بسم الله الرحمن الرحيم
- بالإعلان عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، تكون الجمهورية الإسلامية قد أرست قواعد اشتباك جديدة في إطار “وحدة الساحات”، التي اضطرت الولايات المتحدة للقبول بها أمرا واقعا من شأنه توسيع مساحة الأمل في جولة مفاوضات ثانية بين إيران والولايات المتحدة، وإمكانية أن تحقق اختراقا فيما يتعلق بالنقاط الخلافية المعلنة، التي يتمسك بها كل طرف ويرى فيها ثوابت لا يجوز المساس بها أو التنازل عنها.
وترى اليمن أن “وحدة الساحات” من أهم المكاسب التي خرجت بها هذه الجولة من المواجهة الكبرى مع أمريكا وإسرائيل، خاصة أنها وضعت حدا للاستباحة الشاملة، التي حاولت إسرائيل تكريسها في لبنان وفلسطين وسوريا، وأعادت شيئا من توازن الردع، الذي من شأن استمراره أن يسمح بتعافي المقاومة الفلسطينية، ويحول دون الاستفراد بتقرير مصير غزة، وتنفيذ أجندة ترامب فيما يسمى بخطة السلام.
واليمن التي دخلت المعركة الأخيرة بشكل متدرج، ما تزال تحتفظ بورقة “باب المندب” الموازية في أهميتها لورقة مضيق هرمز، وهذا ما جعل الأنظار ترقب الموقف اليمني وتطوراته، خلال يوميات هذه المواجهة، وكيف اجتهدت أمريكا وإسرائيل في تجنب استفزاز صنعاء حتى لا ترفع من وتيرة التصعيد في منطقة ملتهبة، تزداد اشتعالا مع كل تصريح ناري من هنا أو هناك.
في هذه الورقة نستعرض الموقف اليمني من وحدة الساحات، والمكاسب التي يمكن البناء عليها، بالإضافة إلى التحديات التي يتعين التعامل معها حاضرا ومستقبلا، وتقدير الموقف في ضوء المتغيرات المحتملة المتصلة بنتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومسارها الميداني والتفاوضي.
-
الهدنة المتعـسرة على الجبهة اللبنانية:
كانت لبنان وبقية الجبهات مدرجة في البنود العشرة التي قدمتها إيران، وأعلن الرئيس ترامب بتاريخ 8 أبريل الجاري عن وقف إطلاق النار في ضوئها، إلا أن إسرائيل مانعت في تنفيذ الاتفاق، وصعدت بشكل هستيري من هجماتها على لبنان وارتكبت جرائم حرب متعمدة بحق المدنيين والأعيان المدنية، ما وضع الاتفاق على محك الاختبار السريع، وفيما أكدت طهران أن وقف اطلاق النار مشمولا بكل الجبهات بما فيها الجبهة اللبنانية، راوغت واشنطن على صعيد التصريحات الكلامية، ودفعت بسيناريو يقوم على الفصل بين الجبهات، وساعدها في ذلك استجابة الحكومة اللبنانية للانخراط في التفاوض المباشر مع إسرائيل رغم رفض حزب الله.
بيد أن الوسيط الباكستاني الذي استضاف مفاوضات إسلام آباد كان واضحا فيما يتعلق بالتفاهمات بشأن شمول اتفاق وقف إطلاق النار كل الجبهات ([1])، وهذا ما ساعد المفاوض الإيراني على التمسك بهذا المبدأ التفاوضي، الذي كان ضمن شروطه الضاغطة بشأن فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهي أهم أوراق إيران الرابحة في هذه الجولة الفاصلة من المواجهة العسكرية التي استمرت نحو أربعين يوما.
وإذ حاول البيت الأبيض الترويج لإعلان وقف إطلاق النار في لبنان باعتباره انتصارا شخصيا للرئيس ترامب، فقد استبقه الجانب الإيراني بالرد على لسان رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، الذي أجرى اتصالا هاتفيا مع نظيره اللبناني نبيه بري أكدا فيه وجوب أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان “قبل أي أمر آخر” ([2]). وكتب قاليباف في تدوينة عبر منصة (إكس) إن “استكمال وترسيخ وقف إطلاق نار شامل في لبنان سيكون نتيجة صمود ونضال حزب الله العزيز وبطولاته، ووحدة محور المقاومة. وعلى الولايات المتحدة أن تلتزم بالاتفاق” ([3]). وأضاف أن “المقاومة وإيران كيان واحد، سواء في الحرب أو في وقف إطلاق النار”، وأن “على أمريكا أن تتراجع عن خطأ إسرائيل أوّلا”. وبالنتيجة، فإن تمسك إيران الصريح بموقفها المبدئي، القائم على اعتبار وقف إطلاق النار في لبنان شرطاً أساسياً لأي تقدم في المفاوضات مع الجانب الأمريكي ومنطلقاً لبدء الجولة الثانية من المباحثات، هو ما أفضى في نهاية المطاف إلى رضوخ ترامب وإعلانه نيابة عن إسرائيل بدء سريان وقف إطلاق النار في 17 أبريل الجاري.
-
أصل التسمية وتطورات المقاومة ميدانيا:
منذ ما بعد معركة سيف القدس 2021، التي خاضتها مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية، وشملت غزة والضفة الغربية، ومناطق ما يسمى عرب 48، تبلورت فكرة وحدة جبهات المقاومة على مستوى الداخل الفلسطيني أولا، ثم على المستوى الإقليمي. بينما ظهر المصطلح في معركة “وحدة الساحات” 2022، التي اقتصرت على حركة الجهاد الإسلامي في غزة. وكأن المقاوم الفلسطيني أراد أن يقول حينها أن وحدة الساحات طموح مستقبلي أكثر من كونها معادلة حقيقية على الأرض.
وذهب أمين عام حركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة إلى أبعد من ذلك، عندما أشار إلى إن وحدة الساحات على المستوى الفلسطيني لا تقتصر على فصائل المقاومة، بل قد تشمل شباب حركة فتح وكتائب شهداء الأقصى. وقال أيضا إن وحدة الساحات تعني كذلك وحدة الموقف المحيط في غزّة، وجنين، ولبنان، وسوريا، واليمن ([4]).
وفي معركة طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023، تحولت وحدة الساحات إلى واقع ميداني، بمعنى وجود تنسيق وتعاون بين كل قوى المقاومة في المنطقة، وإنشاء غرفة عمليات مشتركة بما في ذلك النشاطات المشتركة في التدريب وتبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية ([5]).
جسد حزب الله وحدة الساحات حين دخل المعركة في 8 أكتوبر، وقدم فيها أسمى التضحيات باستشهاد أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، وكذلك دخلت اليمن على خط المواجهة، واشتركت عدد من فصائل المقاومة الفلسطينية، بينما أحجمت سوريا، – قبل أن تخرج من معادلة الصراع كليا في 8 ديسمبر 2024-، وتراجعت الضفة الغربية في الداخل الفلسطيني، وجاء دخول إيران متأخرا من خلال عملية الوعد الصادق في 13 ابريل 2023.
وفي مارس 2026، عادت وحدة الساحات إلى الواجهة من خلال اشتراك لبنان والعراق واليمن إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في معركة وعد الصادق 4، بينما تعثرت مشاركة الفصائل الفلسطينية المقاومة، نظرا للواقع الخاص بها في غزة، وبالتهدئة التي توصلت إليها ضمن ما يسمى بخطة ترامب للسلام.
-
الدور اليمني في وحدة الساحات:
شكلت اليمن إضافة مهمة لمحور المقاومة منذ انتصار ثورة 21 سبتمبر 2014، وجاءت معركة طوفان الأقصى 2023-2025 فبرز الموقف اليمني الرسمي والشعبي والعمليات العسكرية الذي نفذتها اليمن بالطيران المسير والصواريخ البالستية ثم الفرط الصوتية، والملحمة الكبيرة في البحر الأحمر وباب المندب، ما جعل اليمن لاعبا إقليميا صاعدا، لا يمكن إغفال دوره في حسابات السلم والحرب.
لقد جاءت هذه المواقف ترجمة لمبدأ يمني ناظم للسياسة الخارجية، يقوم على أساس كون فلسطين القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، وإن اليمن لا يمكنه الاعتراف بدولة الاحتلال، أو يقبل بالسير على خط التطبيع مع العدو الصهيوني، وهو مبدأ لا خلاف حوله بين القوى والاتجاهات السياسية اليمنية، وبالذات المرتبطة منها بحكومة صنعاء.
ومن هذا المنطلق ثارت الكثير من التساؤلات فيما يتعلق بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران وموقف اليمن، خاصة أن صنعاء تريثت في الاشتباك العسكري المساند لإيران ومحور المقاومة. وكان المثار في هذا التساؤل، أن الموقف المساند لإيران لا يرقى في التأييد الشعبي الموقف من إسناد فلسطين وغزة تحديدا. ومن هنا كان لا بد من تهيئة الشارع اليمني من خلال معركة الوعي أولاً التي تصدرها السيد عبدالملك الحوثي من خلال عدة خطابات، أوضحت طبيعة المعركة مع تحالف العدوان، ومدى ارتباطها الوثيق بقضية فلسطين ومخططات صهيونية معلنة عن “الشرق الأوسط الجديد” و” إسرائيل الكبرى”، وهي مسائل لا ينبغي أن تكون اليمن فيها على الحياد ([6]).
-
تحديات ما بعـد التسوية:
وقد ترسخت وحدة الساحات على نحو غير مسبوق، فإنها لا تزال تواجه الكثير من التحديات. فأية تسوية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، قد تفضي إلى تهدئة طويلة الأمد، وتلقي بظلالها على الصراع مع الكيان الصهيوني، الذي وإن رضخ للواقع الجديد فيما يتعلق بجبهتي لبنان واليمن، فإنه لن يكف عن انتهاكاته وحصاره لغزة والمقاومة فيها، ولن يتخلى بسهولة عن مشاريعه العدوانية في الضفة الغربية (يهودا والسامرة)، ولا عن استهداف المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية، وهو ما لن يكون تجاهله بالنسبة لصنعاء.
فاليمن الذي تعد مواقفه أكثر حساسية تجاه تطورات وتداعيات القضية الفلسطينية لا يمكنه التخلي عن المبدأ الثابت المتعلق بدعم فلسطين والصراع الحتمي مع الكيان الصهيوني، وإن كانت على حساب وحدة الساحات، التي ليست في الأخير سوى آلية تنفيذية للمبدأ الاستراتيجي.
ونتيجة للخبرة المتراكمة لليمن وأنصار الله، فإن صنعاء لن تتردد في تلبية نداء فلسطين في أي وقت وتحت أي ظرف، وإن اختار غيرهم تغليب الحسابات الداخلية. وفي هذه الحالة ستكون وحدة الساحات على المحك من جديد.
وحتى مع ثبات المتغيرات الأخرى المتصلة بوحدة الساحات، فإن الموقف اليمني الداخلي سيبقى معرضا للانقسام في حال التوصل إلى تسوية سياسية تنهي حالة اللاحرب واللاسلم، ونشأت عن ذلك حكومة توافقية قد يستخدم الطرف الآخر فيها اللغة الانهزامية الدارجة لدى الأنظمة العربية الرسمية، ومزاعم أن الدولة وليس المقاومة من لها حق احتكار قرار الحرب، كما تفعل بعض القوى السياسية اللبنانية في المحاجة مع حزب الله، وكما هي المشكلة القائمة بين فصائل المقاومة العراقية وحكومة بغـداد.
كما إن خصوم أنصار الله تحديدا لن يكفوا عن الغمز واللمز بشأن مركزية القرار في وحدة الساحات، ولن يترددوا في القول أن صنعاء قد تنازلت عن قرارها السيادي لصالح طهران، فهم في الأصل لا يرون في كل جبهات المقاومة إلا وكيلا لإيران، وذراعا للحرس الثوري في المنطقة، وهم بهذا التماهي مع سردية العدو لا يجردون أنصار الله وغيرهم من إيمانهم الراسخ بأن المقاومة هي السبيل الوحيد لتحرير فلسطين، بل ويتعاملون مع هذه القضية، وكأنها مسؤولية الجمهورية الإسلامية لوحدها، لا مسؤولية كل دول وشعوب أمتنا العربية والإسلامية.
كذلك، فإن خطر المشروع الصهيوني لا يتوقف عند حدود معينة، وفي البحر الأحمر شاهد على هذه الأطماع التوسعية شمالا وجنوبا، منذ أن سيطر الكيان الغاصب على ميناء أم الرشراش (إيلات) في 1949، وبعد أن احتل سيناء وقناة السويس في 1967، واتصالا بنفوذه في دول القرن الأفريقي، وآخرها الاعتراف المتبادل بإقليم أرض الصومال، وهي الخطوة التي يقرأها المتابعون تهديدا مباشرا للأمن القومي اليمني والعربي. وقد كان الرد اليمني حاسما، حيث حذرت صنعاء الكيان من أي مغامرة عسكرية في أرض الصومال، وهددت باستهداف أي تحرك إسرائيلي من هذا النوع ([7]).
هنا يفرض السؤال نفسه، هل تدخل صنعاء المعركة المحتملة في القرن الأفريقي لوحدها، أم قد تبادر بقية الجبهات وتضم إلى صنعاء في إطار وحدة الساحات؟ ويبقي الجواب برسم السيناريوهات المستقبلة للتسوية السياسية الخاصة باليمن، أو التسوية الشاملة في عموم المنطقة.
[1] – ردًا على تصريحات أميركية وإسرائيلية بأن لبنان ليس جزءًا من الاتفاق، أكد السفير الباكستاني لدى الولايات المتحدة رضوان سعيد شيخ بأن لبنان مشمول باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوسط فيه بين الولايات المتحدة وإيران. انظر موقع الشرق على الرابط: https://asharqbusiness.com/videos/shorts/2516
[2] – صحيفة النهار، لبنان، 16-4-2026، متوافر على الرابط: https://www.annahar.com/lebanon/300748
[3] – https://x.com/mb_ghalibaf، 15-4-2026
[4] – النخالة يشرح كيف تتجسّد وحدة الساحات، موقع الخنادق: https://alkhanadeq.com/post/5618
[5] – أسماء البنا: محور المقاومة ضد إسرائيل: الخريطة، والإمكانات، والأدوار، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 14 يناير 2025، متوافر على الرابط: https://2u.pw/t5ne67
[6] – انظر على سبيل المثال كلمة السيد عبد الملك الحوثي بمناسبة يوم القدس العالمي 23 رمضان 1447هـ 12 مارس 2026م، موقع أنصار الله، متوافر على الرابط: https://www.ansarollah.com.ye/alsayid-alqaed/836971
[7] – الحوثي متوعدا: أي وجود إسرائيلي بأرض الصومال سيكون هدفا عسكريا لنا، الجزيرة نت، 29-12-2025


