أربعينية الإمام الحسين حين يزعجهم النقاء وتُهاجَم القداسة

أربعينية الإمام الحسين حين يزعجهم النقاء وتُهاجَم القداسة
زيارة الأربعين تجسّد أسمى معاني العطاء والإيثار، وترفض اختزالها في حسابات مادية ضيّقة. هي مسيرة إيمان وكرامة، توحّد الملايين على نهج الحسين لمقارعة الظلم، وتبقى منبرًا حيًّا للقيم والمبادئ عبر الزمان....

حين تُختزل زيارة الأربعين في معادلاتٍ اقتصاديةٍ جافّة، ويُنظر إليها من زاوية الإنفاق والمصروفات فحسب، نكون قد أوقعنا أنفسنا في شركِ قراءةٍ سطحيةٍ تُظهر حرصًا ظاهريًا، وتُخفي جهلًا عميقًا بروح هذه الشعيرة وقداستها.
وكأن عظمة هذا الحدث تُقوَّم بحجم المال المبذول، لا بفيض القيم المترسّخة في دروبه، ولا بنور المبادئ التي تسري في خطى الزائرين.

وكأن كرم العراقيين المتفجّر في تلك الأيام يُعدّ تبذيرًا، لا سموًّا في العطاء، ولا انعكاسًا لصفاء الروح حين تسمو فوق كل حساب، فتعطي بلا منٍّ، وتُكرم بلا قيد، وتُحسن بلا انتظار جزاء؛ وكأنما الأرض تزهر بالمروءة، والسماء تمطر بالأُخوّة.
الإمام الحسين عليه السلام ليس مجرد رمزٍ دينيٍّ في ذاكرة الأمة، بل هو صرخة المظلومين التي لا يخبو صداها، وراية الثائر الذي لم يرضَ بالذلّ لحظة، ولم يُداهن في حقٍّ يومًا.

هو الشعلة التي أضاءت درب الإنسانية حين لفّها ظلام الاستبداد، وهو ميزان الكرامة، ومقياس الطهر الثوري، ومرآة الإنسان حين يختار الموت عزيزًا على أن يحيا ذليلًا.

أما أربعينيته، فليست مناسبةً تُؤرَّخ وتنقضي، بل هي نهرٌ من الوعي لا ينضب، ومشعلُ عهدٍ لا يخبو، تسير فيه الملايين — يتقدّمهم العراقيون، أبناء الأرض التي عبقت بدمه الطاهر — ليستعيدوا بها هويتهم، وينقشوا في دروب كربلاء معالم ذواتهم، مؤكدين أن هذه الأرض لم تكن ساحة معركةٍ وانتهت، بل صارت ضميرًا يقظًا لا يعرف السكون، ورسالةً لا يطويها النسيان.

كربلاء ليست ماضيًا يُروى، بل وعدٌ يُستأنف، ونبضٌ حي في شرايين الأحرار، يُنذر العالم بأن السكون أمام الظلم خيانة، وأن مقارعة الطغاة ليست خيارًا، بل فريضة تسري في دم كلّ من لا يزال للحرية في قلبه وطن.
لا يمكن أن يُختزل السير إلى الإمام الحسين عليه السلام، مشيًا على الأقدام، في أبعادٍ ماديةٍ باردة، وكأنما يُقاس بعين الربح والخسارة، أو يُوزَن بميزان التكاليف والعائدات.

فثمّة في هذه الخطوات شيءٌ لا يُشترى، ولا يُباع، ولا يُقاس. فليس كل ما في الحياة يُقوَّم بالنقد والميزان، فبعض الأمور تُوزَن بالقلوب، وتُقاس بالدموع، وتُفهم بالوجدان.

المعاني السامية التي تنبعث من المسير نحو الضريح الطاهر لا يُدركها إلا من خطا تلك الخطوات، واختبرها بالجَسد والروح.
فإن كنت تبحث عن التجليات الحيّة لنكران الذات، ستجدها ماثلة في خدمة زائر، أو مسح غبار، أو تقديم لقمةٍ بتواضع أمير.

وإن كنت تبحث عن ذوبان الفوارق الطبقية، فانظر في عيون السائرين: لا غني ولا فقير، لا سيّد ولا تابع، بل قلوبٌ تسير جنبًا إلى جنب، تخطو نحو المعنى، لا نحو المظهر.

أما الكرم، فهناك يبلغ مداه؛ وأما الإيثار، فثمّة يتجسد في أبهى صُوَره؛ وأما التضحية، فترى من يقدّم وقته، وماله، وراحته، في صمتٍ نبيلٍ لا ينتظر شكرًا ولا ثناءً.

هي مسيرة نحو الحسين، لكنها أيضًا مسيرة نحو الإنسان، نحو تطهير القلب من أدران الدنيا، وارتقاء الروح إلى عوالم أسمى.
يخسر — واللهِ — خسارةً فادحة، من لم يُعطّر قدميه بخطواتٍ في طريق العلا، نحو ريحانة رسول الله، وسِبطه الشهيد، الإمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ابن فاطمة الزهراء، وسيد شباب أهل الجنة، الذي خطّ بدمه دستور الكرامة، وأيقظ فينا ضمير الإنسانية.

ثم التفتُّ إليك… إليك يا من لم تهدأ صرخاتك في قنوات الفتنة والتكفير، يا من جعلت من الإعلام منبرًا للشيطان، ومن المهرجانات العبثية دينًا جديدًا.

أسألك: لمَ كلّ هذا التحامل؟ ما الذي أزعجك من مسيرنا نحو قبلة الأحرار؟ هل نحملك معنا إلى القبر؟ هل تُحاسب معنا بين يدي الواحد القهّار؟

ما الذي سرقناه منك؟ أمنعناك عن رزقك؟ سلبناك حريتك؟ تعدّينا على حقٍّ لك؟ أم أنّك ببساطة لا تحتمل أن ترى ملايين الأحرار يحيون ذكرى مَن لا يزال موته يفضح صمتكم؟

أهمس في أذنك — لا غلظة، بل تحقيرًا لما تمثّله —: الزم بول بعيرك، فهو أليق بك.
فما دام مذاقه قد أطفأ بصيرتك، فلا عجب أن تعجز عن رؤية مذابح الصهاينة في غزّة، ولا عن شمّ رائحة الذلّ في مليارات الجزية المدفوعة لأباطرة الغرب، ولا عن إدراك نزيف سوريا الذي تموّله أياديكم.
لا ترى شيئًا من هذا، لكن بصرك — الذي فقد البصيرة — لا يتحرّك إلا ليراقب طفلًا اقتطع من مصروفه ليقدّم شربة ماء لزائر حسيني، أو شيخًا كبيرًا ينفق من حرّ ماله حبًّا للحسين.

لا ترى إلا كرم العراقيين وهم يطبخون من أعماق قلوبهم، لا من وفرة أموالهم، ليقدّموا للزائرين طعامًا ممزوجًا بالإخلاص.
ومن كل ريف ومدينة، من الشمال حتى الجنوب، من الشرق حتى الغرب، تقف الملايين، تسير في صمتٍ جليل، لا يصدّها حرّ ولا برد، كلّها تتجه إلى كربلاء.

كربلاء… ليست أرضًا فقط، بل معنى يُعاش، ودرس يُتجدّد، وحكاية تُروى — لا في موسمٍ وحسب — بل على مدار العام، في القلوب، والدموع، والضمائر، وفي المواقف التي لا تموت.

يُحدثونك اليوم عن “الاستثمار الأمثل” لأموال الأربعين، ويُحاضرون في “ترشيد النفقات” و”صناديق الأجيال”، وكأنهم قد صحوا لتوّهم من غفلتهم، لا ليُصلحوا، بل ليتاجروا بأقدس ما تبقّى من روحية هذا الشعب.

يقترحون أن يُحوَّل الكرنفال الحسيني العظيم إلى مشروعٍ اقتصاديٍّ ماديّ، وكأن النفوس التي تمشي إلى الحسين يمكن أن تُوزَن بميزان السوق، أو تُقاس بعائدات الربح والخسارة!

لكنهم ينسون — أو يتناسون — أن هذه الأرض لم تُبتلَ بالأزمة المالية، بل بوباء السرقات المنظّمة.
في بلدٍ نُهبت ميزانياته عامًا بعد عام على أيدي لصوص محترفين، لا يسرقون في الظلام، بل تحت أضواء البرلمان.
سُلبت الموازنات، وجُرّدت صناديق التقاعد، وصودرت التأمينات، ونُهبت عائدات المنافذ، والموانئ، والمطارات، وتمّ السطو على الأراضي والعقارات…

كل ما في الدولة كان قابلاً للبيع أو النهب أو الرهن، إلا دموع الزائرين، وخطواتهم الطاهرة، وأقدامهم الحافية التي تسير نحو الحسين.

فيا من تتحدث عن “الاستثمار الأمثل”، ابدأ أولًا بوقف نزيف الخيانة، لا بتكميم صوت العشق الحسيني.
فعن أي “صناديق” تتحدثون؟ وأي “أجيال” يُؤتمن على مستقبلها أولئك الذين جعلوا من اللصوصية حرفة، ومن الفساد مؤسّسة، ومن الفشل نظام حكم يُعاد إنتاجه كل صباح؟

أيّ مواطنٍ عاقلٍ يثق بدولةٍ تنهشها ذئاب المحاصصة، ويأكلها سوس النهب من الداخل؟ كيف يُصدّق أن فلسًا واحدًا سيُحفظ له في وطنٍ يتقاسمه القراصنة كما تُقسم الغنائم بين الغزاة؟

إن كنتم حقًا حريصين على المال العام، فأين سهام نقدكم من الهدر الحقيقي؟ من تلك المليارات التي تُهدر على قنوات تمتهن تلميع الفاسدين، وتصنع من الخيانة وجهًا إعلاميًا مقبولًا؟

أين أنتم من الإعلام المأجور الذي يُزيّف وعي الأمة، ويصادر عقول الشباب لصالح ثقافة التفاهة والخضوع؟
لماذا لا تُشهر سكاكينكم النقدية إلا في وجه موكبٍ يوزّع طعامًا، أو طفلٍ يشعل شمعة حبٍّ على طريق كربلاء؟ هل بلغ بكم الحقد أن تُهاجموا الكرم وتُدافعوا عن النهب؟!

وإن كان لا بد من “استثمار”، فأين أنتم من الاستثمارات الوهمية التي تُرتكب باسم النهضة؟
من تلك المجمعات الحزبية التي تُباع فيها الشقق بأضعاف أثمانها، بينما تُسلب أقساطها من رواتب الكادحين؟ والمستثمر لم يُنفق فيها دينارًا من ماله، بل استثمر في فساد النظام وجشع السماسرة.
كفّوا عن تسويق الوهم، فللناس وعيٌ لم يعد يُخدع، وللحسين زائرون لا يُشترون، ولا يُباعون.
ثم ما إن تقترب الأربعينية، حتى ترتفع من جديد تلك الأصوات المشبوهة، تتحدث عن “الإسراف”، وكأن حبّ الحسين عليه السلام صار ترفًا، وخدمة زائريه باتت بذخًا، والعطاء في سبيل الله جريمة مالية يُحاسَب عليها المؤمنون!
يغفلون — أو يتغافلون عن عمد — أن ما يُبذل في الأربعين لا يخرج من خزائن الدولة، ولا يُقتطع من ضرائب تُهدر في مشاريع وهمية، بل هو من حرّ مال الناس، من مدّخرات القلوب لا الجيوب، من فيض الحبّ، لا فائض الميزانيات.
بل هو، واللهِ، أعظم استثمار عرفته هذه الأمة: استثمار في ضميرها الحي، في صفاء نفوسها، في القيم التي أراد الحسين أن تبقى منقوشةً في السلوك، لا ميتةً في الشعارات.

إن زيارة الأربعين اليوم لم تعد طقسًا دينيًا فحسب، بل غدت أعظم تظاهرة بشرية عفوية على وجه الأرض.
مشهد تتجلّى فيه قدرة هذا الشعب — وكل الأحرار من حوله — على تحويل الألم إلى طاقة، والدمعة إلى وعي، والحب إلى عطاء، والولاء إلى مسيرٍ لا يتوقف، يُمشى عليه بالأقدام لا بالكلام.
تحية إجلال وإكبار لكل من بذل وقته، وجهده، وماله، وصحّته، وراحته، ليُسهم في صنع هذا الكرنفال الروحي الخالد، الذي تُحجّ فيه الأرواح قبل الأجساد، وتُطهّر فيه النفوس قبل الأقدام.

وبئسًا لكل من أراد أن يُلوّث هذا النقاء باسم “الاقتصاد” أو “الوطنية”، وهو لا يملك من الوطنية إلا قناعًا يخفي خلفه مشروعًا مفضوحًا للنهب والمصادرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *