أخطر ما يمكن أن يُبتلى به العقل الجمعي، أن يتصور البعض أنهم أنبياء حكمة، بينما هم يعيدون إنتاج أوهامهم الشخصية بثياب الفتاوى!!!
اشارات في الاستعلاء الثقافي وتشظيات الإرشاد الكاذب في المشهد العراقي المعاصر!!
لا شيء أشد وطأة على الوعي الجمعي من تلك اللحظة التي يتحول فيها الكاتب، أو الشاعر، أو من يدّعي امتلاك رؤى فكرية، إلى “نبي وصايا” يطوف المجالس الثقافية، يصدر الأحكام، ينصب نفسه ميزان الحقيقة، ويفرض على الآخرين طاعته لا بقوة المنطق، بل بشعور عميق بالنرجسية والاصطفاء. لقد تفشّت في السنوات الأخيرة هذه الظاهرة بشكل مقلق في الوسط الثقافي العراقي، حيث تتبدى في تصريحات، مقالات، وحتى منشورات عابرة، تفيض بالغرور وتستبطن احتقاراً غير معلن للآخرين.
وليس في الأمر ما يُدهش كثيراً، إذا ما تأملنا ما كتبه ألبرت كامو حين قال:
“الإنسان الذي يطالب الآخرين بأن يصغوا إليه بوصفه المعلّم، إنما هو في الغالب طفل لم يستطع أن يتقبل رفض أمه لرأيه الأول!”
الكاتب الذي يتحول إلى ناصح لا يخطئ، ينسى أول ما يجب أن يتعلمه كل من يكتب: الشك. وحين يغيب الشك، يحضر الادعاء، وتبدأ مرحلة “الرسالة الكاذبة” حيث يتصور فيها صاحبها أن خلاص الأمة يبدأ بكلماته، وأنه وحده من يمتلك الوعي، والحكمة، والمعرفة. هكذا يولد “نبي الوصايا”.وقد سبق لـ ميشيل فوكو أن أشار إلى هذا النوع من القمع الثقافي المقنع، حين وصفه بـ”التطويع المعرفي للآخر المختلف”، وهو يعني به تلك الحاجة الدفينة لدى البعض في فرض رؤيته بوصفها المعيار، لا عبر الحوار، بل بالاستعلاء المتخفي تحت شعارات المسؤولية الثقافية أو التنوير.وفي العراق، تتضخم هذه المعضلة في ظل واقع مضطرب، يعاني من ضياع البوصلة الثقافية، ومن عسف مؤسساتي، وفراغ في المعايير، لتصبح الساحة مفتوحة أمام من يرتدون عباءة الإرشاد وهم مشبعون بأوهام التفوق الأخلاقي أو العقلي، ليعيدوا إنتاج القهر، ولكن هذه المرة بلغة الكتابة!
يقول إدوارد سعيد في إحدى تأملاته اللاذعة عن المثقف:
“المثقف الحقيقي ليس من يمنح الناس وصاياه، بل من يدفعهم إلى مساءلة وصاياه.”
لكن أنبياء الوصايا في ثقافتنا المعاصرة، لا يسألون أنفسهم، ولا يسمحون بأن يُسألوا. يتحدثون دائماً من علٍ، وكأنهم أوصياء على وعي الأمة، في تجاهل تام أن الكتابة فعل تواضع قبل أن تكون فعل تفوق.
لقد رأينا من يرفض أي رأي لا يشبهه، ويصنف مخالفيه في خانة “الجهلة”، أو “الطارئين”، أو “المتآمرين”، وكأن الثقافة حلبة لفرز الدماء لا فضاء للاختلاف.وتزداد المأساة حين يرتدي بعضهم عباءة “المُعلِّم”، متشبهاً بقدّيسين زائفين، ينسى أو يتناسى ما قاله إميل سيوران:
“لا أحد أكثر جهلاً من الذي يظن نفسه مرشداً للحياة!”
هؤلاء الأنبياء الرحل، لا يعترفون بأن الحياة ـ قبل الكتابة ـ مليئة بالهشاشة، وأن الذات الكاتبة لا تعلو على التجربة، بل تُعاد تشكيلها بها. هم يكرهون الهشاشة لأنها تذكرهم بأنهم مثلنا، من طين وتعب، لا من وحي وسماء.
ولعل العودة إلى نيتشه، الذي خبر طغيان الرؤى الذاتية، تمنحنا خلاصاً نقدياً حين كتب:
“احذروا الذين يجيئونكم حاملين الحقيقة، فالحقيقة لا تُحمل، بل تُكتشف معاً!”
، ليست هذه الاشارة دعوة لهدم الرموز أو كسر التجارب، بل هي صيحة ضد من يريدون تحويل الثقافة إلى ثكنة، والفكر إلى أمر عسكري. إن الوسط الثقافي العراقي بحاجة إلى صوت الداخل، لا صوت الأب المتسلط، إلى الحوار لا التوجيه، إلى الشك لا الفتوى.نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نُصغي لا للأنبياء، بل للهامش، حيث تنمو بذور الشك والإبداع والتحرر.في مطالع التسعينيات، كانت الثقافة العراقية ما تزال تتلمس طريقها وسط ركام الحروب والعزلة، وقد بدأت آنذاك ملامح “نبوءات شخصية” تلوح في بعض النصوص، لكنها كانت مغلفة بأسى جماعي ووعي مرير بالحطام، لم تكن بعد قد تحولت إلى “وصايا مغلقة”. أما ما نراه اليوم، فهو صعود نبرة نصية لا تبحث عن الجمال أو القلق أو السؤال، بل تسعى لفرض “تصور جاهز” عن الحياة، الناس، وحتى الأدب نفسه.ولعل أبرز ملامح هذه الظاهرة تتجلى في:
-
القصيدة التي تتحدث من عرشها
كثير من النصوص الشعرية الحديثة – لا سيما تلك التي يكتبها شعراء يرون أنفسهم “مرجعيات” – أصبحت تنضح بلغة الأمر، بلغة النفي القاطع، بلغة الهيمنة. لم تعد القصيدة سؤالاً أو صورةً أو تجربة، بل تحولت إلى خطاب أشبه ببيان سياسي.
نقرأ في بعض النماذج:
أنتم لا تعرفون الموت/ ولا الحرب/ ولا الشعر/ أنا وحدي من تذوق مرّ الحقيقة/ فاصمتوا!”
مثل هذا المقطع يعكس تماماً روح “الوصي”، الذي لا يكتب بقدر ما يُملي. وهو ما يُذكر بما حذر منه بول فاليري:
“حين يغدو الشاعرُ قاضياً، يفقد قدرته على الإصغاء للدهشة.”
٢. المقالة التي تشبه الخُطبة!!
في السنوات الأخيرة، انتشرت مقالات نقدية لكُتاب معروفين تمتلئ بنبرة فوقية، وتفترض أن القارئ والمتلقي “ضال”، والكاتب هو الدليل. المقالة لم تعد اجتهاداً فكرياً، بل أصبحت منبراً أخلاقياً.يكتب أحدهم في مقاله:
“لقد فقد الجيل الحالي قدرته على الفهم، وانشغل بالتفاهة، ولم يعد يُنتج إلا الغثاء… أما نحن فقد حملنا عبء الثقافة، ودفعنا ثمنها.”
هذا النوع من الخطاب، لا يختلف عن خطاب الداعية الذي يرى في نفسه نوراً وفي الناس جهلاً. وهذا ما يسميه تودوروف بـ”سلطة المثقف عندما تنسى هشاشتها”.
٣. الرواية بوصفها سرداً لاستعلاء الذات حتى في الرواية، تظهر هذه الظاهرة من خلال شخصيات مركزية تشبه المؤلف نفسه، تتحرك وسط عالم عاجز، تكرر حكمتها في كل صفحة، وتوزع الإدانة على الجميع. الرواية هنا لا تبني عالماً بقدر ما ترفع المؤلف إلى مرتبة المتفرج الإلهي.
يقول ميلان كونديرا:
“الرواية فن الشك، وحين يفقدها الروائي هذا الشك، فإنه يكتب تعصباً لا أدباً.”ونجد في روايات عراقية معاصرة نماذج واضحة لهذا السلوك، حيث تتحول الرواية إلى وسيلة لفرض الرؤية، لا لتوسيع الأفق.علامات “نبي الوصايا” في النص:
- يبدأ النص بتجربة شخصية تتحول بسرعة إلى “حقيقة عامة”.
- تنتهي الجملة دائماً بنقطة، لا علامة استفهام.
- يُستخدم ضمير “أنا” بوصفه مركز الكون.
- يخلو النص من أية ذات أخرى فاعلة… كل الآخرين مجرد شهود أو خصوم.
- نادراً ما نقرأ فيه اعترافاً بالخطأ، أو محاولة للإصغاء.
وهنا يمكن الإشارة إلى تحذير أدورنو حين قال:
“حين يصعد الفكر إلى قمة الجبل وحده، فإنه يرى العالم صغيراً، لا لأنه كذلك، بل لأنه لم ينزل ليستمع لصوت الناس.”
ظاهرة “أنبياء الوصايا الرُحّل” في الأدب ليست فقط أزمة لغة أو تعبير، بل هي انعكاس عميق لأزمة الأنا في واقع مأزوم. الكاتب الذي يعجز عن فهم هشاشته، يضطر لتمثيل دور النبي، لأنه لا يحتمل أن يكون مجرد شاهد، أو سارد، أو محاور.لكن الأدب – كما فهمه كبار الكتاب – لا يحتمل النبوة، لأنه فعل تشكيك دائم، لا إعلان نهائي.. حين نريد أن نفهم لماذا تتكاثر ظاهرة “أنبياء الوصايا الرُحّل” في المشهد الثقافي العراقي، علينا أن نغوص في الجذر، في التربة النفسية والاجتماعية التي أنبتت هذا الكائن الذي لا يكتب، بل يُنذر، لا يسرد، بل يُدين، لا يحاور، بل يُصدر الأحكام وكأن ما كتبه نزل من لوح محفوظ.هذا الكاتب ـ الذي كان يمكن له أن يكون صانع دهشة، ومقتحماً لحدود اللغة ـ اختار أن يتقمص صورة النبي لا بسبب غزارة معرفته، بل لأن الواقع الذي يعيشه لا يمنحه سوى هذا الدور الوحيد الذي يشعره بأنه مسموع. هذا الواقع، الذي صَغُر فيه صوت العقل وارتفع فيه ضجيج الطوائف والانتماءات والهويات القاتلة، دفعه لأن يصرخ بصوت عالٍ، لكن الصراخ حين لا يكون نابعا من سؤال، يصير خطبة.الكاتب العراقي ـ شأنه شأن أي فرد آخر ـ خضع لعقود من القمع والتهميش والانكسار، وجد نفسه فجأة في فراغ سياسي وثقافي خانق، حيث لا مرجعية كبرى، ولا مؤسسة محترمة، ولا سلطة تحترم الرأي، فتحول كثير منهم إلى سلطات صغيرة. كل واحد منهم يريد أن يعوض نقصه بأن يكون “المعلم”، “الخبير”، “المرشد”، “الحكيم”، لا لأنه امتلك الحكمة، بل لأنه لم يحتمل العجز.
هذا التعويض النفسي عن قهر طويل، يمر عبر الكتابة، فيتحول النص إلى منصة اعتراف مقلوبة، لا تعترف بل تُطالب الآخرين بالاعتراف، لا تبكي بل تأمر بالبكاء. ومن هنا، نقرأ نصوصاً مشبعة بلغة ثأرية، كأن الكاتب يحاكم الآخرين نيابة عن كل ما تعرض له من صمت وخذلان.وحين يغيب التوازن، ويتضخم الأنا، تنحرف الرسالة الثقافية إلى نوع من العزلة الاستعلائية. فترى الكاتب يكتب ولا ينتظر تعليقاً، بل بيعة. يتحدث ولا يقبل نقاشاً، بل تصفيقاً. يعتقد أنه يقدم الحقيقة لا وجهة نظر. وهذا وهم قاتل.إن مجتمعاتنا، التي اختُزِلت طويلاً في شعارات السلطة، ونصوص الخطابة، وسرديات البطولة الزائفة، ما تزال حتى اليوم تميل إلى صورة “القائد ـ الأب”، حتى في الثقافة. ولهذا، يصبح من السهل أن يجد الكاتب نفسه ـ دون وعي أحياناً ـ في موقع “الأب الجديد”، ولكن دون دفء، دون سماحة، دون تواضع الأب الحقيقي، بل بهيئة جلاد ثقافي، يطالب الجميع بأن يصمتوا حتى ينتهي من تلاوة وصاياه.يقول نيتشه في “هكذا تكلم زرادشت”: “أحبّ من يتغلب على نفسه، لا من يريد أن يتغلب على الآخرين.”
لكن هؤلاء، لا يتغلبون على أنفسهم، بل يعيدون إنتاج قهرهم من خلال نص مستعلٍ، مريض بحاجة دائمة للتبجيل.الكاتب العراقي الذي غُصّت روحه بأهوال الفقد، والخوف، والمنفى، والفقر، وجد في النص مكانه الوحيد للانتقام الرمزي. وهنا تكمن خطورة الظاهرة، حين يتحول النص إلى ساحة قتال وهمي، يُقتل فيها القارئ، ويُهان، ويُسحق، لا لذنب ارتكبه، بل لأنه لا يُصفق.لا أحد من هؤلاء الأنبياء يسأل: ماذا لو كنت مخطئاً؟ لا أحد يضع نفسه في دائرة النقد.
لأن الاعتراف بالخطأ عندهم ضعف، بينما هو عند الكبار، جوهر القوة. الكاتب الذي لا يعرف أن يشك، لن يعرف أن يبدع.ولذلك، فإن خلاصنا من هذه الظاهرة لا يكون بمحاربتها فقط، بل بإعادة المعنى إلى السؤال، إلى الصمت المتأمل، إلى الكتابة بوصفها بحثاً لا إعلاناً، إلى النص الذي يتنفس لا الذي يُصدر أوامر. حينذاك، فقط، نستعيد الكاتب بوصفه إنساناً… لا نبياً رحيلاً
إذن فلنختم، لا بنقطة نهاية، بل بفسحة أمل…لنختم، والحرائق لم تخمد بعد، لكن الدخان بدأ ينقشع قليلاً، حين نعيد تعريف الكتابة، وننزّلها من عرشها المتخيل إلى ترابها الحقيقي: التعب، القلق، المحاولة، والسؤال.خلاصنا من “أنبياء الوصايا الرُحّل” لا يأتي عبر كسر أصنامهم، بل بتحطيم الفكرة التي أنجبتهم: فكرة أن الكاتب كائن خارق، متعالٍ، يحمل الحقيقة في حقيبته، ويوزعها على الناس بشيء من العطف والتهكم. هذه الفكرة يجب أن تموت، لا الأشخاص.الثقافة، بطبيعتها، مضادة للوثوق. هي ذلك الحقل المفتوح الذي لا يحرسه شرطي، ولا يسيّجه نبي. هي رقصة الشك لا موكب العقيدة. ولذلك، فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه لمستقبل الأدب العراقي، هو أن نحميه من القداسة، من النبوة، من الوصاية.
ينبغي إعادة الاعتبار لفعل الاستماع، والقراءة بتواضع، والكتابة بهشاشة.
ينبغي أن يتعلم الكاتب كيف يكتب لا ليُرشد، بل ليضيع مع الآخرين في متاهة الأسئلة.أن يتوقف عن تمثيل دور “العارف”، ويقبل أن يكون “الباحث”، أن يخلع عباءة النبي، ويرتدي قميص الصديق.يجب أن نعيد تربية الخيال العراقي، الذي أصيب بتشوهات الحروب والانقلابات والبيانات والجنرالات والمثقفين الذين يتكلمون كما يتكلم قادة الانقلابات، لا كما يتكلم الشعراء.على كل كاتب فينا أن يسأل نفسه كل مساء:
هل قلت شيئاً حقيقياً؟
هل أصغيت كما كتبت؟
هل احترمت الآخر، أم جعلت منه مرآة لنرجسيتي؟
وإذا لم يجد الجواب، فليصمت. فالصمت، أحياناً، أصدق من ألف وصية.ولعلنا نردد، مع محمود درويش حين قال:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة… لا ما يستحق الوصايا!”
ليكن النص بيتاً، لا منبراً.ليكن الكاتب أخاً، لا وصياً.وليكن الأدب فسحة خلاص لا ساحة استعراض.
هكذا فقط، ننجو من لعنة الأنبياء…
هكذا فقط، نحيا…؟؟


