في مديح البطل التّراجيديّ

في مديح البطل التّراجيديّ
شأن الأبطال أن يستشهدوا استشهادا تراجيديّا. وهذا شأن الشّهيد الخالد السيّد حسن نصر اللّه. يقول الشّاعر محمود درويش في رثاء الرّاحل...

شأن الأبطال أن يستشهدوا استشهادا تراجيديّا. وهذا شأن الشّهيد الخالد السيّد حسن نصر اللّه. يقول الشّاعر محمود درويش في رثاء الرّاحل ياسر عرفات: ” لكن للأبطال التّراجيديّين قدرا يشاكسهم، ويتربّص بخطوتهم الأخيرة نحو باب الوصول، ليحرمهم من الاحتفال بالنّهاية السّعيدة بعمر من الشّقاء والتّضحية، لأنّ الزّارع في الحقول الوعرة لا يكون دائما هو الحاصد. يعزّينا في هذا المقام أنّ أفعال هذا القائد الخالد الّذي بلغ حدّ التّماهي التّامّ بين الشّخصيّ والعامّ قد أوصلت الرّحلة الفلسطينيّة الدّامية إلى أشدّ ساعات الليّل حلكة، وهي السّاعة الّتي تسبق الفجر، فجر الاستقلال المرّ، مهما تلكّأ هذا الفجر، ومهما أقيمت أمامه أسوار الظّلاميّين العالية”.

وينطبق هذا المديح الرّثاء على الشّهيد الأمميّ السيّد حسن نصر اللّه. فالقادة التّاريخيّون تصنعهم التّجارب والمحن، ومنها الحروب الّتي يقودونها بعشق وحكمة وبرودة أعصاب وهيبة ووقار.

لم يكن الشّهيد حسن نصر اللّه لبنانيّا، ولا مسلما ولا عربيّا، ولا إقليميّا، أو قوميّا أو طائفيّا، بل كان مناضلا أمميّا ارتقى بسلوكه وخطابه وفعله وإدارته للحروب، وبإنسانيّته وتعاليه عن المرجعيّات الضّيقة إلى منزلة القادة الأمميّين على درب تشي غيفارا وغيره من المناضلين الّذين خلّدهم التّاريخ.

اكتسب الشّهيد حسن نصر اللّه شعبيّة واسعة في صفوف الجماهير العربيّة والإسلاميّة، وكان محلّ احترام حتّى من قبل أعدائه الصّهاينة. فهو الرّجل الّذي إذا تكلّم صدّقه الجميع، وإذا وعد أنجز وإذا أقسم انتصر.

في جميع الحروب الّتي خاضها ضدّ الصّهاينة كان قائدا سياسيّا وبوصلة للعمل العسكريّ الميدانيّ. ربح جميع الحروب، وخرج منها بنصر مبين. وحتّى عندما استشهد غدرا فإنّه انتصر استراتيجيّا لكونه ترك إرثا معنويّا وماديّا يحسب له أيّما حساب. فظلّ صوت المقاومة عاليا، وظلّت نبضا لبنانيّا وعربيّا وإسلاميّا لا حياد عنها في سبيل القضيّة الفلسطينيّة وعلى رأسها القدس الشّريف، وفي سبيل المشروع الوطنيّ المناهض للهيمنة الأمريكيّة وللاحتلال.

قد يختلف الكثيرون مع الشّهيد السيّد حسن نصر اللّه لأسباب عديدة، وقد تكون في طليعة الأسباب تلك ما هو إيديولوجيّ بحكم مرجعيّة الشّهيد الإسلاميّة. لكن لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ الشّهيد كان فوق كلّ ما هو إيديولوجيّ وطائفيّ وإقليميّ وداعشي ظلامي، وضدّ كلّ ما هو هيمنة واستعمار بشتّى أشكاله. فكان صوت المقاومة الصّادقة ومعادلة التّوازن في القوّة مع العدوّ. وهو الّذي جعل من أصغر بلد عربيّ ذي الموارد والإمكانيّات المحدودة قلعة مواجهة وتصدّي للمشروع الصّهيونيّ الاستيطانيّ والأمريكيّ الامبرياليّ.

قتله الّذي كان غدرا لم يكن يستهدف الشّخص فحسب، بل كانت رسالته الأولى قتل إشعاع الرّمز وأثر فكره في ذاكرة النّاس ووجدانهم. وكان محاولة وئد لفكرة المقاومة وإخماد صوتها أو في أقلّ الأحوال إضعافها وتطويقها. فالعدوّ حين يدمّر ويشرّد ويقتل ويحاصر ويجوّع فهو لا يستهدف النّاس، بل يستهدف الفكرة ليمحو الرّواية، رواية الحقّ الفلسطينيّ التّاريخيّ على أرض فلسطين.

هكذا رحل القائد الأمميّ الشّهيد، وبقي في قلوب النّاس أملا وشعلة لا ينطفئان أبدا. يظلّ صوته يتردّد على مسامعنا، ونظلّ نهتدي بفعله وفيض إنسانيّته وبحكمته، واتّزانه وقدراته الخطابيّة الأكثر بلاغة وإقناعا وصدقا. غادرنا الجسد، وسطّر لنا فكره ‘كوجيتو’: ” أنا أقاوم فأنا موجود”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *