إن ما يثير الانتباه في مقالة الدكتور رشيد الخيون التي نشرتها له جريدة النهار اللبنانية في 23/8/2025 ((خنجر أبي لؤلؤة ذو الرأسين مداليات في أعناق الصبيان!)) هو أنها تقدم خطاباً يتعامل مع الرموز التاريخية والدينية على نحوٍ تبسيطي، ينطوي على قدر من الانفعال والتسرع في إطلاق الأحكام، أكثر مما ينطوي على تحليل نقدي رصين، فبدلاً من أن تتجه المقالة نحو تفكيك الظاهرة وتحليل أبعادها الاجتماعية والثقافية، تكتفي بإطلاق أحكام قطعية وتوصيفات جازمة من قبيل ((إلى أين تذهبون برقاب وعقول صبيانكم وشبابكم، وأنتم تعوذونهم بطائفية متوحشة؟))، وهي لغة أقرب إلى الخطاب الوعظي الانفعالي منها إلى البحث الموضوعي.
إذ تكمن الإشكالية هنا –كما أعتقد- في الطريقة التي اعتمدها الكاتب في الربط بين ((سيف ذي الفقار)) وبين ((خنجر أبي لؤلؤة))، وكأن مجرد تشابه بصري محتمل، أو مزعوم، لرمز ما كافٍ لتشييد فرضية واسعة تتهم جملة من الناس بتزوير الوعي التاريخي، لذلك لا يبدو هذا الربط موفقاً، إذ يبقى السؤال مطروحاً حول مدى معرفة الناس بتفاصيل شكل خنجر أبي لؤلؤة، وحول ما إذا كان تداول صورة السيف ذي الشفرتين نتيجة لهذا التشابه المفترض أم أنه مجرد رمز موروث، دون وعي قصدي للتداخل مع حادثة اغتيال عمر بن الخطاب.
جدلية الرمز والتأويل الطائفي
كما لا توجد أيضا دلائل تاريخية على أن الشيعة بوصفهم جماعة مذهبية، قد اعتبروا علياً مشاركاً في اغتيال عمر أو حتى على صلة بخنجر أبي لؤلؤة، بل على العكس، النصوص العقائدية والتاريخية الشيعية تكاد تخلو من أي إشارة إلى هذا الربط، فافتراض وجود وعي جمعي يجعل من السيف المشقوق رمزاً مقترناً باغتيال الخليفة الثاني، إنما هو قراءة تعسفية تفتقر إلى الأساس المادي، وتستند أكثر إلى الانطباعات الأيديولوجية التي تحكم رؤية الكاتب للظاهرة.
والجدير بالذكر أيضاً أن المقالة تجعل من النصب التذكارية والمداليات دليلاً على “تحوير مقصود بلؤم”، مع أن هذه الممارسات الرمزية كثيراً ما تكون مشبعة بالخيال أكثر من كونها فعلاً سياسياً واعياً، لذلك كان من الأجدر بالكاتب أن يميز بين الذاكرة الشعبية التي تتغذى من الخيال والرمز، وبين الخطاب الأيديولوجي الذي يتعمد التزييف لتحقيق أهداف طائفية، فطمس هذا التمييز يجعل المقالة تنزلق إلى تعميم لا يقل خطورة عن التزوير الذي يتهم به الآخرين.
وما يزيد الأمر التباساً أن الكاتب يحيل إلى التاريخ لإثبات أن السيف لم يكن مشقوق النصل، وأنه لم يُوصف بذي الرأسين إلا في روايات لاحقة، ولكن حتى لو سلمنا بهذا الاختلاف، فالسؤال يبقى ما الذي يترتب على هذا التغير الرمزي؟ هل يعني ذلك أن كل من يضع مدالية لسيف ذي الفقار متورط في مشروع طائفي؟ أذ أن مثل هذا الاستنتاج يفتقر ربما إلى التوازن، ويمثل توسعاً في الاتهام على حساب الدقة النقدية.
إذ ينبغي للنقد الرصين أن يلاحظ التفاوت بين مستويات القراءة؛ فهناك مستوى عقائدي، ومستوى رمزي-شعبي، ومستوى سياسي، لكن المقالة تذيب هذه المستويات في قراءة واحدة متعجلة، تضع الجميع في سلة واحدة، وكأن تداول صورة السيف المشقوق لا يمكن أن يكون إلا نتاجاً لنية طائفية مغرضة.
لذلك فالنقاش لا ينبغي أن ينصب على نفي أو إثبات “التحريف” في صورة السيف، بل على مساءلة الطريقة التي تُبنى بها الخطابات النقدية، وهل نحن أمام تحليل موضوعي للظاهرة أم أمام قراءة متأثرة بالهواجس الطائفية نفسها التي تنتقدها؟ فمقاربة الكاتب، في نهاية المطاف، لا تخرج عن دائرة الخطاب الانفعالي الذي يذم ويهاجم، لكنه لا يفتح أفقاً حقيقياً لفهم الظاهرة في أبعادها التاريخية والرمزية والاجتماعية.
ندرك حين نقرأ هذه المقالة بعين نقدية، أن أكبر مخاطرها ليس في كشفها المزعوم لزيف صورة السيف، بل في الطريقة التي تعيد من خلالها إنتاج منطق الإدانة الطائفية ذاته، إذ تنتقل من نقد “التحوير” إلى إدانة مجتمع بكامله، وتتهمه بأنه يربي أبناءه على الجهل والتوحش الطائفي، إذ أن هذا التعميم لا يقل اختزالاً عن المزاعم التي يرفضها، لأنه يغفل تنوع الممارسات والقراءات داخل الجماعة نفسها.
لذلك يبدو ضرورياً أن نعيد التفكير في المسألة كلها ضمن علاقة ديالكتيكية أوسع بين الرمز والتاريخ والمخيال الشعبي، إذ تكشف هذه العلاقة أن الرموز ليست معطيات جامدة بل كائنات حية تتبدل صورها مع الزمن، وأن هذا التبدل-إن صح- لا يعني بالضرورة تزويراً أو نية مغرضة، بل قد يكون تعبيراً عن دينامية الثقافة، فمقاربة من هذا النوع وحدها قادرة على تحرير النقاش من الانزلاق إلى خطاب اتهامي يعيد إنتاج الانقسام بدل أن يفتح مجالاً لفهم أعمق وأكثر إنصافاً.


