الاستعارة والحقيقة بين البنية الرمزية للنص وأفق التلقي الثقافي

الاستعارة والحقيقة بين البنية الرمزية للنص وأفق التلقي الثقافي
ينطلق التفكير في العلاقة بين الحقيقة الأدبية والخلفية الثقافية للقارئ من منطلق أساسي يتمثل في الطابع الرمزي الذي يحكم تشكل المعرفة في الأدب، لا بوصفه ميداناً لنقل الحقائق الجاهزة، بل بوصفه مجالاً لإعادة تشكيل المعنى ...

ينطلق التفكير في العلاقة بين الحقيقة الأدبية والخلفية الثقافية للقارئ من منطلق أساسي يتمثل في الطابع الرمزي الذي يحكم تشكل المعرفة في الأدب، لا بوصفه ميداناً لنقل الحقائق الجاهزة، بل بوصفه مجالاً لإعادة تشكيل المعنى ضمن بنى رمزية واستعارية تتجاوز ما هو مفهومي، في هذا الإطار، تكتسب أفكار هانس بلومنبرغ ” Hans Blumenberg”، كما تظهر في كتابه ” العمل على الأسطورة Work on Myth” وخاصة في مشروعه حول “الاستعارة المطلقة (absolute metaphor)، أهمية مركزية في فهم كيفية اشتغال الأدب كحقل لإنتاج دلالات غير مفهومية تتقاطع مع مفاهيم الحقيقة، لا لتثبتها، بل لتفككها أو تعيد صياغتها ضمن أفق ثقافي وتأويلي خاص.

يرى بلومنبرغ أن الاستعارات ليست مجرد أدوات بلاغية تزينية، بل هي بنى فكرية تشكل ما يُمكن تسميته بـ”أنطولوجيا رمزية”، أي ذلك التكوين العميق الذي تُبنى عليه تمثلات الإنسان للعالم والواقع. فحين يُستخدم الضوء مثلاً كاستعارة للحقيقة، لا يُقصد به فقط الإيضاح أو التنوير، بل يُعاد بذلك تشكيل بنية الإدراك ذاتها، وفق خلفية معرفية وأنثروبولوجية معقدة، لذا فإن الحقيقة في الأدب لا تُستوعب إلا من خلال تاريخ من التمثلات الرمزية التي تتشابك مع حاجات الإنسان إلى تخفيف “مطلقية الواقع” كما يصوغها بلومنبرغ، أي تجاوز ذلك الشعور بالتهديد الوجودي الذي يفرضه الواقع، وذلك عبر تشكيل رمزي يضفي عليه معنى، وإن كان هشاً أو جزئياً.

وإذا ما نُظر إلى القارئ بوصفه شريكاً تأويلياً في هذا التكوين الرمزي، فإن خلفيته الثقافية لا تمثل عنصراً خارجياً في فعل التلقي، بل هي جزء بنيوي منه، فالمعاني التي يُنتجها النص الأدبي لا تُفهم إلا في سياق ما يمتلكه القارئ من رموز ومخزون استعاري، وهو ما يجعل كل قراءة شكلاً من “إعادة كتابة” النص ضمن أفق ثقافي معين، يشير بلومنبرغ إلى هذا بوضوح حين يتحدث عن أن الاستعارات المطلقة لا يمكن “تحويلها إلى مفاهيم”، لأنها تؤسس لأنماط إدراك لا تخضع للمعالجة المفهومية، بل تقوم بوظائف أنثروبولوجية تتصل بالخوف، والدهشة، والحاجة إلى المعنى، لذلك فإن الصدام بين الحقيقة الأدبية، خاصة حين تتضمن مضامين علمية أو واقعية دقيقة، وبين خلفية القارئ، لا يُعد خللاً في الاتصال، بل هو كاشف لطبيعة الأدب ذاته كحقل لإعادة بناء الحقيقة داخل نظام رمزي متحرك.

لذلك وضمن هذه الرؤية لا تكون الرموز والاستعارات أدوات للتزيين، بل آليات للوجود والفهم، تُمارس ضمن شبكة ثقافية متغيرة، وهي شبكة لا يمكن ضبطها مسبقاً من قِبل الكاتب، بل يُفترض فيها التعدد والتباين، لذا فإن الفاعلية الأدبية تتوقف على قدرة النص على فتح إمكانيات متعددة للفهم، وليس على نقل حقيقة واحدة جاهزة، لا تتعلق هذه الإمكانيات فقط بجمالية النص، بل بانخراطه في “مفاوضة تأويلية” مع القارئ، تتطلب منه أن يشتغل على حدود لغته ومخزونه الرمزي، لا أن يكتفي بالاستهلاك الفوري للمعنى.

العلاقة بين الحقيقة والخلفية الثقافية

تُعد العلاقة بين الحقيقة المضمنة في العمل الأدبي والخلفية الثقافية للقارئ من القضايا المركزية في نظرية التأويل الثقافي التي بلورها الأنثروبولوجي الأمريكي كليفورد غيرتز” Clifford Geertz” في كتابه ” The Interpretation of Cultures “، فوفقاً لغيرتز، لا تُفهم الرموز أو الإشارات أو حتى الحقائق الواردة في العمل الأدبي بمعزل عن السياقات الثقافية التي تُنتَج وتُستقبَل ضمنها؛ فالثقافة بالنسبة له ليست مجرد خلفية أو إطار، بل هي “نسيج من المعاني” ينسجه الأفراد ويحيون في ظله، مما يجعل الفهم، سواء في العلم أو في الأدب، فعلاً تأويلياً في جوهره، لا استنتاجياً فحسب.

الحقائق “الموضوعية” في النصوص الأدبية

لذا وانطلاقًا من هذا الرؤية، فإن إدراج المعلومات العلمية أو الحقائق “الموضوعية” في النصوص الأدبية لا يعني بالضرورة أنها ستُفهم بالطريقة نفسها من جميع القراء، لأن التأويل مشروط بما يسميه غيرتز بـ”الوصف السميك” (Thick Description)، أي الغوص في الطبقات الرمزية والثقافية للنص والبيئة التي أنتجته، فلا يكون للرمز معنى إلا في إطار تأويلي مشترك، وإذا لم يكن هذا الإطار مشتركاً بين الكاتب والقارئ، فإن الإشارة تفقد فاعليتها، وبذلك يصبح الخطاب الأدبي حقلاً للصراع بين دلالة يُراد تثبيتها ودلالات متعددة يفرزها تنوع الخلفيات الثقافية لدى المتلقين.

هكذا يضعنا بلومنبرغ ومعه غيرتز، أمام تصور للأدب لا كمخزن للحقيقة، بل كمختبر لفهم شروط إنتاج المعنى وتلقيه في آن واحد، حيث تتواجد الحقيقة والمعنى والتأويل، لا لتتطابق، بل لتنتج توتراً خلاقاً يكسف هشاشة الثابت وثراء النسبي، ويُبرز دور القارئ كفاعل في بناء ما يُفهم، لا كمتلق سلبي لما يقال.

كذلك لا يمكن الحديث عن “حقيقة” واحدة ثابتة تتضمنها الأعمال الأدبية، بل عن مجموعة من “الحقائق المؤوَّلة” التي تُنتج في لحظة التلقي، فالنص لا يحمل دلالته في ذاته، بل في علاقته بالسياق الثقافي للمتلقي، وإذا كانت الوظيفة الجمالية للنص تفترض غالباً انزياحاً عن الواقعي أو العلمي، فإن تضمين الحقائق العلمية لا يكون هدفه تقديم المعرفة في ذاتها، بل إعادة إنتاجها داخل بنية رمزية تؤثر في المتلقي، وتحرّك مخزونه الثقافي والمعرفي.

ينطبق الأمر نفسه على استخدام الرموز والاستعارات؛ فهي ليست مجرد أدوات بلاغية، بل أدوات معرفية تُستثمر لإنتاج تأويلات ذات طابع ثقافي، ولكنها، في الوقت ذاته، مهددة بعدم الفعالية إذا افتقر القارئ إلى ما يكفي من “الانتماء التأويلي” للسياق الذي وُلدت فيه، وهنا تتجلى إشكالية القارئ المفترض، الذي لا يُبنى بوصفه كائناً متجانساً، بل كافتراض ثقافي يحمل في طياته توتراً مستمراً بين ما يُفترض أن يُفهم وما يُفهم فعلاً.

وبذلك لا ينتج الأدب، من منظور غيرتز، الحقيقة بمفهومها العلمي أو الموضوعي، وإنما يُنتج “قابليات للفهم” تُختبر ضمن شبكة من المعاني الثقافية، ولا يمكن فهم تأثير الأدب أو فعالية خطابه دون استحضار هذه الشبكة التي لا تُبنى في النص فحسب، بل في وعي القارئ وسياقه المعرفي أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *