انتخابات العراق: بين عزوف الشيعة وتدوير الخراب

انتخابات العراق: بين عزوف الشيعة وتدوير الخراب
تشهد الساحة العراقية هذه الأيام حالة من الترقب والقلق، مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية. إلا أن ما يميز هذه الدورة عن سابقاتها، هو تصاعد مشاعر الإحباط واليأس، خاصة في الأوساط الشيعية...

تشهد الساحة العراقية هذه الأيام حالة من الترقب والقلق، مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية. إلا أن ما يميز هذه الدورة عن سابقاتها، هو تصاعد مشاعر الإحباط واليأس، خاصة في الأوساط الشيعية، والتي تشكل المكون الأكبر في البلاد، ما يجعل انعكاسات هذا المزاج الشعبي شديدة التأثير على مجمل العملية الديمقراطية.

انقسام داخلي حاد

الطيف الشيعي، وعلى غير المعتاد، دخل هذه الانتخابات منقسمًا إلى ثلاث فئات رئيسية:

  • أتباع السيد مقتدى الصدر، الذين يلتزمون بشكل مطلق بتوجيهاته، وقد دعاهم هذه المرة إلى مقاطعة الانتخابات، وهو ما يمثل تراجعًا كبيرًا في نسبة المشاركة المتوقعة، نظرًا لثقل هذه الكتلة شعبيًا.
  • العامة من غير المنتمين للأحزاب، وهم الغالبية التي فقدت ثقتها بالعملية السياسية، بعد أن تكررت نفس الوجوه والسياسات منذ عام 2003 دون أي تغيير ملموس.
  • أتباع الأحزاب المتنفذة، الذين يستمرون في دعم قياداتهم رغم كل الخيبات، وغالبًا ما يفعلون ذلك دون نقد أو مساءلة، في سلوك يكرّس الأزمة بدلًا من حلها.

مقاطعة الصدر… هل تغيّر شيئًا؟

يرى السيد الصدر أن هذه الانتخابات لن تؤدي إلا إلى إعادة تدوير ذات القوى، وبالتالي فإن المشاركة فيها لن تغير شيئًا من الواقع القائم. ومن هنا جاءت دعوته للمقاطعة، كوسيلة لإعلان الرفض الشعبي. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن تغيير هذا الواقع في ظل انسحاب قوى مؤثرة من المعركة الديمقراطية؟ هل تترك الساحة لمن لا يمثل إرادة الناس؟

الغالبية الصامتة… بين الإحباط والعجز

أما الشريحة الأوسع من الشيعة، غير المرتبطة بأي حزب، فتعيش إحباطًا عميقًا وصل حد العزوف التام. لكنها، في الوقت نفسه، ستكون أول من يوجّه سهام النقد لأي حكومة قادمة. وهنا المفارقة: من لا يصوّت لا يملك الحق الأخلاقي الكامل في الاعتراض، لأنه تنازل طواعية عن حقه في التغيير.

أتباع الأحزاب… مسؤولية مغفَلة

أما أتباع الأحزاب المتنفذة، فتقع عليهم مسؤولية شرعية وأخلاقية في محاسبة أحزابهم وتصحيح مسارها. لكن ما يحدث غالبًا هو تسليم أعمى للقيادات، دون مراجعة، في ظل تبعية قديمة لم تعد تناسب واقعًا سياسيًا معقدًا ومتغيرًا.

لماذا التركيز على المكون الشيعي؟

قد يتساءل البعض: لماذا التركيز على الشيعة دون غيرهم؟ والجواب بسيط. لأن المواطن الشيعي يشعر بأنه لم يُنصف من قبل القوى التي يُفترض أنها تمثّله. ففي الوقت الذي يُدافع فيه القادة الكرد بقوة عن مصالح الإقليم، ويُظهرون استقلالية واضحة في القرار السياسي والاقتصادي، يبدو قادة الشيعة أضعف في الدفاع عن جمهورهم، سواء بدافع التردد أو التبعية السياسية.

أما القيادات السنية، فبعضها ما زال يتصرف وفق قناعة “الأحقية التاريخية” بالحكم، بل صرّح بعضهم علنًا أنهم يرفضون مستقبلاً أن تُفرض عليهم إحدى الرئاسات الثلاث، وأنهم من سيحدد من يتولاها.

قادة بلا موقف

قادة الشيعة، ومع أنهم يمثلون الأغلبية، إلا أنهم لم ينجحوا في تحويل هذه الأغلبية إلى موقف سياسي فاعل. بل إنهم – بموقفهم الضعيف أو غياب الموقف أصلًا – باتوا تحت هيمنة قوى سياسية أخرى، وأهملوا قواعدهم الشعبية، ما جعلهم موضع انتقاد وحتى سخرية من جمهورهم.

فرص تضيع… ومقاعد تُفقد

الواقع أن كثيرًا من الملفات التي سبقت الانتخابات الحالية ستؤثر بقوة على قرار الناخب: من قضية خور عبد الله، إلى قانون العفو العام، إلى الدعوة المثيرة للجدل التي وُجّهت لزعيم “هيئة تحرير الشام”، فضلًا عن استمرار ملف تصدير الثروات بلا مردود واضح.

كل هذه القضايا ستكون حاضرة في ذهن الناخب، وقد تنعكس على شكل عقاب انتخابي للأحزاب الشيعية، يؤدي إلى خسارتها عددًا كبيرًا من المقاعد، وانكماش تأثيرها في المشهد السياسي.

خاتمة: الحل بيد الشعب

في النهاية، لا حل يلوح في الأفق سوى مشاركة واسعة وواعية في الانتخابات. فالمقاطعة، وإن كانت تعبيرًا عن السخط، لا تُفضي إلى التغيير، بل تُبقي على ذات الوجوه والسياسات التي أنتجت الفشل. الفرصة للتغيير حاضرة، لكنها لا تنتظر المتفرجين، بل الفاعلين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *