تواجه حكومة علي الزيدي تحديات وجودية غير مسبوقة تتقاطع فيها أزمات أمنية واقتصادية داخلية خطيرة مع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية إلا أن الأخطر يتمثل في الضغوط الأمريكية المتصاعدة التي تضع الحكومة الجديدة أمام اختبار حقيقي قد يحدد مستقبل البلاد.
فبينما يعاني العراق داخلياً من تردي الخدمات وتفشي البطالة وعجز الموازنة بسبب الاعتماد على النفط وتقلبات أسواقه ومن تحديات امنية على طول حدوده المترامية الاطراف تتصدر واشنطن المشهد بمطالب قاسية للزيدي أبرزها حل الفصائل المسلحة بالكامل وقطع كل أشكال الاتصال بإيران وتشكيل حكومة وطنية حقيقية تمثل كل العراقيين دون إقصاء أو هيمنة طائفية.
لكن اللافت أن هذه المطالب لم تقدم كمجرد توصيات بل جرى ارفاقها بتصريحات رسمية متكررة بمعاقبة العراق اقتصادياً في حال الإخفاق في تحقيقها حيث تلوح واشنطن بفرض عقوبات خانقة على القطاع المصرفي والنفطي العراقي وتجميد أرصدته المالية في الخارج مما سيفاقم الأزمة الاقتصادية إلى درجة الانهيار.
أمام هذه المعادلة المستعصية يجد رئيس الوزراء علي الزيدي نفسه مضطراً للتفكير في كيفية إبعاد تمثيل الفصائل المسلحة وفق الشروط الأمريكية وهو ما يعني عملياً استبعاد قياداتها من المؤسسات الأمنية والسياسية وحلها عسكرياً مع استيعاب أفرادها ضمن برامج إعادة تأهيل أو تسريح وفي الوقت نفسه تقديم الضمانات بعدم انهيار الامن الداخلي.
غير أن هذا المسار يصطدم بحقيقة أن هذه الفصائل ليست مجرد جماعات مسلحة بل أصبحت جزءاً من النسيج السياسي والعسكري العراقي ولها حضور شعبي في بعض المحافظات كما أنها تمتلك أسلحة ثقيلة وخبرات قتالية.
لذا فإن محاولة إبعادها بالقوة قد تؤدي إلى مواجهات دامية أو انفلات أمني واسع في وقت لا تزال فيه قدرات الجيش العراقي محدودة.
لكن الزيدي يدرك أن الخيار الآخر وهو تجاهل المطالب الأمريكية سيعني عقوبات ساحقة تجعل حكومته عاجزة عن دفع الرواتب أو تأمين الخدمات مما يغرق العراق في فوضى أكبر.
وهنا تبرز معضلة كبيرة فالحكومة مضطرة إلى المراوغة بين إرضاء واشنطن وتفجير الداخل وبين التمسك بالثوابت الوطنية والوقوع تحت طائلة العقاب الاقتصادي. من المرجح أن يحاول رئيس الوزراء كسب الوقت عبر تفكيك الفصائل بشكل تدريجي ومبرمج مستغلاً الظروف الاقليمية مع تقديم تنازلات شكلية لإيران لا تمس جوهر علاقاتها بالعراق.
غير أن السؤال الأكبر يبقى هل تستطيع حكومة ورثت ازمات اقتصادية ومالية وتعاني من فساد متراكم ومؤسسات هشة أن تنفذ ما عجزت عنه حكومات أكثر صلابة؟ أم أن العراق سينزلق مجدداً إلى دوامة عنف وانهيار ليكون الضحية الأبرز في صراع القوى الكبرى الذي لا يرحم؟


