في السياسة لا تُقاس التحولات بحجم الخصومات المعلنة، بل بقدرة الحلفاء على إعادة تموضعهم حين تتبدل موازين القوة. وما يجري اليوم داخل الإطار التنسيقي لا يعكس مجرد خلاف على وزارات أو استحقاقات، بل يكشف عن صراع أعمق يتعلق بمستقبل القيادة داخل البيت الشيعي وإعادة توزيع النفوذ بين مراكزه التقليدية والصاعدة.
فالقوى التي تشكلت داخل مظلة نوري المالكي خلال السنوات الماضية، بدأت اليوم تتحرك بمنطق الاستقلال السياسي، مدفوعة بصعود جيل جديد من القيادات، واتساع الطموحات الفردية، وتراجع القبول بفكرة مركزية القرار. لذلك لم يعد الإطار كتلة متماسكة كما كان، بل تحول إلى ساحة توازنات معقدة تتقاطع فيها المصالح مع حسابات السلطة والنفوذ.
ومن هنا يمكن فهم الانقسامات الأخيرة، وولادة تحالفات جديدة عابرة للمكونات، مقابل تحالفات مضادة يقودها المالكي والعامري والفياض وحلفاؤهم، في محاولة لإعادة تثبيت مركز الثقل التقليدي ومنع انتقال القرار إلى محاور ناشئة يقودها مزيج من القوى الشيعية والسنية والكردية.
تحالف الأقوياء… عودة الحرس السياسي الثقيل
لم تعد التحالفات الشيعية تتحرك اليوم ضمن حدود “البيت الشيعي” التقليدي كما في السنوات الماضية، بل دخلت مرحلة إعادة تشكيل أوسع تتجاوز الاصطفافات القديمة. فالإعلان عن “تحالف الأقوياء” بقيادة نوري المالكي وهادي العامري وفالح الفياض وهمام حمودي وأحمد الأسدي، لا يمثل مجرد تحالف انتخابي أو رد فعل عابر على جلسة الكابينة الوزارية، بل محاولة لإعادة تجميع مركز الثقل التقليدي داخل النظام السياسي بعد شعور هذه القوى بأن هناك مشروعاً يتحرك بالضد لإعادة إنتاج السلطة بعيداً عن نفوذها التاريخي.
فالتحالف يجمع بين الثقل التنظيمي لدولة القانون، والنفوذ العسكري والسياسي لتحالف الفتح، والحضور الأمني والمؤسساتي للفياض، والامتداد العقائدي للمجلس الأعلى، إضافة إلى قوى برلمانية وتنفيذية صاعدة. لذلك فإن تسمية “تحالف الأقوياء” ليست شعاراً إعلامياً، بل إعلاناً عن عودة الحرس السياسي الثقيل إلى واجهة المشهد.
لكن التحول الأهم يتمثل في انفتاح المالكي على بناء محور عابر للمكونات، عبر إدخال شخصيات مثل مسعود بارزاني ومثنى السامرائي ومحسن المندلاوي، بما يمنح التحالف غطاءً شيعياً وامتداداً سنياً وعمقاً كردياً ونفوذاً داخل رئاسة البرلمان. وهنا يتحول الصراع من خلاف شيعي داخلي إلى مشروع لإعادة هندسة السلطة الاتحادية بالكامل.
وإذا ما تجاوز هذا التحالف عتبة الـ 180 نائباً، فإنه لن يكون مجرد كتلة ضغط، بل مركز قوة قادر على إعادة رسم موازين الحكم، والتحكم بمسار الحكومة والبرلمان والتسويات السياسية المقبلة.
هل تتغير المعادلات السياسية ومراكز النفوذ؟
في ضوء المعطيات الجديدة، يبدو أن الصراع الحالي لا يستهدف رئاسة الوزراء بشكل مباشر، خصوصاً أن حكومة علي فالح الزيدي جاءت بوصفها تسوية توافقية من خارج صندوق الصراع التقليدي داخل المنظومة السياسية. لذلك فإن جوهر التنافس لا يدور حول إسقاط الحكومة، بقدر ما يتركز على إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة مراكز القرار السياسي والبرلماني.
فبعد خسارة تحالف الإعمار والتنمية أكثر من ثلاثين مقعداً إثر انسحاب قوى وازنة منه، برزت حاجة واضحة لدى القوى التقليدية داخل الإطار التنسيقي لإعادة التوازن السياسي ومنع انتقال مركز النفوذ إلى المحاور الصاعدة. ومن هنا، فإن نجاح “تحالف الأقوياء” بقيادة المالكي والعامري والفياض وحلفائهم في تثبيت أغلبية مؤثرة، سيمنحه القدرة على فرض إعادة تفاوض حول الوزارات السيادية والخدمية، وآليات إدارتها، وحدود التأثير داخلها، بما يعيد رسم توازن القوة بين أطراف العملية السياسية.
وفي المقابل، يتجه الحراك بصورة متزايدة نحو ملف رئاسة البرلمان وإعادة ترتيب البيت السني، مع تصاعد الحديث عن تفاهمات جديدة قد تفضي إلى إعادة تشكيل التحالفات داخل المكون السني نفسه، وطرح شخصيات مثل مثنى السامرائي بديلا لهيبت الحلبوسي، باعتباره أكثر انسجاماً مع التوازنات البرلمانية الجديدة.
لذلك، فإن ما يجري اليوم هو عملية إعادة هندسة للسلطة داخل الدولة، هدفها إعادة ضبط التوازن بين القوى الشيعية والسنية والكردية ومنع احتكار القرار السياسي من قبل محور واحد.
صراع القيادة داخل البيت الشيعي
يدرك المالكي أن ما جرى خلال جلسة الكابينة الوزارية لم يكن مجرد تعثر في استحقاق سياسي، بل محاولة لإعادة تشكيل مركز القرار داخل الإطار التنسيقي وتقليص نفوذ القوى التقليدية. لذلك جاء تحركه الأخير بوصفه إعادة تنظيم استراتيجية تهدف إلى استعادة زمام المبادرة وبناء توازنات مضادة تمنع انتقال القيادة إلى محاور صاعدة.
فالمالكي لا يتحرك بردود فعل آنية، بل عبر إعادة تشكيل التحالفات وتوسيعها لتشمل قوى سنية وكردية قلقة من التحولات الجديدة في موازين النفوذ داخل الدولة. ومن هنا لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين المالكي وقيس الخزعلي، بل معركة أعمق حول من يقود البيت الشيعي، ومن يتحكم بقرار الحكومة والمؤسسة الأمنية، وهل يبقى النفوذ موزعًا بين عدة أقطاب أم يعود إلى مركز ثقل واحد.
الخزعلي يمثل مشروع “النفوذ الصاعد” مستفيداً من حضوره التنظيمي والسياسي، لكنه تراجع كثيراً بسبب الفيتو الأمريكي. فيما يتحرك المالكي باعتباره ممثل “الدولة العميقة السياسية”، مستنداً إلى الخبرة وشبكات النفوذ والتحالفات المتجذرة. أما دخول محمد الحلبوسي ومحمد شياع السوداني وعمار الحكيم وبافل الطالباني في هذا الاستقطاب، فيؤكد أن الأزمة تجاوزت حدود الإطار التنسيقي، لتتحول إلى صراع على شكل النظام السياسي المقبل: بين محور مركزي قوي، أو منظومة توازنات مرنة ومتعددة الأقطاب.


