظام التعليمي العراقي؟

لا يمكن إنكار أن العراق يملك تاريخًا عريقًا في التعليم العالي، وأن جامعات مثل بغداد، الموصل، والبصرة والمستنصرية كانت تعد من بين الأفضل على المستوى العربي في سنوات مضت، وكان يشار إليها بوصفها بيئات أكاديمية تتمتع بالكفاءة، الانضباط، والتنوع العلمي. ولكن هذا التاريخ المجيد لا يكفي وحده لجذب الطلبة في زمن أصبح فيه التنافس الأكاديمي عالميًا ويقاس بالتصنيفات الدولية، ومستوى البحوث المنشورة، واعتماد البرامج، وشروط الإقامة والمعيشة، وسهولة الاعتراف بالشهادات. إذ لا بد من الاعتراف بأن التعليم العالي في العراق يعاني من مشكلات بنيوية ومعرفية مزمنة، تبدأ من ضعف البنية التحتية لبعض الجامعات، مرورًا بالمناهج الجامدة، وغياب التحديث المنتظم في أساليب التدريس والتقويم، وانتهاء بتحديات الإدارة الجامعية وتسييس بعض المفاصل الأكاديمية.

في الوقت الذي تسعى فيه دول كتركيا وماليزيا والإمارات إلى استقطاب الطلبة الأجانب عبر برامج تعليمية مبتكرة، واتفاقيات تعاون مع جامعات مرموقة، وبيئات بحثية مدعومة، ما زال العراق يخوض معركة داخلية لإعادة تنظيم علاقته بالتعليم، بين ما هو رسمي وما هو فعلي، وبين ما يعلن إعلاميًا وما يمارس فعليًا في قاعات المحاضرات والمختبرات. فالدعوة إلى استقطاب طلبة من الخارج ينبغي ألا تفهم على أنها خطوة تجميلية أو محاولة دعائية، بل يجب أن تكون نتيجة طبيعية لإصلاح شامل وجذري في البنية الجامعية، يتضمن مراجعة صادقة وشفافة لمعايير الجودة، وإعادة النظر في علاقة التعليم بالبحث العلمي، وربط الجامعات بمراكز صناعة المعرفة، لا بعلاقات الشكل والمجاملة.

ما يزال التعليم العالي العراقي يملك فرصًا موضوعية للعودة إلى خارطة التعليم الإقليمي والدولي، لكن ذلك مرهون بإرادة إصلاحية حقيقية، لا بمبادرات شكلية موسمية. فالطلبة الأجانب لا يبحثون عن مقعد مجاني فقط، بل عن بيئة علمية تسمح لهم بالتفوق، وعن شهادات يعتد بها دوليًا، وعن نظام جامعي عادل ومنفتح. وإذا لم تعالج التحديات الداخلية التي يقر بها كثير من الأكاديميين العراقيين أنفسهم، فإن هذه الدعوات إلى تدويل التعليم لن تتجاوز كونها مجرد رسائل حسن نية لا تجد صداها في الواقع.

إن الدعوة لطلبة الدول الأخرى للدراسة في العراق ليست مرفوضة من حيث المبدأ، بل هي من حيث الرؤية المستقبلية أمر محمود، يعكس انفتاح العراق ورغبته في استعادة مكانته الأكاديمية. غير أن المصداقية تقتضي أن تبنى هذه الدعوة على أرضية مؤسساتية متينة، لا على وعود غير مكتملة. فكل طالب أجنبي يأتي إلى العراق دون أن يجد ما وعد به من نظام أكاديمي محترف سيعود إلى بلاده ليس فقط خائبًا بل ناقلًا لصورة سلبية مضادة للجهد المبذول، وهو ما سيجعل من كل دعوة لاحقة أصعب وأكثر عبئًا في إقناع القادمين الجدد. لذلك، لا بد أن تسبق الرغبة في تدويل التعليم عملية تقييم شاملة للواقع الأكاديمي، تشرك فيها النخب الجامعية، وتضع معايير شفافة، وتستند إلى تطلعات حقيقية لا إلى تقارير صادرة عن رغبة لا عن مراجعة. فقط حين يكون الداخل مستعدًا علميًا، وإداريًا، وإنسانيًا، يمكن أن يكون الخارج شريكًا لا زائرًا عابرًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *