هل تخاف السلطة الأدب؟!! تأملات في الرعب المزمن من الكلمة الحرة!

هل تخاف السلطة الأدب؟!! تأملات في الرعب المزمن من الكلمة الحرة!
منذ أن التقط الإنسان صوته الأول وراح يحوله إلى معنى، كانت هناك سلطة ترتجف في مكان ما. السلطة، منذ البدء، لم تكن سوى محاولة لترويض الفوضى...

منذ أن التقط الإنسان صوته الأول وراح يحوله إلى معنى، كانت هناك سلطة ترتجف في مكان ما. السلطة، منذ البدء، لم تكن سوى محاولة لترويض الفوضى بوسائل أكثر فوضوية، تحاصر التمرد لأنها تخشى الحقيقة، وتخشى الحقيقة لأن فيها خيطًا من شعر، وفي الشعر شبهة نبوءة، وفي النبوءة ما يهدد العروش والمقاصل والمراسيم.الأدب، بخاصيته التنبؤية والتأملية والرافضة، لم يكن يومًا محايدًا. وحين أرادوه أن يكون محايدًا، جعله الحاكمون طبلاً أجوف يُضرب في حضرة الموكب. لذا، فإن السؤال عن علاقة الأدب بالسلطة، وعن هذا الخوف المتبادل، ليس سؤالًا طارئًا، بل جرحٌ عتيق في ذاكرة الحضارات. من سُقراط الذي أزعج المدينة حتى سقته السُّلطة السمّ، إلى الحلاج الذي استحق الصلب لأنه تجرأ على تسمية الله بلغة العاشق، مرورًا بكل شاعر خاف من قصيدته فدفنها قبل أن يقرؤها، وكل قاص خبّأ نصه في قلبه خشية العسس.السلطة تخاف الأدب لأنه لا يعترف بها كمرجع نهائي. فالأدب، بطبيعته، يعيد تعريف القيم، وينتقد السائد، ويعيد كتابة التاريخ من زوايا المهمَّشين والمنفيين والمقموعين. لهذا كان الكتاب، في كثير من الدول العربية، مشروعًا للتكفير أو التخوين أو النفي أو السجن. الأدب لا يقدّم الإجابات التي تحبها السلطة، بل يطرح الأسئلة التي تخشى مواجهتها.في التجربة العربية، وخصوصًا بعد نشوء الدولة الحديثة بمفاهيمها الأمنية لا القانونية، صار الأديب العربي بين خيارين: إما أن يكتب بما يرضي المؤسسة السياسية، أو يُعدّ مارقًا، خارجًا عن الصف، يحمل “ورقة توت” للمعارضة، ولو كانت قصيدته عن الحب. كم من كاتب عربي دفع حياته أو حريته ثمنًا لحرفٍ كتبه؟ من نجيب سرور في مصر، الذي طاردته تقارير المخابرات أكثر مما طاردت مؤلفاته القارئ، إلى سعدي يوسف في العراق، الذي ضاقت به عواصم العرب قبل أن تضيق عليه لندن نفسها.العراق مثال خاص لهذا الرعب المتبادل. فالسلطة العراقية، منذ أول انقلاب إلى آخر محاصصة، كانت ترى في الكاتب مشروع عدو، إن لم يكن ضمن جوقة المديح. فالرصافي نُبذ لأنه صرخ بوجه الجهلاء في البرلمان، والجواهري نُفي لأنه لم يمدح من لا يستحق، وعبد الحميد الصائغ اغتيل لأن قصائده كانت تُسمع في الأزقة أكثر من خطب المسؤولين. وكانت أجهزة الدولة، البعثية منها أو الطائفية، تدرك أن الرواية أكثر فتكًا من الخطبة، وأن القصيدة إن لم تُحاصر ستتحول إلى شبح يطاردهم في المكاتب والمواكب.وفي هذا السياق، كانت الكتب تُمنع وتُحرق، والكتّاب يُطاردون، والمجلات تُغلق، لا لشيء إلا لأن الكاتب، أيًا كانت نواياه، امتلك حريته، ورفض أن يوقّع عقد عبودية مع الرقيب. كم مرة حُذف مشهد من رواية لأنه “يوحي”؟ كم مرة مُنع ديوان شعر لأنه يتنفس بغير إذن؟ حتى الحب صار تهمة، والخيال موضع اشتباه.لكن هذا الخوف لا يعني أن السلطة دائمًا هي المتسلطة الوحيدة. أحيانًا تتحول السلطة إلى مزيج من مؤسسات، ومنها المؤسسة الثقافية نفسها، حين تروّض الأدب ليصير مهرجانًا بلا روح، أو نصًا بلا وجع. والسلطة التي تخاف الأدب، غالبًا ما تحاول احتواءه، عبر الجوائز، والوظائف، والوجاهة، و”صناعة المثقف الرسمي” الذي يتحول تدريجيًا إلى ديكور في مشهد السلطة، لا ناقدًا لها.ومع هذا، ظل الأدب العربي حيًّا رغم القمع، بل ربما بسببه. فالقصيدة التي تُمنع، تقرأ أكثر. والرواية التي تصادر، تُطبع سرًا في أكثر من بلد. والخوف الذي يسكن قلوب الحاكمين، هو وقود الكتّاب، الذين لم يصدقوا يومًا أن السلطة ستصفح عن النص الحر.فهل تخاف السلطة الأدب؟نعم، لأنها تعرف جيدًا أن الكلمة الصادقة، أقوى من أي بندقية، وأن الرواية الجيدة، قادرة على زعزعة نظام.والأهم، أن القصيدة حين تُقال بصدق، تجعل الملك عاريًا، مهما ارتدى من ألقاب. لكنْ، فلننظر في المسألة على نحو أعمق:إن خوف السلطة من الأدب ليس مجرد رعبٍ من جملة أو استعارة، بل هو خوف وجودي، لأن الأدب يمثل مرآة لا تريد السلطة أن ترى فيها وجهها الحقيقي. الأدب لا يصف، بل يكشف، ولا يُزين الواقع، بل يخلعه من زيفه طبقة طبقة، حتى يصل إلى عظامه. وهذه العظام، في معظم الدول التي اعتادت الطغيان، هشة ومتعفنة، لا تحتمل ضوء اللغة.السلطة بطبيعتها مؤقتة، أما الأدب فبطبيعته يسعى للخلود. هذا التناقض وحده كافٍ لإشعال حرب طويلة بين الطرفين. الأدب يرى أبعد، ويتأمل أعمق، ويطرح على الزمن أسئلته بينما الحاكم منشغل بصناعة الحاضر على مقاس الخوف والطاعة. الأدب لا يرضى بأن يُكتب داخل حدود النشيد الرسمي، ولا أن يُعلّق على حبال المؤتمرات الخطابية. هو ذلك الكائن الشقي الذي يشتهي الصمت حين يضجّ العالم، ويصرخ حين تطلب منه السلطة الصمت.ولعل أخطر ما يُقلق السلطة في الأدب، هو قدرته على خلق معنى خارج ما تُقرره الدولة. فحين يكتب شاعر عن حبيبته بلغة الحنين، قد يرى فيها رجل الأمن تلميحًا عن وطن مغتصَب. وحين يروي كاتب حكاية عن مدينة خيالية، قد يعتبرها الرقيب إسقاطًا على مدينته. والأدهى أن كثيرًا من القراء سيقرؤونها كذلك. أي أن الأدب يُفسَّر بما يتجاوز نية الكاتب، ويتحول إلى أداة تأويل جماعي للوجع المشترك. وهذا ما لا تتحمله السلطة، لأنها تريد احتكار تفسير الوجع، كما تحتكر تفسير القانون والسماء والتاريخ.وفي الحالة العراقية، يتضاعف هذا الخوف، لأن العراق ليس مجرد بلد شهد سلطة قمعية، بل هو بلد تكوّن على جمر الأسطورة، وماء الميثولوجيا، وعذابات الفقه، وحدّة الشعر. السلطة في العراق كانت دائمًا تعيش على قلقٍ مزدوج: قلق الخارج الذي يتربص بها، وقلق الداخل الذي يحفظ في دمه شعر الجواهري، ونواح زهور حسين، وصمت بدر شاكر السياب.فكيف يمكن لحاكم أن ينام مطمئنًا، في بلدٍ أطفاله يحفظون بيت الشعر قبل أن يتهجّوا أسمائهم؟أو في بلدٍ كانت فيه المجالس تُفتتح ببيت المتنبي، وتُختتم بنكتة ضد الوالي؟حين نعود إلى مشاهد السلطة والأدب في العراق، لا يمكننا أن نغفل مشاهد المنفى، والاغتيال، والاختفاء القسري، والرقابة، والتهديد، وشراء الذمم. كل هذا لم يكن صراعًا على “الجماليات” أو على “ذوق النشر”، بل كان صراعًا على معنى الوطن، ومعنى الإنسان. لأن الأديب العراقي، كلما كتب عن نهر، قرأته السلطة “رمزًا للدم المسفوك”، وكلما كتب عن طفولة، اعتبروه يتهكم على حاضرهم. الشعراء ماتوا من أجل بيتٍ واحد، والروائيون هُجِّروا لأنهم رسموا خريطة للخوف الوطني.ومع كل ذلك، لم تمت القصيدة، ولا تكلّ القصة، بل ظلّ الأدب يحفر نفقه من تحت الجدران، وظل الشاعر مثل الشبح يظهر في المقاهي والهوامش والمقابر. لم تكن السلطة لتنتصر نهائيًا على الأدب، لأنها رغم كل أسلحتها، لا تستطيع أن تمنع الحلم.

والمفارقة أن كثيرًا من الأنظمة العربية حاولت “تدجين” الأدب، عبر تأسيس وزارات الثقافة، وتوزيع الجوائز، وتوفير صالات العرض، لكنها لم تفلح إلا في خلق “أدبٍ رسمي”، يشبه اليافطات الحكومية، هشًا ومصطنعًا. وظلّ الأدب الحقيقي، الأدب الذي يوجع، يكتب في الخفاء، ويُطبع في بيروت، ويُهرَّب عبر الحقائب، أو يُدوَّن في السجون على علب الكبريت أو على بشرة الذاكرة.في قلب هذا الصراع، نجد أن سؤالنا يعود أكثر قسوة:

هل تخاف السلطة الأدب؟

نعم، لأن الأدب يذكّرها دومًا بأنها فانية، وأن ما يبقى هو السطر لا السيف، وأن القصر مهما علا، فإنّ شاعرًا مفلسًا يستطيع أن يهدمه ببيت واحد.ليس الخوف من الكلمة إذن، بل من المعنى الذي لا يمكن قتله، حتى ولو صُلب كاتبه.ولو أردنا أن نضع خلاصة مؤقتة لما جرى ويجري، فيمكن القول إن السلطة العربية، خصوصًا في الأنظمة التي ورثت الاستبداد العثماني والانقلابي والديني، تخاف الأدب لأنها لا تملك أدوات الحوار، بل أدوات القمع.

تخاف الأدب لأنه يُشبه المرآة، ولا شيء يرعب السلطة مثل أن ترى وجهها في مرآة صنعها خصمها الأخير: الشاعر.

وإذا كان الشعراء في الجاهلية تُعلَّق قصائدهم على جدران الكعبة، فإن شعراء اليوم تُعلَّق ملفاتهم في أقبية المخابرات.لكن العجب، أن القصيدة بقيت، والكعبة تغيرت.وهذا وحده كافٍ لنفهم لماذا، كلما جلس ديكتاتور على عرش، ارتجف أمامه ظل القصيدة، وهمس له جلاده:انتبه… هناك شاعر في المدينة!ولعلّ أعمق ما يكشف لنا ملامح هذا الصراع الأبدي بين السلطة والأدب، هو التأمل في الثنائية المتعارضة بين “شاعر السلطة” و”شاعر الناس”.في هذه الثنائية تتكثف كل التناقضات الممكنة: بين القصر والكوخ، بين المديح والرفض، بين الذهب والرماد، بين من يكتب ليُطاع، ومن يكتب ليُفضَح.شاعر السلطة هو من لبس عباءة المدّاحين، وتخلى عن لحم اللغة ليصير ريشة في يد السلطان. هو من يرى في الملك ظلّ الله، وفي خطابه بلاغة الوحي، وفي أوامره جمال القدر. يكتب لا ليقول الحقيقة، بل ليصوغها بما يناسب مزاج الحاكم. كل بيتٍ يقوله، يحمل ختم الرضا، وكل استعارة يحركها، تُراجع من موظف.

هو لا يخشى شيئًا، لأن الحماية تأتيه من فوق، لا من ضمير أو من شعب. ينال الألقاب، الجوائز، المقاعد الأولى، والصورة على الغلاف. لكنه حين يقرأ، لا يُحرّك شيئًا في القلوب، سوى الحنق.

كلماته ملساء، بلا أشواك، بلا عرق، بلا دم،كأنها تقرير، أو بيان صحفي.

أما شاعر الناس، فهو الذي ينحت من فقره ملحمة، ومن وجعه ترنيمة، ومن خوفه نصًا يشبه النار. يكتب لأن صمته أخطر، ويصرخ لأنه لو سكت، لاختنق بالحقيقة. لا يمدح إلا الجوعى، ولا يمجّد إلا الشهداء، ولا ينحني إلا للأم التي تنتظر ابنها المغيّب منذ الحرب الأولى.شاعر الناس يكتب على الجدران، في الأزقة، في دفاتر المدرسة، على أكفّ الأصدقاء، في الليل البعيد حيث لا يسمع سوى وجع الوطن.هو الذي يُلعن من الإعلام، ويُمنع من النشر، وتُقص قصيدته بالمقصّ، ثم تتناقلها الألسن كأنها نبوءة.شاعر السلطة يعيش داخل الأسوار، شاعر الناس يحطم الأسوار. شاعر السلطة يحفظ أسماء الوزراء، شاعر الناس يكتب أسماء الشهداء.

شاعر السلطة يتزين بالأوسمة، شاعر الناس يتزين بالجراح.شاعر السلطة تقرأه الخطب، شاعر الناس تقرأه المقابر.وفي العراق، هذا الصراع بلغ أقصى تجلياته.منذ العصر العباسي، حين جلس “المتنبي” على ضفة النار، يحدق في سيف الدولة، ويكتب ما يُرضيه، ثم يُطلق بيتًا متمردًا في لحظة كبرياء:أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صممُ

لم يكن المتنبي شاعر السلطة، رغم أنه قَبِل بها أحيانًا، لكنه لم يكن شاعر الناس تمامًا، بل كان ذلك الكائن المزدوج الذي ما أن خاف أن يُبتلع، انفجر بالتمرّد.في المقابل، ترى في العصر الأموي والعباسي طوابير من شعراء السلطة الذين باعوا ذممهم مقابل دراهم، ومنهم من عُرف بأنه “شاعر الخليفة” لا لبلاغته، بل لطاعته. وهؤلاء لم يبقَ منهم إلا فتات أسماء، أما من قال “لا” ومشى، فقد خلد.في عصرنا الحديث، يمكن بسهولة أن تفرّق بين شاعر الناس وشاعر السلطة حين تقرأ:موفق محمد مثلًا، لا يمكن أن يُقرأ داخل خطاب رسمي، لأنه يصرخ بوجوههم:

لا أريد اسمي على شارع

بل على نعش شهيد!!

في حين أن شاعر السلطة يكتب:

سيدي القائد، نحن خُدامك

والرمل في صحرائك تاجنا!!

الأول يُخيفهم حتى من قبره، والثاني يُطبع ديوانه على نفقة الدولة.

لكن الأدب لا يُقاس بعدد النسخ المطبوعة، بل بعدد النبضات التي يوقظها في القارئ. وشاعر الناس هو من يكتب للغد، لا لخبر الساعة. وهو من يعرف أنه قد يُغتال، لكن لا تُغتال قصيدته.أما شاعر السلطة، فمهما علا صوته، يبقى صوتًا ضمن الجوقة، لا يسمعه أحد بعد أن تُطوى الراية.هذا التناقض بين شاعر السلطة وشاعر الناس ليس مجرد خيار أسلوبي، بل خيار وجودي:هل تكتب لتعيش؟

أم تكتب لتُحيا؟السلطة تخاف شاعر الناس، لأنه لا يُشترى، ولا يُروّض، ولا يصمت حين يُطلب منه ذلك.

تخافه لأنه في اللحظة التي يُظن أنه انتهى، يولد من جديد على لسان طفل، في زاوية صحيفة مستقلة، في ممر جامعة، أو في دمعة أمٍّ تقرأ بيته الأخير وتشهق:“هذا قاله ابني… قبل أن يختفوا به!”

ولأن الخوف غريزة المذنب، فإن السلطة، أيّ سلطة، حين تخشى شاعرًا من الناس، لا تفعل ذلك إلا لأن شيئًا في داخله يذكّرها بجريمتها الأصلية:

قمعُ الحقيقة، وتزوير الوجدان، وتبديل لغة القلب بلغة المرسوم.

شاعر الناس هو شاهدها الأزلي، والشاهد، حين لا يُشترى، يُقتل.

وما أخطر الكلمة التي لا تموت مع صاحبها.حين يُقتل الشاعر، تُشيّعه القصيدة، وحين يُنفى، تهاجر معه اللغة، لكنه لا يضع قلمه في الجيب كما يفعل مثقف السلطان، بل يُخبئه في أضلعه، كأنه خنجر مضاد.

شاعر الناس لا ينسى، حتى لو اضطر أن يبتسم للمخبر، لأنه يعرف أن المخبر أيضًا، في لحظة ضعف، سيقرأ بيتًا من قصائده ويبكي.هكذا ينتصر الشعر.

المفارقة أن بعض شعراء السلطة يتوهّمون أنهم يسكنون الذاكرة الوطنية، لأن أسماءهم طُبعت على أغلفة كتب فاخرة، وعُلقت صورهم في وزارات الثقافة، وسُميت بعض الشوارع بأسمائهم.لكن، مَن يذكرهم حين تنقطع الكهرباء؟

من يرددهم في عزاء شهيد؟

من يسرق ديوانهم من مكتبة، كما تُسرق دواوين مظفر النواب أو بلند الحيدري؟الجواب واضح:

لا أحد.مظفر النواب، مثلًا، لم يعلّق على باب وزارة، بل عُلّق في قلوب الفقراء،غنى لهم، وبكاهم، وصرخ:

أصرخ فيكمْ والكلُّ جبانْ

حتى الشارعْ … حتى الجدرانْ

حتى المنفى صارَ مكانْ

للمخبر… والجلاد… والسلطانْ!

ذلك الصوت لا يُحاصر، لأن مكانه لا يكون في قاعة المهرجانات، بل في الصدر.في قلب المقهى الشعبي،

في هتاف المتظاهر،في رعشة الشاب الذي يحفظ القصيدة لأنه لا يملك سلاحًا.وهنا نصل إلى بيت السؤال:

هل تخاف السلطة الأدب لأنها ضعيفة؟

ربما.لكن الأهم من ذلك أنها تخاف الأدب لأنه يُخاطب الإنسان بصفته حُرًا،وحين تؤمن السلطة بحرية الإنسان، تكتب نهايتها.الأدب يُفلت من قبضة الرقابة، لأنه يتحوّل إلى إشارات، ووجوه، وأمثلة، وخرافات، وسخرية، وتهكّم، وكأن الكاتب يُخفي رسالته في قشرة من اللعب، لكنّ القارئ يدرك تمامًا أيّ نار تتوهج خلف تلك القشرة.

هذا اللعب هو ما لا تُجيده السلطة، لأن اللغة الرسمية خشبية، ميتة، بلا جسد.وفي المقابل، شاعر الناس يكتب بالجسد، بالوجع، بالدم،وحين يُسجن، تتحوّل الزنزانة إلى مطبعة،وحين يُنفى، يتحوّل المنفى إلى منبر.

وحين يُنسى، تُعيده القصيدة إلى الضوء، كما يُعيد الغائب كلّ غروب حكايات الأمهات.أما شاعر السلطة، مهما جُرّد من الذهب، يظلّ صوتًا بلا صدى، لأن الصدى لا يتبع الخوف.

لهذا، فإن الأدب باقٍ والسلطة زائلة.

الأسماء التي كتبت للسلطة اختفت بزوالها،أما الذين كتبوا ضدها، فهم الذين يُقرأون كلّما تفجّر الغضب، أو استعاد الشعب ذاكرته.شاعر الناس يعيش على حافة الخطر، لكنه لا يتراجع، لأنه يعرف أنه لا يكتب ليعيش، بل ليمنح غيره شجاعة أن يعيش واقفًا.لهذا، تُطارد السلطة الأدب.

لهذا، ترتجف من القصيدة.

لهذا، تفتّش في المجاز كما تفتّش في البيوت.لأنها تعرف، في قرارة فزعها، أن الكلمة الصادقة لا تُهزم،وأن آخر من يضحك…ليس الحاكم،بل الشاعر،حين يردّد خلف موته:

“أنا حيٌّ… وأنتم إلى النسيان ماضون!”

هكذا، لا يعود سؤال “هل تخاف السلطة الأدب؟” بحاجة إلى إجابة بقدر ما يحتاج إلى تأمّل. فكل سلطةٍ تخشى الحقيقة، وكل أدبٍ حقيقي لا ينشغل إلا بكشفها، مهما كان الثمن. ولهذا تظلّ العلاقة بينهما علاقة توجّس مزمن، صراع وجود لا يهدأ، محكومٌ بالتربّص المتبادل، والخيانة المحتملة، والمجازفة الكبرى.

السلطة قد تتلوّن، تتغيّر، تسقط وتعود بأقنعة جديدة، لكنها في جوهرها تظل تخشى من يدٍ تكتب خارج النص، ومن قلبٍ لا يخاف، ومن خيالٍ يذهب أبعد مما تسمح به الحدود. أما الأدب، فهو لا يعيش على حساب أحد، لكنه لا يعيش إلا حين يكون حرًا. لذلك لا يهادن، ولا يساوم، ولا يقبل أن يكون شاهد زور.في كل عصر، يظهر شاعر يعلن على مسامع الخوف:“أنا لست خادمًا… بل ضميرًا”

وفي كل زمن، تنشأ سلطة تحاول أن تشتري ذلك الضمير أو تسكته،

لكنها لا تعرف، أن الأدب، حين يُمنع من الصراخ،يتحوّل إلى همس،

ثم إلى غناء،ثم إلى صدى لا يُمحى…

ينبت في الذاكرة كعشبٍ بريّ،

لا تقتلُه الشمس، ولا تروّضه السلاسل.

لهذا، ستبقى السلطة تنظر إلى الأدب بريبة،وسيبقى الأدب ينظر إلى السلطة بسخرية.وما بين نظرة الخوف… ونظرة التحدّي،تُكتبُ القصيدة التي تغيّر العالم!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *