كانت إسرائيل وما تزال في جميع الحروب الّتي خاضتها ضدّ العرب وضدّ الفلسطينيّين ولبنان تحديدا تعتمد خطّة واضحة تُعدّ من الخطط الحربيّة الكلاسيكيّة والمعلومة إذ هي تعتمد على سلاح الجوّ بدرجة أولى وعلى جهاز المخابرات. فتستهدف وسائل الاتّصال أوّلا منها الطّرقات والجسور وقاعات العمليّات ومنصّات إطلاق الصّواريخ والمطارات العسكريّة وحتّى المدنيّة. ثمّ تعمل تاليا على اغتيال القيادات الميدانيّة وحتّى السّياسيّة لإحداث الإرباك في صفوف المقاومة ومن ثمّ الانقضاض على المقاومين.
ولعلّه من نافلة القول إنّ إسرائيل في جميع حروبها تستهدف المدنيّين والمرافق الحيويّة في محاولة لزرع اليأس والإيهام بالقوّة والانتصار، والفصل بين المقاومة والحاضنة الشّعبيّة. إضافة إلى استخدام آلة دعائيّة قوامها السّعي إلى إحداث هزيمة نفسيّة. كما تعمل في حروبها ضمن سرديّة مضمونها مقاومة الإرهاب، وتسويق مقولتها هذه دوليّا لكسب الرّأي العامّ العالميّ.
في كلّ الحروب ثمّة استراتيجيّات وأهداف محدّدة منها المباغتة بالهجوم والاستباق والتّوقّي، وإحداث الخسائر في الطّرف المقابل، وتحييد قواه العسكريّة وتجريده منها كأن تكون منصّات إطلاق الصّواريخ أو الطّائرات العسكريّة أو غير ذلك. وهي بالذّات الإستراتيجيّة العسكريّة لإسرائيل الّتي تتجنّب دوما الحروب الميدانيّة لتقليل الخسائر في صفوف جنودها وقادتها. هذا من النّاحية العسكريّة، أمّا سياسيّا فإنّ دولة الاحتلال تستثمر كلّ حرب لجني مكاسب فحواها أنّها دولة مستهدفة ولها حقّ الدّفاع عن نفسها- محاولة تقويض سرديّة مقابلة كونها كيان محتلّ للأرض- وزاعمة بأنّها تتعرّض للاعتداء، وأنّها دولة تدافع عن قيم الدّيمقراطيّة والحريّة.
وفي جانب آخر تعتمد إسرائيل على سرديّة دينيّة مفادها أنّها صاحبة الأرض، وأنّ وجودها تاريخيّ على أرض فلسطين مروّجة أساطيرها التّلموديّة، وهو الجانب العقائديّ في جميع حروبها الّذي تغذّيه في صفوف جيشها، وفي صفوف الإسرائيليّين الآتين من كلّ صوب وحدب.
إنّها إستراتيجيّة حرب دينيّة أيضا مثلما هي إستراتجيّة دفاع مزعوم عن القيم الكونيّة الإنسانيّة الّتي يتبنّاها ما يسمّى بالعالم الحرّ ضدّ العالم المتخلّف الهمجيّ حسب توصيفهم. وعلى أساس ذلك تُروّج هذه السّرديّات، وتُشنّ الحروب ضدّ الفلسطينييّن والعرب والمسلمين عامّة.
وفي مقابل ذلك فإنّ الجيوش العربيّة لم تنجح في حروبها ضدّ إسرائيل إذا ما استثنينا حرب 1973 التّكتيكيّة في جانب منها. أمّا المقاومتين الفلسطينيّة واللّبنانيّة فقد تمكّنتا من كسر شوكة المحتلّ في حروب عديدة، وأربكتاه إلى حدّ كبير من خلال ابتكار استراتيجيّات مقاومة شعبيّة منها الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى والثّانية، ومنها أيضا المقاومة المسلّحة الّتي اتّخذت شكل حرب العصابات كتكتيك حربيّ كان له الأثر الواضح في تكبيد الاحتلال خسائر جسيمة، وإجباره على وقف إطلاق النّار في عديد المناسبات. فضلا عمّا جنته المقاومة اللّبنانيّة من انتصارات بدحر الاحتلال من الأراضي اللّبنانيّة، وبناء قوّة ردع تحسب لها إسرائيل كلّ حساب.
هكذا هي الحروب غير أنّ السّؤال الّذي يطرح هو: هل انتصرت إسرائيل؟ وهل خسرت المقاومة بمنطق الحسابات الضيّقة؟
إنّ الجواب يكون على النّحو التّالي: لم تربح إسرائيل شيئا طالما أنّ القضيّة الفلسطينيّة قائمة بعنوان حركة تحرّر وطنيّ، وبعنوان احتلال، وحقّ الشّعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلّة ولو على جزء من الأراضي الفلسطينيّة المحرّرة.
وعليه يمكن القول بصيغة العقل المتفائل إنّ إسرائيل خسرت حروبها، وأنّها كيان فضائيّ مزروع في تربة مالحة، ومدعوم من قبل القوى الامبرياليّة على رأسها الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وإنّ المقاومة قد حافظت على وجودها وستظلّ كذلك إلى حين الانتصار الأخير.


