قمة بغداد: بين المقدمات المقلقة والنتائج المخيبة

قمة بغداد: بين المقدمات المقلقة والنتائج المخيبة
في السياق السياسي، تُعرف القمة بأنها اجتماع رسمي يُعقد على أعلى المستويات بين رؤساء الدول أو الحكومات لمناقشة قضايا استراتيجية أو خلافات إقليمية أو ملفات مشتركة...

تعريف عام: ما هي القمة؟

في السياق السياسي، تُعرف القمة بأنها اجتماع رسمي يُعقد على أعلى المستويات بين رؤساء الدول أو الحكومات لمناقشة قضايا استراتيجية أو خلافات إقليمية أو ملفات مشتركة. ويُنظر إلى انعقاد القمم كدليل على أهمية الدولة المضيفة، كما تعكس مكانتها الإقليمية أو الدولية.

الفخر الوطني مقابل الواقع السياسي

لا يوجد إنسان مخلص لوطنه لا يشعر بالفخر عندما تحتضن بلاده قممًا أو مؤتمرات دولية. هذا الفخر ينبع من حجم التوقعات التي تُبنى على مثل هذه اللقاءات، سواء من حيث تعزيز الدور الإقليمي أو تحقيق نتائج تخدم الشعب.

لكن قمة بغداد، رغم أهميتها الاسمية، جاءت محاطة بمقدمات لم تكن تبشر بالنجاح، لا في الشكل ولا في المضمون. وهذه المقدمات كانت كافية لتخلق جوًا عامًا من الشك والرفض الشعبي تجاه القمة قبل أن تبدأ.

الرفض الشعبي ودعوة المطلوبين للعدالة

أبرز ما أثار غضب الشارع العراقي هو دعوة أبو محمد الجولاني، المطلوب دوليًا وعراقيًا، والذي لا تزال دماء العراقيين شاهدة على جرائم تنظيمه. تجاهلت الحكومة هذا الرفض الشعبي، مما اعتُبر مساسًا بكرامة الضحايا وأهاليهم، وضربًا لهيبة الدولة العراقية في العمق.

إن التعامل مع مثل هذه الشخصيات بذريعة “المصالح السياسية” يبرر للمواطن شعوره بالخذلان، ويكرس الإحساس بانعدام العدالة في بلد لا تزال آثاره الجراحية مفتوحة.

مواقف دولية سلبية وتجاهل مستفز

لم يكن الأمر مقتصرًا على دعوة الجولاني، بل سبق القمة عدد من المواقف السلبية من دول شقيقة وصديقة:

  • قضية خور عبد الله وموقف رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية منها.
  • تدخل رئيس لبنان في قضية الحشد الشعبي.
  • الإساءة من الإعلام الأردني للشعب العراقي دون رد رسمي.

كلها مواقف تراكمت، وأثرت على نفسية المواطن العراقي وموقفه من الضيوف أنفسهم. فمن لم يكن له موقف إيجابي من العراق، كيف ننتظر منه حضورًا نزيهًا أو دعمًا فعليًا؟

مقارنة مؤلمة: قمة ترامب – السعودية وقمة بغداد

عُقدت قمة ترامب – السعودية قبل يومين من قمة بغداد، وشهدت حضورًا كبيرًا من الملوك والأمراء العرب، على عكس قمة بغداد التي غاب عنها معظمهم، وكأن في ذلك رسالة مقصودة.

النتائج التي خرجت من قمة ترامب كانت واضحة ومباشرة، بينما قمة بغداد بدت كأنها “مجرد حدث إعلامي”، لا يحمل من الثقل السياسي شيئًا، إلا التبريرات التي حاول بعض السياسيين العراقيين تسويقها لتغطية الخيبة الشعبية.

ولعل أكثر ما أثار الاستغراب هو مغادرة أمير قطر قبل حتى أن يُلقي كلمته، في تصرف يعكس استخفافًا واضحًا بمكانة القمة وجدواها.

حضور باهت وتمثيل غير متوازن

رغم حضور رئيس مصر وأمير قطر، فإن غياب بقية القادة البارزين يُعد مؤشرًا واضحًا على ضعف الاهتمام أو ضعف الثقة في مخرجات القمة. فالقمة، كما هو معروف، تُقاس بجودة التمثيل والنتائج، وليس فقط بالاستقبال أو الخطابات المجاملة.

موقف اليمن: عندما يتحدث الغائب عن الأرض

من المفارقات اللافتة في قمة بغداد كان خطاب الرئيس اليمني المقيم في الرياض، والذي طالب فيه بـ”تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية”. لكن هذه الدعوة جاءت من شخصية لا تملك وجودًا فعليًا في اليمن، إذ لا يُنظر إليه كرئيس حقيقي يحكم الأرض، بل كشخص منفي ومختبئ في أحد قصور آل سعود، لا يملك السيطرة لا على الأرض ولا على القرار اليمني.

في المقابل، فإن الحوثيين يمثلون قوة يمنية أصيلة تمسك فعليًا بزمام الأرض والقرار في جزء كبير من اليمن، وتطرح خطابًا مقاومًا للاستكبار العالمي، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع ممارساتهم. وفي السياق الواقعي، فإن من يملك السماء والأرض والبحر هو من تُحسب له الكلمة والقرار، لا من يُطلق التصريحات من خلف الحدود.

مثل هذه المواقف تعكس بوضوح انفصال بعض القادة العرب عن الواقع، ومحاولاتهم الحثيثة للظهور كرموز شرعية وهم لا يملكون شيئًا من أدوات الحكم الحقيقي، في وقتٍ تتحرك فيه القوى الفاعلة فعليًا على الأرض ضمن معادلات إقليمية صلبة.

نتائج هزيلة وبيانات روتينية

كعادة القمم العربية، لم تخرج قمة بغداد بنتائج نوعية. البيان الختامي لم يتجاوز لغة الشجب والاستنكار المعهودة، خصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

  • لم تُتخذ أي خطوات جدية تجاه إلغاء التطبيع أو حتى التهديد به.
  • القضية اليمنية لم تُطرح بجدية، واكتُفي بكلمة شكلية من رئيس لا يعيش حتى في بلده.
  • ممثل سوريا قدم خطابًا مليئًا بالتناقضات، متحدثًا عن محاربة داعش بينما تُتهم حكومته نفسها بممارسات مشابهة.

خاتمة: ترف سياسي لا أكثر

ما خرجت به قمة بغداد لا يختلف كثيرًا عن القمم السابقة، إذ بقيت قراراتها محصورة في إطار البيانات الإنشائية، دون أثر فعلي على الأرض.

لقد شعر المواطن العراقي بأن ما جرى لا يتجاوز كونه ترفًا سياسيًا مؤقتًا، لا يعالج الأزمات ولا يُعيد الكرامة، بل قد يُفاقم شعور الإحباط وانعدام الثقة بين الشعب وقياداته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *