يشكّل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546 الصادر بتاريخ 8 حزيران/يونيو 2004 محطة مفصلية في إعادة تشكيل العلاقة بين العراق والمجتمع الدولي بعد الاحتلال الأمريكي. وبالرغم من أن القرار أقرّ رسميًا بانتهاء سلطة الاحتلال، فإنه فتح الباب أمام نمط جديد من التبعية القانونية والسياسية، عبر منح تفويض دولي باستمرار وجود القوات الأجنبية بناءً على طلب داخلي.
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية لهذا القرار في ضوء القانون الدولي، وتقييم مدى تحقق مبدأ السيادة الوطنية فعليًا، عبر تتبع السياقات السياسية والمؤسسية التي رافقت تطبيقه. كما تسعى الدراسة إلى تحديد إنْ كان هذا التفويض امتدادًا للهيمنة الخارجية أم ناتجًا عن إرادة محلية مستبطنة لهذا النموذج من العلاقة مع المجتمع الدولي.
من منظور القانون الدولي وعلم العلاقات الدولية، يُعد قرار مجلس الأمن 1546 وثيقة مرنة، تتيح للدولة العراقية هامشًا واسعًا من السيادة المشروطة بإرادتها الذاتية. غير أن تحليل التطبيق العملي لهذا القرار يكشف عن مفارقة بنيوية: فبينما أعاد القرار الاعتراف بسيادة العراق، بقيت أدوات هذه السيادة مجمدة أو معطّلة بفعل الحسابات السياسية الداخلية.
إن استمرار تواجد القوات الأجنبية على الأراضي العراقية لم يكن نتيجة “احتلال متجدد” ، بل انعكاسًا لضعف الإرادة السياسية الوطنية في تفعيل بنود القرار التي تُخوّل الحكومة العراقية طلب إنهاء التفويض متى شاءت. ومن هنا، فإن غياب القرار السيادي ليس مردّه إلى النصوص الدولية، بل إلى بيئة سياسية داخلية مأزومة تُفضل الاتكاء على الحماية الدولية لضمان استمراريتها، ولو على حساب الشرعية الشعبية أو الكرامة الوطنية.
في هذا السياق، تُجسّد التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين في الدولة بشأن التفاوض على إخراج قوات التحالف الدولي مثالًا واضحًا لما يمكن تسميته بـ”التضليل الناعم”، إذ يتم من خلالها نقل المسؤولية من الأطراف التي تتحمّل فعليًا تبعات القرار، إلى أطراف أخرى لا تمتلك سلطة حقيقية عليه.
يُدرك الجميع أن البرلمان العراقي، بواقعه الحالي، يعاني من ضعف الصلاحيات الفعلية، وأن الكثير من النواب لا يمثلون الإرادة الشعبية، بل يعكسون توجهات الكتل التي دفعتهم. وقد تجلى ذلك بوضوح في ما وُصف بـ”المسرحية” التي مرّرت في البرلمان بشأن إخراج قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وهو تصويت لم يكن سوى خطوة شكلية لذر الرماد في العيون وتحقيق مكاسب آنية، في حين أن الجميع، بمن فيهم رئيس الوزراء آنذاك، يدرك أن رسالة رسمية منه إلى الأمين العام للأمم المتحدة كانت كافية لإنهاء بعثة الأمم المتحدة، وبالتالي إنهاء وجود قوات التحالف المكلفة بحمايتها.
بناءً على ذلك، فإن الإيحاء بأن البرلمان قادر – بواقعه الحالي – على اتخاذ قرار مستقل بشأن إخراج قوات التحالف، هو نوع من التضليل السياسي الذي يخفي الحقائق البنيوية لاختلال موازين السلطة في العراق، ويضع المسؤولية في غير موضعها.
فمن المعلوم أن جميع القوات الأجنبية التي شاركت في احتلال العراق كانت خاضعة لإطار قانوني صدر عن مجلس الأمن الدولي، حدد بشكل واضح أن سلطة الاحتلال تنتهي في موعد أقصاه 30 حزيران/يونيو 2004. ووفقًا لهذا القرار، أُسندت المهام السيادية والانتقالية إلى بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، المكلفة بإعادة هيكلة الدولة، والمساهمة في كتابة الدستور، والتحضير للانتخابات، وكان يُفترض، وفقًا للمنطق الدستوري والسياسي، أن تُنهي بعثة الأمم المتحدة مهامها بمجرد تسلُّم أول حكومة منتخبة لصلاحياتها، باعتبار أن المرحلة الانتقالية قد انتهت آنذاك، ولم تعد هناك حاجة لاستمرار التفويض الدولي، خصوصًا أن قرار إنهاء هذا التفويض مرتبط بالحكومة العراقية حصراً.
ويُستند وجود هذه البعثة إلى قرار سنوي يصدر بطلب من الحكومة العراقية المنتخبة، كما أن تأمينها يتم من خلال تشكيل قوات متعددة الجنسيات تُعرف باسم “قوات التحالف الدولي”، والتي تخضع لقيادة الولايات المتحدة بموجب ذات القرارات الأممية.
ما الذي يعنيه ذلك؟
يعني أن الحكومة العراقية تمتلك القدرة القانونية الكاملة على إنهاء وجود هذه البعثة، وبالتالي إنهاء تفويض قوات التحالف المسؤولة عن حمايتها. فبمجرد عدم طلب التجديد من قبل الحكومة، تُصبح مهمة البعثة منتهية، وينتهي معها وجود القوات المكلفة بتأمينها.
هذه هي الحقيقة الدستورية والقانونية المجردة. وعليه، فإن استمرار وجود هذه القوات مسؤولية الحكومة العراقية وحدها.
أما الخطاب المتكرر حول “التفاوض” و “تحديد جداول زمنية” فهو مجرد خطاب مموَّه يهدف إلى امتصاص الضغط الشعبي دون اتخاذ قرارات فعلية. كما أن الترويج لفكرة أن إخراج هذه القوات يتطلب قرارًا جديدًا من مجلس الأمن، يعكس إما جهلًا واضحًا بسلسلة القرارات الصادرة عن المجلس، أو محاولة متعمدة لتضليل الشارع العراقي، الذي لم تُتح له الفرصة الكافية للاطلاع على هذه الوثائق القانونية الدولية.
من المسائل الجوهرية التي تثير جدلًا واسعًا هي مسألة وجود القوات الأمريكية وانتشار أكثر من ثمانية عشر قاعدة لها على الأراضي العراقية.
فبعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 1546، الذي نص صراحة على إنهاء سلطة الاحتلال بحلول 30 حزيران/يونيو 2004، أصبح الوجود العسكري الأمريكي في العراق، من الناحية القانونية، وجودًا غير مشروع خارج إطار الشرعية الدولية.
غير أن الواقع لم يتطابق مع هذا التحول القانوني، إذ واصلت القوات الأمريكية نشاطها على الأرض، وسط تزايد الفوضى الأمنية، وتصاعد العنف الطائفي، وظهور جماعات إرهابية، وذلك بين عامي 2004 و 2008 . وقد رُبط هذا الانفلات – في تحليلات متعددة – بسياسات الاحتلال نفسها، التي يُعتقد أنها ساهمت في تأجيج التوترات الداخلية وتفكيك البنية الأمنية العراقية.
وأمام هذا الواقع، سعت “السلطة المدنية العراقية” – كما يُسمّيها البعض – إلى توفير غطاء قانوني جديد للوجود الأمريكي، وذلك من خلال توقيع ما عُرف بـ “اتفاقية الإطار الاستراتيجي” مع الولايات المتحدة عام 2008 . وقد تضمنت هذه الاتفاقية نصًا على انسحاب القوات الأمريكية بحلول عام 2011 ، لكنها في الوقت ذاته سمحت ببقاء قواعد عسكرية ومستشارين أمريكيين على الأرض العراقية.
ورغم أن هذه الاتفاقية قُدّمت آنذاك كـ “إنجاز سيادي”، فإنها عمليًا منحت شرعية مستحدثة لبقاء القوات الأمريكية، بما يتعارض مع روح قرار مجلس الأمن 1546، ويكرّس ما يُوصف بـ “الاستعمار الناعم” عبر الاتفاقيات الثنائية بدل الاحتلال الصريح.
ومن هذا المنظور، فإن تجديد وجود القوات الأمريكية وقواعدها لم يكن مجرد ضرورة أمنية ظرفية، بل كان ثمرة توافق بين الولايات المتحدة وبعض الأطراف الحاكمة في العراق، وهو ما يكشفه بوضوح نص القرار 1546، الذي سنُخصص له قراءة مفصلة في الفقرات القادمة.
عند مراجعة قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالحالة في العراق، تتولد قناعة راسخة بأن بعض القوى السياسية العراقية، أو من يتصدر المشهد منها، أظهر استعدادًا للقبول بالوصاية الدولية والتفريط بالسيادة، انطلاقًا من مصالح ذاتية ضيقة لا تمت بصلة إلى المصلحة الوطنية. وتُفضل استمرار الوجود الأمريكي العسكري.
هذا الميل لا يبدو نابعًا من تقدير لمصالح الدولة، بقدر ما يعكس خشية سياسية من فقدان النفوذ والسلطة في حال انتهاء الغطاء الدولي. إذ إن بقاء بعثة الأمم المتحدة واستمرار الدور الأمريكي يُنظر إليهما من قبل بعض القوى السياسية كـ “صمام أمان” يضمن بقاءهم في المشهد الحاكم، ويحول دون إعادة ترتيب السلطة الداخلية عبر مسارات وطنية مستقلة.
في هذا السياق، لا يُعد انتهاك السيادة، أو تنازل ضمني عن مساحات نفوذ داخل العراق لصالح دول الجوار، أو تغلغل أجندات ثقافية وإعلامية خارجية – مهما كانت حساسية مضامينها – محل أولوية لدى بعض الأطراف، ما دام ذلك لا يهدد توازن السلطة ومصالحها المباشرة.
وتُطرح علامات استفهام بشأن بعض التصريحات والمواقف، مثل تصريحات قادة إقليميين عن علاقاتهم بإسرائيل، أو الترويج لثقافات وقضايا جدلية مثل “الجندر” من دون إطار تشريعي وطني واضح، أو حتى بروز جماعات دينية متطرفة بغطاء سياسي داخلي، مما يعكس مستوى التعقيد والتداخل في ملفات السيادة، والدين، والثقافة.
إن المشكلة الأعمق لا تكمن في هذه المظاهر وحدها، بل في أن بعض القوى السياسية ترى في استمرار الواقع الحالي ضمانًا لتقاسم السلطة والمصالح، حتى لو تم ذلك على حساب الهوية الوطنية والاستقلال السيادي.
صحيح أن قرار مجلس الأمن رقم 1483 فرض نوعًا من الوصاية الأنكلو-أمريكية على العراق بعد الاحتلال، إلا أن التوقف عند هذا القرار وحده لا يكفي لفهم المشهد السياسي والقانوني المعقّد الذي تشكل لاحقًا.
فلفهم طبيعة هذه الوصاية، وإن كانت مفروضة دوليًا أم مدفوعة بإرادة محلية، لا بد من توسيع زاوية النظر لتشمل القرارات اللاحقة، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 1546 الصادر بتاريخ 8 حزيران/يونيو 2004، والذي يشكل نقطة تحول مهمة.
يتضمن القرار رسالة رسمية من رئيس الوزراء العراقي آنذاك، يطلب فيها استمرار عمل القوات متعددة الجنسيات في العراق، ما يعني أن تمديد وجود هذه القوات تم بموجب طلب داخلي رسمي.
ويؤكد القرار في البند (2) على إنهاء الاحتلال بحلول 30 حزيران 2004، وانتهاء سلطة الائتلاف المؤقتة، في حين يشير البند (9) إلى أن بقاء القوات متعددة الجنسيات مشروط بـطلب من الحكومة العراقية.
أما البند (12)، فينص على إمكانية إنهاء ولاية هذه القوات خلال 12 شهرًا أو قبل ذلك، في حال طلبت الحكومة العراقية ذلك.
وفي البند (13)، يدعو وزير الخارجية الأمريكي إلى تشكيل كيان أمني مستقل من هذه القوات لحماية بعثة الأمم المتحدة، مما يعني أن استمرار هذه القوات بات مرتبطًا بوجود البعثة الأممية.
ويُعزز ذلك ما نص عليه البند (31) من القرار، حيث طُلب من الولايات المتحدة تقديم تقارير فصلية إلى مجلس الأمن بشأن عمليات القوات، وهي آلية رقابية لا تزال قائمة رغم تغير الظروف السياسية الميدانية.
ثم يأتي قرار مجلس الأمن رقم 1557 الصادر في 12 آب/أغسطس 2004، حيث ينص في البند الأول منه على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لمدة 12 شهرًا بطلب من الحكومة العراقي، وهو ما أصبح تقليدًا متكررًا منذ ذلك الحين، حيث تطلب الحكومة العراقية في كل عام تمديد ولاية البعثة، ما يمنح الغطاء القانوني المتجدد لبقاء القوات متعددة الجنسيات تحت مبرر “حماية البعثة الأممية” .
بذلك، يظهر أن استمرار وجود القوات الأجنبية على الأرض العراقية ليس إرادة دولية مفروضة، بل استجابة مباشرة لطلبات رسمية من الحكومة العراقية نفسها. ما يجعل المسؤولية داخلية بالدرجة الأولى، لا دولية.
إن قراءة دقيقة لتسلسل قرارات مجلس الأمن، بدءًا من القرار 1546، تكشف أن الوصاية الدولية لم تُفرض من الخارج، بل كانت – ولا تزال – نتيجة توافقات داخلية وخيارات سياسية محسوبة، تتحمل فيها الطبقة الحاكمة مسؤولية مباشرة عن واقع السيادة المؤجلة في العراق.
ويبرز من ذلك أن إشكالية السيادة في العراق ليست قانونية، بل سياسية في جوهرها، مرتبطة بهشاشة القرار الوطني وتغليب منطق التوازنات الحزبية والفئوية على حساب استقلال القرار السيادي.
تكشف القراءة التحليلية لقرار مجلس الأمن 1546 وما تلاه من قرارات أن إشكالية السيادة في العراق تجاوزت البُعد القانوني، لتتحول إلى أزمة سياسية داخلية ترتبط بضعف القرار الوطني وتضارب المصالح بين القوى الفاعلة. إن منح الحكومة العراقية صلاحيات قانونية واضحة لإنهاء التفويض الدولي لم يقترن بإرادة سياسية مستقلة لتفعيل تلك الصلاحيات.
ومن هنا، فإن مستقبل السيادة الوطنية في العراق لا يتطلب تعديل النصوص أو القرارات الأممية، بل يتطلب بناء مؤسسات وطنية قوية تمتلك القدرة على اتخاذ القرار السيادي بعيدًا عن الضغوط الداخلية والخارجية. الأحداث والمعطيات تُحتم إعادة تقييم العلاقة بين الحكومة العراقية والمجتمع الدولي، ضمن مسار وطني يستعيد السيادة ويعزز استقلال القرار السياسي.


