لم يعد المسرح، ضمن التحولات الثقافية المعاصرة، لا سيما في مجتمعات ما بعد الكولونيالية، مجرد فعل جمالي مستقل أو مساحة ترفيهية بحتة، بل غدا حقلاً دينامياً لإنتاج المعنى، تُعاد فيه صياغة الهوية وتُخاض فيه صراعات رمزية مع الآخر، سواء كان هذا الآخر مستعمراً سابقاً، أو نموذجاً ثقافياً مهيمناً، لذا يُعاد النظر في المفهوم التقليدي “للتأثير الأجنبي” بوصفه فعلاً خارجياً مباشراً، ليُفهم باعتباره علاقة معقدة تقوم على التداخل والتنازع والتفاوض، وتتخذ أشكالاً متعددة تتراوح بين الاستعارة الجمالية، والتمثّل الانتقائي، والتكييف المحلي للأنساق الوافدة.
بهذا المعنى، لا يُنظر إلى الأثر الأجنبي في المسرح بوصفه نسخة منقولة عن النموذج الغربي، بل كبنية قابلة لإعادة التفسير، يجري استيعابها داخل السياق المحلي بوسائل متعددة، منها ما هو واعٍ ومقصود، ومنها ما يتسرّب ضمن شروط الإنتاج الثقافي والاجتماعي، وفي حالة المسرح العراقي، تصبح دراسة هذا الأثر مسألة بالغة الأهمية لفهم كيف تمّ استقبال العناصر الوافدة، وكيف تمّ دمجها، أو حتى مقاومتها، ضمن مشروع مسرحي محلي يحاول أن يصوغ هويته ويعبّر عن واقعه المتحوّل.
يمثل تتبّع نشأة المسرح العراقي وتطوره ضمن سياقه الثقافي والاجتماعي مدخلاً مهماً لفهم طبيعة هذا التفاعل بين المحلي والأجنبي، وللكشف عن البنية الجدلية التي حكمت العلاقة بين الشكل المسرحي الوافد والاحتياجات التعبيرية المحلية، ومن هذا المنطلق، يقدّم الدكتور ضياء خضير في كتابه (الأثر الأجنبي في المسرح العراقي 1880 -1980 – دراسة مقارنة)، الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد 2024، قراءة معمقة لهذا المسار، من خلال تحليل نقدي للظروف الثقافية والتاريخية التي أسهمت في نشأة المسرح، مع تركيز خاص على البُعد الأجنبي ودوره في تشكيل البنية الفنية والموضوعية للعمل المسرحي العراقي.
يكشف خضير في هذا العمل عن طريقة اشتغال التأثير الأجنبي بوصفه حافزاً على التحديث أحياناً، وأداة للهيمنة أو القطيعة أحياناً أخرى، مستعيناً بمنهجية مقارنة تربط بين تطوّر الشكل المسرحي وتحولات الواقع السياسي والاجتماعي الذي ظل مؤثراً في هذا الفن منذ ولادته وحتى نهاية السبعينيات، وهكذا يتبدّى الكتاب بوصفه محاولة نقدية لإعادة قراءة التجربة المسرحية العراقية ضمن إطارها الكلّي، الذي يتجاوز ثنائية التأصيل والتقليد، ليُظهر كيف تكوّن هذا الفن في ظل جدلية الداخل والخارج، المحلي والعالمي.
ويستعرض الكتاب عبر أبوابه الخمسة مسار التفاعل بين الأجنبي والمحلي، بدءاً من الظواهر المسرحية في العراق القديم، مروراً بتجليات المسرح الديني والتاريخي، ثم الاجتماعي والواقعي، وصولاً إلى تقنيات الإعداد والإخراج، وانتهاءً بالعلاقة بين المسرح والأدب، لاسيما الشعر، حيث يكشف المؤلف أن المسرح العراقي، وإن بدأ كاستقبال شكلي للنموذج الغربي من خلال أعمال المترجمين والفرق التبشيرية، إلا أنه مع الوقت صار ساحة لإعادة إنتاج هذا الوافد، متكئاً على رصيد من التراث المحلي والهموم الوطنية.
يولي الكتاب أيضاً اهتماماً خاصاً بالكيفية التي انتقلت بها الممارسة المسرحية من الطقس الديني والاحتفالي إلى الفن التمثيلي الحديث، مشيراً إلى دور المؤسسات التعليمية والمبشرين الأوائل في إدخال المسرح إلى العراق، وخاصة في مناطق مثل الموصل والبصرة، ويربط هذا التطور ببدايات الترجمة والاقتباس، موضحاً أن النص المسرحي المستورد لم يكن يُنقل حرفياً، بل كان يُخضع للتأويل والتكييف بما ينسجم مع بنية المجتمع العراقي وتطلعاته السياسية والثقافية.
لا يقف المؤلف عند حدود التأريخ فقط، بل يمضي إلى التحليل النقدي للعلاقة بين المسرح والواقع الاجتماعي، متوقفاً عند مراحل التحول التي شهدها المسرح العراقي، خاصة مع صعود التيار الواقعي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حيث بدأت في هذه المرحلة تتبلور محاولات لخلق خطاب مسرحي محلي واعٍ بالهموم الوطنية، دون الانقطاع عن المرجعيات التقنية الغربية، غير أنه لا يغفل عن الإشارة إلى أن هذه المحاولات، رغم طموحها، كانت كثيراً ما تقع في فخ التقليد، مما أوجد فجوة بين التعبير المسرحي والواقع الاجتماعي، وجعل بعض العروض تبدو كما لو كانت غريبة عن البيئة العراقية التي تنتمي إليها. يتوقف أيضاً عند دور شخصيات محورية مثل يوسف العاني، الذي جسد الطموح إلى تقديم مسرح اجتماعي واقعي يتناول قضايا المواطن العراقي اليومية، ومع ذلك، يؤكد أن هذا الاتجاه، رغم قدرته على تمثيل هموم المجتمع، ظل يعاني من آثار النماذج الغربية التي صُدّرت إلى المسرح العراقي، مما جعل بعض التجارب تفتقر إلى الأصالة الفكرية، وتظل أسيرة لأطر درامية أجنبية لم تتجذر كلياً في التربة العراقية.
يتوسع التحليل ليشمل الجانب التقني، حيث يناقش خضير تطور الإخراج المسرحي والسينوغرافيا، مبرزاً كيف أن الانفتاح على التقنيات الغربية، رغم ما حمله من إمكانات جديدة للعرض المسرحي، ظل محكوماً بمحدودية الإمكانات المادية والمعرفية، كما أن كثيراً من التجارب ركّزت على الشكل الجمالي للعرض، على حساب العمق الفكري للنصوص، مما أدى إلى إنتاج عروض ذات طابع بصري لافت لكنها تفتقر أحياناً إلى الأسس التأويلية أو البعد الجدلي، وهو ما يطرح الحاجة إلى مساءلة نقدية حول كيفية استيعاب هذه التقنيات الوافدة، وإعادة توظيفها بما يتجاوز النقل السطحي، لتكون منسجمة مع الرؤية الفكرية والجمالية المحلية.
يرى الدكتور ضياء خضير أن المسرح العراقي استفاد من الثراء الشعري للثقافة العربية، لكنه اصطدم في كثير من الأحيان بالتوتر بين الطبيعة الجمعية للمسرح والطبيعة الفردية للشعر، مما جعل التوليف بينهما إشكالياً في بعض التجارب، فقد ظل المسرح العراقي في محاولاته لدمج الشعر مع الأداء المسرحي أسير نماذج خارجية لم تُراع دائماً الفروقات الجوهرية بين الحقول الأدبية والأدائية.
يقدم أيضاً ومن خلال جمعه بين التحليل النقدي الدقيق والقراءة المقارنة بين النصوص الأصلية والمسرحية المترجمة أو المقتبسة، عملًا يُثري حقل الدراسات المسرحية العربية، ويكشف عن تعقيدات التفاعل الثقافي بين المحلي والأجنبي في سياق ثقافي مضطرب كالذي شهده العراق خلال قرن من الزمان، فهو يقدم نموذجاً رصيناً لدراسة المسرح بوصفه موقعاً لإنتاج المعنى والهويات، لا مجرد انعكاس سلبي لمؤثرات خارجية.
وبهذا المعنى، يكون كتاب “الأثر الأجنبي في المسرح العراقي” أكثر من مجرد دراسة تاريخية، إنه محاولة نقدية لفهم المسرح العراقي بوصفه نصاً ثقافياً حياً، يتقاطع فيه السياسي والجمالي والاجتماعي، ويتجسد فيه تاريخ طويل من التفاوض، والمقاومة، والهجنة الثقافية.


