إلى ماذا يريد أن يصل الشعر النسوي في العراق؟!!

إلى ماذا يريد أن يصل الشعر النسوي في العراق؟!!
في هذا السؤال المربك حدّ العمق، لا يكمن القصد في غاية محض جمالية أو لغوية، بل في تفكيك البنية الرمزية التي تتوسلها المرأة الشاعرة في العراق...

في هذا السؤال المربك حدّ العمق، لا يكمن القصد في غاية محض جمالية أو لغوية، بل في تفكيك البنية الرمزية التي تتوسلها المرأة الشاعرة في العراق، وهي تواجه عالمًا ذكوريًا منكفئًا على تاريخه الملوّث بالحروب، والخذلان، وأصنام العشيرة، ومكر الأبوة السلطوية. لا يمكن قراءة الشعر النسوي في العراق خارج سياق الخراب الجماعي والخذلان السياسي والاجتماعي، فحين تكتب المرأة العراقية اليوم، تكتب بلحمها المجروح، بذاكرة مفتوحة على المقابر الجماعية، بالأمومة النازفة من صور المختطفين والمغدورين، وبجسد متهم منذ ولادته بالفتنة والعار.في دواوين مثل “أحدّق في الخراب” لـهيفاء زنكنة، و*“امرأة تتلصص على الله”* لـأسماء عبد الزهرة، و*“أحزان ضيقة كسرير طفل”* لـسحر الطائي، نلمس ذلك البوح الذي لا يريد أن ينضوي تحت سقف القصيدة كما قرأها الرجل، بل يسعى إلى نحت فضاء جديد، تتعرّى فيه الذات من كل استسلام للرموز الجاهزة. لا تتجه هذه القصيدة نحو تغنيّة عاطفية ساذجة، بل تعيد مساءلة الحب، والهوية، والحقيقة، بلغة تنبش أعطاف المهمل والمُغيّب، وبلغة ترتبك أحيانًا لأنها لا تريد أن تجمّل جراحها.الشعر النسوي العراقي، وهو يتكئ على خرائب المكان، يحاول في لا وعيه الجمعي أن يفتت صخرة الصمت، ويهشم هيمنة الذكر الذي كتب التاريخ والقصيدة معًا. تقف قصيدة نجلاء القيسي، مثلاً، على تخوم هذا الوعي، حين تكتب: “كلما فتحت فمي لأقول أنا، وضعوا فيه تميمة من طين!”، وهي عبارة تختزل صراعًا مع الذاكرة، مع الطين نفسه الذي أرادوه تمثالًا للمرأة لا صوتًا لها.ليس الشعر النسوي، كما يُساء فهمه، مجرد تنويع صوتي في جوقة الذكور، بل هو مقاومة معلنة ضد أحجبة الإقصاء، وضد اختزال المرأة في رمز أو فاكهة أو متاع. يتوسل هذا الشعر صورًا تخرج عن المألوف، لأنه لا يريد أن يكون مطيّة لأحد، ولا شهادة تزكية في يد أدب السلطة أو القبيلة. بل يصرخ في وجه الخراب بأن له لغته، وأن الموت يمكن أن يُكتب بألوان الحيض، والخوف، والمقاومة اليومية في البيت والشارع والمقهى والمختبر والمظاهرة.أثر هذا الشعر في الشارع العراقي المأزوم بدأ يتجلّى ببطء، لكنه اختراق عميق في جدار الصمت. في احتجاجات تشرين، كانت الشاعرات يلقين قصائد من قلب الساحات، لا تحرّض على الكراهية، بل على الفهم، على إعادة تعريف الرجولة والحرية، كما فعلت شهد الشمري حين صرخت: “أنا بنت الجنوب… لكن دمي ما ينزف إلّا على وجع العراق كله”. وفي منشورات الشاعرات الشابات على وسائل التواصل، نقرأ تطلعًا إلى وطن لا يُعرّي المرأة ليغطي سوأته، بل ينظر في عينيها ليحاور المصير.الشعر النسوي في العراق، إذن، ليس مشروعًا لغويًا فقط، بل مشروع وعي. إنه يبحث عن عراق لا يطلب من المرأة أن تسكت كي لا تُذبح، بل عراق يصدق حين تبكي المرأة فيه بحرية. هو شعر يسعى، ولو بصمت الأنامل المرتعشة، إلى إعادة كتابة العقد الاجتماعي، والميثاق الروحي، الذي كُسر منذ أولى الأساطير. وإذا كانت جلجامشيات الأمس تسلحن بالموت والخصوبة، فإن نساء الشعر العراقي اليوم يتسلحن بالكلمات: لا ليصرن ملكات، بل ليفضحن العرش.ولعلّنا حين نمعن النظر في هذه الموجة الشعرية، نكتشف أنها لا تمثل تيارًا موحدًا، بقدر ما تعكس تعددية صوتية تمتح من منابع شتى: من الطقوس الشعبية والميثولوجيا السومرية، من الحزن الجنوبي، من شظايا الحروب، ومن جروح المدن المهجورة، ومن ثنائية الحجاب والانكشاف، الطاعة والتمرّد. لم تعد الشاعرة العراقية تخشى أن تقول: أنا مرآة محطّمة، ولا تريد لمن يقرأها أن يراها كاملة. إنها تكتب لتوقظ التصدعات، لتعيد تدوير الغبار، لا لتجميل الخراب.إن التحول الذي طرأ على الحساسية الجمالية في شعر المرأة العراقية ما بعد 2003، يتصل اتصالًا مباشرًا بانكشاف القيم التقليدية، وانهيار المنظومات الصلبة التي كانت تبرر الهيمنة الذكورية باسم الدين، أو الشرف، أو العقل الجمعي. فالحروب والاحتلال والطائفية لم تقتل الرجال فقط، بل كشفت فظاعة السلطة في أدق تمظهراتها: في الفراش، في المطبخ، في المدرسة، في نظرة المارة. ولذا لا يمكن فصل تطور الصوت النسوي في الشعر عن هذا الوعي المتنامي بأن المرأة ليست كائنًا رمزيًا، بل شاهدة على العنف البنيوي، بل ضحيته الأولى في كثير من الأحيان.

وبالرغم من محاولات التهميش أو التجاهل، فإن شعر النساء في العراق بدأ يتسلل إلى نسيج القراءة اليومية، لا من بوابات المجلات الرسمية، بل من جدران الفيسبوك، من تدوينات الإنستغرام، من البوح العابر عبر المايكروفون في قاعة شبه مهجورة، لكنه بوح لا يخشى الهامش. ولأن القصيدة النسوية اليوم لم تعد تتوسل بركة النقاد أو رضا المؤسسات الثقافية، فقد استعادت حريتها، وأصبحت فعل نجاة فردي وجماعي في آن.نجد في قصائد مثل تلك التي تكتبها دعاء صالح، أو لينا عبد الأمير، تلك النزعة إلى تفجير اللغة من الداخل، إلى استعادة اللفظة المهملة، إلى تكسير قواعد النحو والعرف والبديهة، وكأن الشاعرة تصر على قول: لا أرضى أن أقول العالم بلغة من أحرقني. الشعر هنا يتخذ هيئة الجسد ذاته، الجسد الذي خيطوه مرارًا بالخوف والعيب، وهو اليوم يتمرّد حتى على قوانين التنقيط والفواصل.

فإلى ماذا يريد أن يصل الشعر النسوي في العراق؟

لا إلى مجد شخصي، ولا إلى عرش في صالة الأدب، بل إلى لحظة انعتاق روحي ووجودي، لحظة تقول فيها المرأة لنفسها أولًا: أنا أرى، أنا أسمّي، أنا أكتب كي لا أموت بصمت. الشعر النسوي لا يطلب العدالة من السلطة، بل يكشف أن لا سلطة عادلة في نظام يختزل المرأة إلى وظيفة أو فُرجة أو تهمة. هو لا يريد أن يكون صرخة، بل أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي، سؤالًا يتكرر في أذهان القرّاء: من أين يأتي هذا النزف؟ ولماذا لم نسمعه من قبل؟وهكذا فإن الشعر النسوي العراقي، وقد نضج في قلب الفقد، لا يتطلع إلى خاتمة بقدر ما يراكم بدايات. لا يرفع راية الانتصار، لأنه يعرف أن معركته ضد الصمت طويلة، لكنه لا يتراجع. إنه، بكل بساطة وجرأة، يكتب ما لا يُقال، في بلد يعرف جيدًا أن أكثر الأشياء خطرًا… هو ما يُقال بصوت امرأة. وما يُقال بصوت امرأة، في هذا البلد المصلوب على خشبة التاريخ، لا يمرّ دون مقاومة، دون رعب، دون محاولات لتكميمه أو تسفيهه. ولعلّ في هذا الصراع بين الشاعرة ومجتمعها ما يمنح القصيدة تلك الحدّة، تلك الجرأة الغرائزية التي لا تتجمّل، بل تكشف حتى خيانات اللغة. لأن الشعر النسوي في العراق لا يكتب من موضع “الآخر”، بل من موضع “الأصل”، من رحم أول حضارة نطقت بالحب والإله والخصب والنداء.

حين تكتب المرأة العراقية قصيدتها اليوم، فهي تستعيد في اللاوعي صوت إنخيدوانا، كاهنة أور الكبرى، التي كتبت قبل آلاف السنين: “أنا التي تنفي الظلمة، أنا التي تنجب النور”، لكن هذه الاستعادة لا تقع في خانة الفخر، بل في خانة المفارقة: كم خُذلت تلك الأصوات، وكم نُفيت نسخها المعاصرة.في شعر الشابات، في خصوصية التجربة، تنبثق لغة جديدة. لغة أكثر حدة، أكثر فقرًا في الشكل لكنها أكثر غنى في الباطن. لم تعد المجازات تهم، بقدر ما تهم الحقيقة العارية: امرأةٌ تكتب عن دورتها الشهرية، عن الشهوة، عن الغربة في بيت الأب، عن طقوس الاستحمام القسري بعد التحرش، عن العار الذي لا يعود للمعتدي بل للضحية. هذه القصيدة لا تبحث عن زينة ولا عن جائزة، بل عن تطهير. هي طقس انعتاق، وثورة داخلية لا ترفع شعارات، بل تقرّح الصمت.وإذا أردنا قياس التأثير، فلا يكفي أن نبحث عن هذا الشعر في الصحف الثقافية أو على رفوف الجوائز. يجب أن نقرأ التعليقات التي تنهال تحت قصيدة منشورة في منتصف الليل، على صفحة فيسبوك، من نساء يشبهنها: عاملات، أرامل، طالبات، منفيات، يقرأن ويقلن: “كأنك تكتبين عني”. هذا التماس الخفي بين الشعر والشارع هو ما يمنح هذه الكتابة معناها الأخطر. لم تعد القصيدة حكراً على النخبة. لقد تسللت إلى الهامش، إلى اللافتات في المظاهرات، إلى الجدران، إلى دفاتر المراهقات، إلى الأحلام الليلية التي كانت مسوّرة بالصمت.الشعر النسوي في العراق، وهو يكتب نفسه ببطء، مثل جرح يتقيّح، لا يريد أن يصالح، ولا أن يجامل. يريد أن يُرى، أن يُسمع، أن يُحسب حسابه. قد يكتب بلغة مرتعشة، بلكنات خجولة، لكنه يحمل نبرة ما بعد الخوف، ما بعد الانكسار. إنه يعلن – ولو بكلمة واحدة – أن المرأة لم تعد تقبل أن تكون صدى لما يكتبه الآخرون. بل هي الأصل، وهي القصيدة.في زمن تنهار فيه القيم ويتحول الشعر ذاته إلى سلعة، يأتي هذا الصوت النسوي كضدّ، كرفضة، كمرآة مكسورة لا تعكس الوجوه بل تكشفها. ولذلك، فإن هذا الشعر لا يريد أن يصل إلى غاية ثابتة، بل إلى حركة دائمة، إلى كشف مستمر. يريد أن يخلخل، أن يزعج، أن يُرعب، أن يربك. يريد أن يبقى سؤالًا مفتوحًا في وجه العالم: ماذا يعني أن تكون امرأة في بلد لا يعترف إلا بالبندقية؟

الجواب، كما تهمس القصائد، هو أن تكوني نارًا صامتة… تحرق من الداخل.

لكن، هل يكتفي الشعر النسوي بأن يكون نارًا صامتة؟

لا، لأنه مع كل قصيدة تُكتب، ومع كل بوح يُعلن، يتحوّل الصمت إلى فعل سياسي، إلى مواجهة علنية، حتى وإن جرت داخل اللغة فقط.الشاعرة العراقية لا تكتب لتُعجب، ولا لتُمنح وسامًا من نقابة أو وزارة، بل تكتب لتنجو. القصيدة صارت نجاة، لكن ليست نجاة فردية، بل نداءً جماعيًا يتكاثر في صدور نساء كثيرات، لم تُتح لهن فرص النطق.وما يلفت في هذا الشعر، أنه لا يستعير أدوات الرجل، لا يسير على خطاه، ولا يعيد إنتاج لغته. بل يُجبر اللغة ذاتها على أن تتغير، على أن تتبع جسدًا لم تعتد أن تصغى إليه. اللغة هنا ليست محايدة، ولا وسيلة. إنها الجسد الثاني. القصيدة لا تقول فقط ما لا يُقال، بل تفتح جرحًا في مفهوم القول نفسه، في بُنية التعبير، في سلطة النحو التي كانت دائمًا تخدم الذكورة.ولذلك، فإن قصيدة كتبتها رشا الأمير تقول فيها:

“كنتُ أضع يدي على فمي كي لا ألد… ففاض بي الحليبُ من الكلمات”

ليست مجازًا، بل بيانًا. إنها قصيدة تقاوم قانون الصمت بحليب اللغة، بمادتها البيضاء التي لا لون لها ولا شكل، لكنها تغذي، تصرخ، تفيض. هنا، تتجاوز المرأة الشاعرة موضوعة الهوية لتصل إلى منطقة الوجود.

لقد أثبت هذا الشعر، بهدوئه أو بصخبه، أنه ليس صدى لمحنة المرأة فحسب، بل مرآة لمحنة العراق كله. لأن ما عاشته المرأة العراقية — من حروب، تشريد، استلاب، عنف منزلي، اغتصاب، تهميش، توظيف سياسي وأيديولوجي — هو الخلاصة المكثفة لانهيار الدولة، وتمزق الهوية الوطنية، وعبثية الذكورة المريضة بالسلطة. وهنا يتحول الشعر النسوي من جنس أدبي إلى موقف، من نصّ إلى فعل، من ذات تبوح إلى جماعة تحرر نفسها بالكتابة.ولهذا، حين نطرح السؤال مجددًا: إلى ماذا يريد أن يصل الشعر النسوي في العراق؟

نقول: إلى أن تكون المرأة حرة في قول وجعها دون وسطاء، إلى أن يُعاد الاعتراف بها ككائن كامل، لا كوظيفة اجتماعية أو جنسية أو دينية.

يريد أن يصل إلى منطقة فيها لا يعود الصمت ميزة، بل جريمة.

إلى وطن لا يسأل المرأة لماذا تكتبين هكذا؟، بل ينصت… كيف لم يكتب هو من قبل هكذا؟

ذلك هو الحلم البعيد، القصيدة التي لم تُكتب بعد.لكنها تُخط الآن، حرفًا حرفًا، من نارٍ تعرف طريقها إلى الضوء. في النهاية، يمكن القول إن الشعر النسوي في العراق ليس مجرد تعبير فني أو ثقافي، بل هو مشروع وجودي ونضالي ينبثق من رحم الألم والخراب، ليكون صوتًا ينطق بما لم يُقال، ومرآة تعكس حقائق مجتمع مكسور يبحث عن ذاته. هو الشعر الذي يرفض الانحناء أمام قوى الإقصاء والتقليد، ويختار أن يكون سلاحًا وملاجئًا في آن معًا، من أجل أن تُستعاد للمرأة العراقية كرامتها وحقها في الكلام والوجود.

وهكذا، يبقى الشعر النسوي العراقي، رغم كل المآسي والتحديات، نورًا خافتًا يزداد توهجًا، يؤكد أن الكلمة حين تصدر من قلب المرأة العراقية، تتحول إلى فعل مقاومة لا يُقهَر، وإلى نبض يروّض الخراب ويزرع في عمق الألم بذور الحياة والأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *